مبحث الجناية على الأطراف

الكتاب : الفقه على المذاهب الأربعة

المؤلف : عبد الرحمن الجزيري

مبحث الجناية على الأطراف

 

 

 

- أما الجناية على الأطراف من يد أو عين أو سن فقد جعلت الشريعة الإسلامية عقوبتها القصاص أيضا بمعنى أنه يفعل بالجاني مثل ما فعل جزاء وفاقا ولكن يشترط المماثلة بين العضوين فلا تفقأ عين عوراء في نظير عين سليمة ولا يقطع لسان أخرس في لسان متكلم ولا تقطع يد عاطلة بيد عاملة ونحو ذلك مما هومبين في محله .

اتفق الأئمة الأربعة : على أن من أتلف نفسا فعليه دية كاملة وفي مارن الأنف وهو ما لأن دون العظم ويسمى أرنبة الأنف تجب دية كاملة لأن فيه جمالا ومنفعة وهو مشتمل على الطرفين المسمييين بالمنخرين وعلى الحاجز بينهما وتندرج حكومة قصبته في ديته فلا يزاد على دية واحدة لأنه عضو واحد وفي قطع اللسان الدية لفوات منفعة مقصودة وهو النطق ولو كان اللسان لألكن وهو من في لسانه لكنة أو أعجم ول لسان أرت ولو لسان ألثغ - بمثلثة - ولو لسان طفل لم ينطق ولأن فيه جمالا ومنفعة يتميز بها الإنسان عن البهائم في البيان والعبارة عما في الضمير وفيه ثلاث منافع : الكلام والذوق والاعتماد في أكل الطعام وإدارته في اللهوات حتى يستكمل طحنه بلأضراس فتجب فيه دية كاملة وفي إبطال الصوت مع إبقاء اللسان دية كاملة.

 وهذا هو العدل المطلق فإن الذي يعتدي على إتلاف عضو إنسان لا جزاء له إلا أن يتلف منه ذلك العضو كما قال تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } آية [ 40 من سورة الشورى ] والجواب : أن في هذا القصاص تقليلا لأرباب العاهات - لا تكثيرا - بل في القصاص قضاء على الجريمة من أصلها كما قال تعالى : { ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون } آية [ 179 من سورة البقرة ] لأن الذي يوقن بالجزاء المماثل ويعلم أنه إذا اعتدى على عضو من أعضاء بدن غيره قطع مثله منه فإنه يحجم عن ارتكاب الجريمة بتاتا وبذلك يرتفع العدوان فلا يوجد ذو عاهة أصلا لا معتد ولا معتدى عليه أما الذي يعلم أن نتيجة عدوانه عقوبة بالسجن القليل فإنه لا يبالي بتكرار فعله مع كثيرين فيزيد أرباب العاهات والمجرمون معا على أن السجن إذا طال أمده فإنه يكون من شر الآفات التي تقضي على حياة المجرم فإنه يصبح عاطلا مستهترا بالجرائم كما هو مشاهد في كثير من متعودي الإجرام والسجون فمتى أمكن القصاص بالتساوي بين العضوين كان من العدل أن يقتص من الجاني بمثل جنايته وإن لم يمكن كان للحاكم أن يعزره بما يراه زاجرا له عن العودة ورادعا للأشرار عن ارتكاب الجرائم . على أنك قد عرفت أن القصاص في نظر الشريعة الإسلامية حق المعتدى عليه فله أن يصطلح مع خصمه على مال أو غيره أو يعفو عنه فإذا رأى الحاكم أن العفو يترتب عليه ضرر بالأمن فله أن يتخذ الوسائل التي يراها لصيانة الأمن وقيل : شرط الدية في قطع لسان الطفل الصغير ظهور أثر نطق بتحريكه لبكاء أو مص للثدي لانها أمارات طاهرة على سلامة اللسان فإن لم يظهر فحكومة لأن سلامته غير متيقنة والأصل براءة الذمة ولو قطع نصف لسانه فذهبب ربع كلامه أو عكس فنصف الدية وإن شل اللسان فديتان وقيل : دية وإذا كان اللسان المقطوع عديم الذوق أو كان أخرسا تجب فيه حكومة عدل وتجب الدية كاملة إذا قطع بعض اللسان ومنع الكلام لتفويت منفعة مقصودة وإن كانت الآلة قائمة ولو قدر على التكلم ببعض الحروف .

قيل : تقسم على عدد حروف الهجاء وقيل على عدد حروف تتعلق باللسان فبقدر ما لا يقدر عليه تجب ديته وربما يقال : إن ذلك الجزاء تكثير لرباب العاهات بين أفراد الأمة فبعد أن كان الناقس هو المعتدي ناقصا مثله وذلك ضار بقوة الأمة وبهيبتها وقيل : إن قدر على أداء أكثرها تجب حكومة عدل لحصول الإفهام مع الاختلال وإن عجز عن أداء الأكثر يجب كل الدية لأن الظاهر أنه لا تحصل منفعة الكلام وقد روي أن رجلا قطع طرف لسان رجل في زمان الإمام على كرم الله وجهه فأمره أن يقرأ - ا ب ت ث - فكلما قرأ حرفا أسقط من الدية بقدر ذلك ومالم يقرأ أوجب من الدية بحسبانه وحروف اللسان ثمانية عشر حرفا في لغة العرب وحروف الحلق وهي ستة وحروف الحلق وهي ستة وحروف الشفة وهي أربعة وفي قطع الذكر تجب الدية كاملة وكذلك الحشفة وهي رأس الذكر إذا قطعها عليه دية كاملة ولو كان الذكر لصغير وشيخ كبير وخصي وعنين لإطلاق الحديث الوارد في ذلك وعند أكثر الفقهاء : أن في ذكر الخصي والعنين حكومة والأصل فيه ما روي عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن النبي صلوات الله وسلامه عليه قال ( في النفسن الدية وفي اللسان الدية وفي المارن الدية ) وهكذا في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه و سلم لعمرو بن حزم رضي الله عنه ( روى أبو داود في المراسيل عن ابن شهاب قال : قرأت في كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم رواه النسائي ) . ولأن ذكر الخصي سليم وهو قادر على الإيلاج وإنما الفائت الإيلاد والعنة عيب في غير الذكر لأن الشهوة في القلب والمني في الصلب وليس الذكر بمحل لواحد منهما : فكان سليما من العيب والحشفة كالذكر لأن ما عداها من الذكر كالتابع لها كالكف مع الأصابع لأن معظم منافع الذكر وهو لذة المباشرة تتعلق بها وأحكام الوطء تدور عليها من قطع بعضها يجب بقسطه منها لأن الدية تكمل بقطعها فقسطت على أبعاضها وقيل : يجب بقسطه مع كل الذكر لأنه المقصود بكمال الدية أما الذكر الأشل ففيه حكومة عدل وذكر الخنصى ففيه نصف دية ونصف حكومة والأصل في الأطراف أنه إذا فوت جنس منفعة على الكمال أو أزال جمالا مقصودا في الآدمي على الكمال يجب كل الدية لإتلافهكل النفس من وجه وهو ملحق بالإتلاف من كل وجه تعظيما للآدمي فإن كان جنس المنعفة أو الكمال قائما بعضو واحد فعند إتلافه يجب كمال الدية وإن كان قائما بعضوين ففي كل واحد منهما نصف الدية وإن كان قائما بأربعة أعضاء ففي كل واحد منها ربع الدية وإن كان قائما بعشرة أعضاء ففي كل واحد منها عشر الدية وإن كان قائما بأكثر ففي كل واحد منها نصف عشر الدية كقطع أنملة إبهام الأصبع مثلا وفي قطع الذكر فاتت على الشخص منفعة الوطء والإيلاد واستمساك البول والرمي به عن جسده وفق الماء والإيلاج الذي هو طريق الاعلاق عادة وغير ذلك وإن شق الذكر طولا فأبطل منفعته وجبت فيه دية كاملة كما لو ضربه على ذكره فأشله وإن تعذر بضربه الجماع به لا الانقباض والانبساط فتجب حكومة عد لأنه ونفعته باقيان والخلل في غيرهما فلو قطعه قاطع بعد ذلك فعليه القصاص أو كمال الدية وفي العقل إذا ذهب بالضرب عمدا أو خطأ دية كاملة وقد قضى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بذلك ولفوات منفعة الإدراك إذ به ينتفع بنفسه في معاشه ومعاده وذلك إذا لم يرج عوده بقول أهل الخبرة في مدة يظن أنه يعيش إليها كما جاء في خبر عمرو بن حزم وقل أبن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه العلم على ذلك لأن العقل أشرف المعاني والأعضاء وبه يتميز الإنسان عن البهائم ويعقله عن الوقوع في الدنايا والمراد العقل الغريزي الذي به التكليف دون المكتسب الذي به حسن التصرف ففيه حكومة فإن رجي عوده في المدة المذكورة انتظر فإن عاد فلا ضمان كما في سن من لم ينفر وفي إزالة بعضه بعض الدية بالقسط إن ضبط بزمان كأن كان يجن يوما ويفيق يوما أو بغيره كأن يقابل صواب قوله وفعله بالمختل منهما وتعرف النسبة بينهما فإن لم ينضبط فحكومة يقدرها الحاكم باجتهاده فإن ما في أثناء المدة المقدر عوده فيها وجبت ديته كاملة ولا يجب القصاص فيه للاختلاف في محله فقيل محله - القلب - وقيل : الدماغ وقيل : مشترك بينهما والأكثرون على الأول .

وقيل : مسكنه الدماغ وتدبيره القلب ويسمى عقلا لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك ولا يراد شيء على دية العقل أن زال بما لا أرش له كأن ضرب رأسه أو لطمه لكن يجب تعذيره في الأصح فإن زال العقل الغريزي بجرح له أرش مقدر كالموضحة أو حكومة كالباضعة وجبت الدية والأرش أو الدية والحكومة معا ولا يندرج ذلك في دية العقل لأنها جناية أبطلت منفعة غير حالة في محل الجناية فكانت كما لو أوضحه فذهب سمعه أو بصره وكما لو انفردت الجناية عن زوال العقل وعلى هذا لو قطع يديه وجليه فزال عقله بذلك لزمه ثلاث ديات ولو ادعى ولي المجنون زوال عقل المجني عليه وأنكره الجاني ونسبه إلى التجانن اختبر في عقله فإن لم ينتظم قوله وفعله في خلواته فتجب له دية بلا يمين وهذا في المجنون المطبق أما المجنون المنقطع فإنه يحلف في زمن إفاقته فإن انتظم قوله وفعله حلف الجاني لاحتمال صدور المنتظم اتفاقا أو جريا على العادة والاختيار لا يقدر بمدة بل إلى أن يغلب على الظن صدقه أو كذبه ولا بد في سماع دعوى الزوال من كون الجناية تحتمل زوال العقل . وإلا لم تسمع الدعوى كحصول الموت بصعقة خفيفة وفي إزالة السمع تجب دية كاملة لخبر البيهقي .

 

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة