رحمة الشريعة بالمفسدين

الكتاب : الفقه على المذاهب الأربعة

المؤلف : عبد الرحمن الجزيري

رحمة الشريعة بالمفسدين

 

- وايضا فقد رأينا في زمن من الأزمنة اضطراب حبل الأمن في البلاد المقدسة اضطرابا شديدا فلما نفذ فيهم حكم الله تعالى وقطعت ايدي بعض السارقينن لم تلبث الجريمة أن اختفت وحل محالها الأمن والطمأنينة . على أن الذي يتأمل في المثالين المذكورين يدرك أن شدة العقوبة إنما هي في ظاهر المر أما في الواقع فهي رحمة بالسارقين فاسدي الأخلاق فإنهال قد زجرتهم فعلا وأوقفتهم عند حدهم فتركوا هذه الجريمة المؤذية للمجتمع شر إيذاء طعن الملاحدة .

لقد أثار الملاحدة شبهة على حد الشرقة وطعنوا في أحكام القرآن الكريم وقالوا : لونفذنا حد السرقة لشوهنا نسف المجتمع وقضينا على عدد كبير من أبناء البشرية الذين تشل حركتهم ولرأينا جيشا جرارامن العاطلين والمشوهين الذين قطعت أطرافهم بحد السرقة والرد على هذه الشبهة يسير جدا وهو أن تقول لهم : انظروا إلى المجتمع الذي كان في عهد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وعهد الخلفاء الراشدين والأمن الذي كان ينتشر فيه والسعادة التي كانت ترفرف عليه حين كانوا ينفذون أحكام الشرعة بدقة من غير إهمال .

وقارنوا بينه وبين المجتمع الذي نحن فيه مع وجود المال وانتشار الحضارة والمدنية في كل مكان .

ولكن الأمن غير مستتب والناس غير آمنين على أموالهم وأنفسهم والفاسد قط عم كل مكان والسرقات من الأفراد والجماعات و الحكومات سرا وعلانية بل إن العصابات تسطو على الناس في الشوارع والطرقات في الليل ورابعة النهار وفي الممحلات والسيارات .والمركبات وذلك كله لعدم تنفيذ حدود الإسلام والتمسك بأحكام الشريعة الغراء . فتنفيذ حد السرقة هو العلاج الوحيد لهذه الفوضى التي نعيش فيها في هذا الزمان .

كما أنهم طعنوا في أحكام الشريعة وقالوا جهلا منهم إن اليد إذا اعتدي عليها تقوم في الدية بخمسمائة دينار من الذهب الخالص .

فكيف تقطع في ثلاثة دراهم وهو مال حقير وقد ذكروا أن ابا العلاء المعري لما قدم بغداد اشتهر عنه أنه اورد إشكالا على الفقهاء في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار ونظم في ذلك شعرا دل على جهله وقلة عقله فقال : يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار تناقض حالنا إلا السكوت له ... وأن نعوذ بمولانا من النار ولما قال ذلك واشتهر عنه تطلبه الفقهاء فهرب منهم وقد أجابه الناس في ذلك بأجوبة كثيرة وكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي رحمه الله تعالى أن قال : ( لما كانت أمينة كانت ثمينة ولما خانت هانت ) ومنهم من قال : هذا مت تمام الحكمة والمصلحة وأسرار السريعة العظيمة فإن باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار لئلا يجنى عليها إكراما لبني آدم وتعظيما لمكانته ورفعة لحرمته وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار لئلا يسارع الناس في سرقة الأموال فهذا هو عين كالحكمة عند ذوي العقول والألباب ولهذا قال تعالى : { جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم } . أي مجازاة على صنيعهما السيء في أخذهما أموال الناس بأيديهم فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك { نكالا من الله } أي تنكيلا من الله بهما على ارتكاب هذا الجرم الشنيع الذي لا يلجأ إليه إلا النفوس الخبيثة التي رق دينها ونسيت مراقبة الله لها وباعت آخرتها بدنياها فتعدت حدود الله من غير خوف ولا وجل وتجرأت على أكل أموال الناس بالباطل . فكان من الحكمة أن يقسو عليها الشرع في أحكامه حتى تردع عن غيها وترجع عن إجرامها . { والله عزيز } في انتقامه لا يغالب بل يقهر الجبارين المعتدين { حكيم } في أمره' ونهيه وشرعه وقدره وفيما يشرعه من أحكام لعباده صيانة لمصالحهم وحفظا لأموالهم و ارواحهم وجلبا لسعادتهم في هذه الحياة وتطهيرا للمجتمع من المفسدين والعابثين ولأن الأموال خلقت مهيأة للانتفاع بها للخلق أجمعين ثم الحكمة الأولية حكمة فيها الاختصاص الذي هو الملك المك شرعا وبقيت الطماع متعلغة بها والمال والحرز عن أكثرهم فاذا أحرزها مالكها فقد اجتمع فيها الصون والحرز الذي هو غاية الإمكان للإنسان فإذا هنكا فشت الجريمة فعظمت العقوبة وإذا عنك احد الصورتين وهو المك . وجب الضمان والأدب حتى يرتدع المعتدون الذين لا يخافون الله واليوم الآخر فلعنة الله على السارق الخائن الذي يبذل الغالية الثمينة في الأشياء المهينة .

قالوا : وقد بدأ الله بالسارق في هذه الآية قبل ذكر السارقة وبدأ بذكر الزانية في آية الزنى قبل ذكر الزاني . لأن حب المال في قلوب الرجال أغلب منه في قلوب النساء فقد ذكر الرجال في السرقة ولأن شهوة الاستمتاع باللذة على النساء أغلب منها على الرجال فقد ذكر النساء في آية الزنى . والله أعلم . وقد جعل الله تعالى حد السرقة قطع اليد لتناول المال بها ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر مع واقعة الفاحشة به لثلاثة معان

أحدهما : أن للسارق مثل يده التي قطعت فإن انزجر بها اعتاض بالثانية وقضى بها مآربه ولكن ليس للزاني مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه

الثاني : أن الحد زجر للمحدود وغيره وقطع اليد في السرقة ظاهر يراه الناس بالعيان فيعتببرون به أما قطع الذكر في الزنى فهو باطن فلا يراه أحد للعبرة .

الثالث : أن قطع الذكر فيه إبطال للنسل وليس في قطع اليد إبطاله ثم قال الله تعالى : { ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير } فالآية خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم وغيره أي لا قرابة بين الله ولين أحد من خلقه توجب المحاباة والحدود تقام على كل من يقارف موجب الحد وله أن يحكم بما يريد ويفعل ما يشاء لنه مالك الملك فيعذب من يشاء بعدله ويغفر لمن يشاء بجوده وكرمه وهو على كل شيء قدير والله اعلم .

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة