توبة السارق

الكتاب : الفقه على المذاهب الأربعة

المؤلف : عبد الرحمن الجزيري

توبة السارق

 

اتفق الأئمة على أن السارق إذا تاب عن السرقة توبة صالحة وظهرت أماراتها وندم على ما سقط منه وعزم على عدم العود إلى السرقة مرة ثانية فإن الله تعالى يقبل توبته لقوله تعالى في الآية الثانية بعد آية السرقة : { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فأن الله يتوب عليه أن الله غفور رحيم } فإن الله تعالى يتجاوز عنه ويغفر له خطيئته .

وقد روي عن الرسول صلى الله عليه و سلم أنه قال : ( التوبة تجب ما قبلها ) وقال صلوات الله وسلامه عليه : ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) وإذا أقيم عليه الحد في الدنيا فإنه يكون كفارة له ولا يعذب بهذا الذنب يوم القيامة إذا رضي بالحد وقبله وتاب إلى ربه .

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( الله أعدل أن يثني على عبده العقوبة في الآخرة ) ولكن القطع لا يسقط عنه بالتوبة وصيرورته عدلا ولو طال زمن التوبة والعدالة . بعد السرقة الثابتة عليه . ومحل عدم سقوط القطع عنه إذا بلغ الأمر إلى الإمام بدليل ما روى أبو داود عن صفوان بن أمية قال : كنت نائما في المسجد على خميصة لم ثمنها ثلاثون درهما فجاء رجل فاختلسها مني ) فأخذ الرجل فأتي به النبي صلى الله عليه و سلم فأمر به ليقطع قال : فأتيته فقلت : أتقطعه من أجل ثلاثين درهما ؟ أنا أبيعه وأنسئه ثمنها قال : ( فهلا كان هذا قبل أن تأتي به ) .

فإذا لم يصل الأمر إلى الإمام فيسقط القطع بالعفو والشفاعة وهيئة الشيء للسارق وذلك إذا لم يكن الرجل معروفا بالفساد وإلا فلا تقبل الشفاعة فيه حتى يرتدع ويشترط في التوبة أن تكون بينة صادقة وعزيمة صحيحة خالية من سائر الأغراض الدنيوية . حتى لا يسرق المجرمون أتكالا على الشفاعة عند القبض عليهم . كما قال تعالى : { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح } قبلها الله فيما بينه وبينه فأما أموال الناس فلا بد من ردها اليهم كما قالل جمهور العلماء .

وقد وقعت حوادث في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وتاب أصحابها توبة نصوحا روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتي بسارق قد سرق شملة فقال : ما أخاله . سرق فقال السارق .

بلى يا رسول الله قال : ( اذهبوا به فاقطعوه ثم أحسموه ثم أئتوني به ) فقطع فأتي به فقال ( تب إلى الله ) فقال : ( تاب الله عليك ) . وقد روى أبن ماجة من حديث أبن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن ثعلبة النصاري عن ابيه عن عمر بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : يارسول الله إنتي سرقت جملا لبني فلان فطهرني فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا : إنا افتقدنا جملا لنا فأمر به فقطعت يده وهو يقول الحمد الله الذي طهرني منك اردت أن تدخلي ( جسدي النار ) فهد التوبة النصوح .

وقال ابي جرير حدثنا أبو كريب حدثنا موسى بن داود حدثنا أبن لهيعة عن يحيى بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال : سرقت امرأة حليا فجاء الذين سرقتهم فقالوا : يا رسول الله سرقتنا هذه المرأة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( اقطعوا يدها اليمنى ) فقال المرأة : هل من توبة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( أنت اليوم من خظئتك كيوم ولدتك امك ) قال : فأنزل الله عز و جل : { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فأن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم } .

وقد رواه الإمام أحمد بأبسط من هذا فقال : حدثنا أبن لهيعة حدثني يحيى بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو أن امرأة سرقت على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فجاء بها الذين سرقتهم فقالوا : يا رسول الله إن هذه المرأة سرقتنا قال قومها : فنحن نفديها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( اقطعوا يدها ) فقالوا نحن نفديها بخمسمائة دينار فقال : ( اقطعوا يدها ) فقطعت يدها اليمنى فقالت المرأة هل لي من توبة يا رسول الله ؟ قال : ( نعم أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك امك ) فأنزل الله في سور المائدة : { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه ان الله غفور رحيم } وهذه المرأة هي المخزومية التي سرقت وحديثها ثابت في الصحيحين كما سبق في أول الباب .

وروي عن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قال عنها : إنها تابت وحسنت توبتها بعد وتزوجت وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فهذه هي التوبة الخالصة التوبة النصوح التي تحمل صاحبها على الندم على ما وقع منه وتشعره بالحسرة على ما فرط في جنب الله عز و جل ويجبره على الإقلاع عن الذنب) .

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة