مبحث صفة القصاص في النفس

الكتاب : الفقه على المذاهب الأربعة

المؤلف : عبد الرحمن الجزيري

مبحث صفة القصاص في النفس

 

المالكية رحمهم الله تعالى قالوا : يجب أن يقتل القاتل بما قتل به ولو كان المقتول به نارا لقوله تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا ما عوقبتم به } قال المفسرون : إن هذه الآية دليل على جواز التماثل في القصاص فمن قتل بحديدة قتل بها ومن قتل بحجر قتل به ولا يتعدى قدر الواجب ويكون القصاص بالنار مستثنى من النهي عن التعذيب بها على المشهور قالوا : والمعنى أن الحق في القتل للولي بمثل ما قتل به الجاني وذلك إذا ثبت القتل بالبينة أو الاعتراف أما لو ثبت بقسامة فإنه يقتل بالسيف وكذلك لو ثبت أن القتل بخمر فيتعين قتل الجاني بالسيف وكذا لو أقر بأنه قتله لواطا فلا يقتل بما قتل به بأن يجعل له خشبة في دبره حتى يموت بل يجب أن يقتل بالسيف أما لو ثبت اللواط بأربعة شهود فيكون حده الرجم بالحجارة حتى يموت ولو كان غيرمحصن وكذلك من قتل بالسحر وثبت عليه ذلك بالبينة أو إقرار فيتعين قتله بالسيف ولا يلزم بفعل السحر مع نفسه حتى يموت لأن الأمر بالمعصية معصية قال بعضهم : أنه إذا أقر يؤمر بفعله لنفسه فا مات وإلا فالسيف وكذلك القتل بالسم يقتل بالسيف في ظاهر المذهب وكذلك إذا قتله بمنعه عن الطعام أو الماء أو قتله بكثرة الأكل والشراب أو نخسه بإبرة حتى مات على الراجح فلا يفعل بالجاني ذلك بل يتعين قتله بالسيف قالوا : فإن صدر منه القتل بالغرف يفرق وإن صدر منه القتل بالخنق يخنق وإن قتل بحجر فإنه يقتل بضرب حجر ويكون الضرب في موضع خطر حتى يموت بسرعة وإذا قتل آخر بالضرب بعصا فإنه يضرب عصا حتى يموت قالوا : ويمكن متسحق القصاص من السيف ولو كان الجاني قتل بشيءأخف من السيف لأن الحق له في القتل بمثل ما قتل به المجني عليه فإذا طلب القصاص بالسيف فإنه يجاب إلى طلبه لأن فيه تخفيفا عن القاتل .

الشافعية والحنابلة في إحدى روايتهم قالوا : يجب أن يقتص من القاتلن على الصفة التي قتل غيره بها وبآلة تشبه الآلة التي استعملها في مباشرة القتل حت يتحقق القصاص ويشعر بالألم الذي شعر به القتيل إن كان قتله بفعل مشروع فإن مات بهذه الوسيلة التي استعملها وإلا تحز رقبته بالسيف قتلا لأن مبنى القصاص لغة وشرعا على المساواة وذلك فيما ذكرنا لأن فيه مساواة في اصل الوصف والفعل المقصود به فمن قتل غيره تغريقا قتل تغريقا بالماء ومن قتل بضرب حجر قتل بمثل ذلك إلا أن يطول تعذيبه بذلك فيكون السيف له أروح فإن قطع يد رجل فمات بسبب السراية فعل به مثل ذلك ويمهل تلك المدة التي مكثها المقتول فإن مات وإلا تحز رقبته بالسيف وإن كان القتل بشي غير مسموح به شرعا كأن أكرهه على شرب الخمر حتى قتله بها أو لاط بصغيرن فقتله أو اعتدى على صغيرة وزنى بها فقتلها فإنه يجب قتله في هذه الحالة بالسيف لأن المماثلة ممتنعة لتحريم الفعل وحجتهم في ذلك قول تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } آية 126 من النحل وقوله تعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } آية 194 من البقرة ،قال القرطبي : لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية أصل في التماثل في القصاص فمن قتل بشيء قتل بمثل ما قتل به وهو قول الجمهور ما لم يقتله بفسق كاللواطة وإسقاء الخمر . وما روي عن انس بن مالك رضي الله تعالى عنه ( أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين فسألوها : من صنع بك هذا ؟ فلان ؟ فلان . حتى ذكروا يهوديا فأومأت برأسها فأخذ اليهودي فأقر فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن ترض رأسه بين حجرين متفق عليه واللفظ لمسلم فالحديث دليل على أنه يجب القصاص بالمثقل كالمحدد وأنه يقتل الرجل بالمرأة وأن القاتل يقتل بما قتل به قال تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } وبما أخرجه البيهقي من حديث البراء رضي اللهتعالى عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ( من غرض غرضنا به ومن حرق حرقناه ومن غرق غرقناه ) ومعنى غرض أي اتخذه غرضا للسهام ولأن المقصود من القصاص التشفي وإنما بكمل إذا قتل بمثل ما قتل وحديث النهي عن المثلة محمول على من وجب قتله لا على وجه المكافأة ويشترط أن تراعى المماثلة في طريق القتل وتراعى في الكيفية والمقدار ففي التجويع يحبس مثل تلك المدةن ويمنع عنه الطعام وفي الإلقاء في الماء أو النار يلغى في ماء ونار مثلهما ويترك تلك المدة وتشد قوائمه عند الإلقاء في الماء إن كان يحسن السباحة وفي الخنق يخنق بمثل ما خنق بمثل تلك المدة وفي الإلقاء من الشاهق يلقى من مثله وتراعى صلابة الموضع وفي الضرب بالمثقل يراعى الحجم وعدد الضربات وإذا تعذر الوقوف على قدر الحجر أو النار أو على عدد الضربات اخذ باليقين وقيل : يعدل إلى السيف هذا إذا عزم على أنه إن لم يمت بذلك قتله فإن قال ولي الدم فإن لم يمت به عفوت عنه لم يمكنه لما فيه من التعذيب وفي السحر يقتل بالسف لأن عموم السحر حرام لا شيء مباح فيشبهه ولا ينضبط وفي الخبر ( حد الساحر ضربه بالسيف ) ولو قتله بمسموم من طعام أو آلة اقتص منه بمثلها إذا لم يكن مهريا يمنع الغسل ولو أنهشه حية فإن كانت تلك الحية موجودة لم يعدل إلى غيرها ولو كانت غير موجودة جاز العدول إلى حية غيرها لتنهشه وكذلك لو ألقاه في زريبة أسد فافترسه فإنه يلقى أمام الأسد ليفترسه كما فعل ولو رجع شهود الزنا بعد رجم المشهود عليه اقتص منهم بالرجم وإن رجعوا بعد موته بالجلد اقتص منهم وبالجلد ولو جوع كتجويعه فملم يمت في المدة الي جوع فيها المقتول فإنه يزاد في المدة حتى يموت ليكون قتله بالطريق التي قتل به ولا يبالي بزيادة الإيلام والتعذيب كما لو ضرب رقبة إنسان بضربة واحدة ولم تنحز رقبته إلا بضربتين لأن المماثلة قد حصلتن ولم يبق إلا تفويت الروح فيجب تفويتها بالأسهل ومن عدل من أولياء الدم عما تجوز فيه المماثلة إلى الضرب بالسيف فله ذلك سواء ارضي الجاني أم لا فإنه أرحم واسهل بل هو أولى للخروج من الخلافن أما إذا عدل إلى ذبحه كالبهيمة لم يجز لهتكه الحرمة فإن كان الجاني قتل بالسيف ويريد ولي المقتول قتل الجاني بغير السيف فإنه لا يمكن من ذلك ولو قطع يدهن فسى قطعه للنفس فمات فللولي حز رقبته ابتداء لأنه أسهل على الجاني من القطع ثم الحز وله القطه للمماثلة ثم الحز للرقبة حالا للسراية ولا يجاب الجاني إذا قال لولي المجني عليه : امهلني عليه بعد جنايتي لثبوت حق القصاص ناجزا وإن شاء الولي أخر وانتظر السراية بعد القطع وليس للجاني أن يقول لولي المقتول ارحني بالقتل أو العفو بل الخيرة في ذلك إلى المستحق لأنه صاحب الشأن ولو مات بجائفة أو كسر عضو أو نحو ذلك مما لا قصاص فيه . فللولي حز الرقبة بالسيف لا غير لأن المماثلة لا تتحقق في هذه الحالة بدليل عدم إيجاب القصاص في ذلك عند الاندمال فوجب السيف فإن قال ولي المقتول : أجيفه وأقتله أن لم يمت فله ذلك وإن قال : أجيفه ثم أعفو لم يكن من ذلك ولو اقتص معطوع عضو فيه نسف الدية من قاطعه ثم مات المقطوع الأول بالسراية فلوليه حز الرقبة وله عفو بنصف الدية في تركة الجاني ولو قطعت يداه فاقتص المقطوع ثم مات سراية فلوليه الحز لرقبة الجاني في مقابلة نفس مورثه فإن عفا عن قتله فلا شيء له لأنه استوفى ما يقابل الدية ولو مات الجاني سراية من قطع عضو منه قصاصا فنفسه هدر لقوله تعالى : { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل } وقد روى البعقي عن عمر وعلي رضي الله عنهما : ( من مات في حد أو قصاص فلا دية له والحق قتله ) ولأنه مات من قطع يستحق فلا يتعلق بسرايته ضمان كقطع يد السارق حدا .

قالوا : يأذن الإمام أو نائبه لواحد من مستحقي القصاص في استيفائه بنفسه في النفس إذا طلب ذلك ليكمل له التشفي الحنفية قالوا : لا يجوز أن يستوفى القصاص إلا بالسيف خاصة في جميع الأحوال سواء كان القتل به أم بغيره واحتجوا على مذهبهم بما أخرجه البزار وابن عدي من حديث أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : ( لا قود إلا بالسيف ) وواحتجوا بأن الشارع نهى عن المثلة وقوله صلى الله عليه و سلم : ( إذا قتلتم فأحسنوا القتلة ) فقول الرسول صلى الله عليه و سلم ( لا قود إلا بالسيف ) نص على نفي استيفاء القصاص بغيره . ويلحق به ما كان سلاحا من غير السيف كالمدفع والبندقة وغيرهما ولأن فيما ذهب الأئمة إليه استيفاء لزيادة فلم يحصل المقصود بمثل ما فعل الجاني فيجب التحرز عنه كما في كسر العظم والجائفة ولأن الآلة في الاغراق والخنق وإلاحراق غير معدة للقتل ولا مستعملة فيه لتعذر استعمالها فتمكنت شبهد عد العمدية ولأن القصاص مبني على المماثلة ومنه يقال : اقتص أثره ولا تماثل بين الجرح والدق لقصور الثاني عن تخريب الطاهر وكذا لا يتماثلان في حكمة الزجر لأن القتل بالسيف غالب وبالمثقل نادر وأما ما رواه الشافعية من قول الرسول صلى الله عليه و سلم : ( من غرق غرقناه ومن حرق حرقناه من قتل عبدا قتلناه ) فهو غير مرفع لأنه يلزم على قولهم أنه يجوز التحريق بالتحريق وهو منهي عنه شرعا فقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : ( لا تعذبوال احدا بعذاب الله ) أو أن الحديث محمول على السياسة حيث اضافه صلى الله عليه و سلم إلى نفسه فقال : ( غرقنا ) ولم يقل صلوات الله وسلامه عليه ( حرقوه أو غرقوه ) وقد استدل الأحناف بهذا الحديث في وجوب القصاص ولم يعملوا به في الاستيفاء لقول صلى الله عليه و سلم : ( لا قود إلا بالسيف ) فهو أقوى من الحديث الثاني عند أهل الحديث وقد ذكر بعده فنسخ حكمه

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة