في السمع الدية

الكتاب : الفقه على المذاهب الأربعة

المؤلف : عبد الرحمن الجزيري

( في السمع الدية )

 

ونقل أبن المنذر فيه الإجماع ولأنه من اشرف الحواس فكان كالبصر بل هو أشرف منه عند أكثر الفقهاء لأن به يدرك الفهم ويدرك من الجهات الست وفي النور والظلمة ولا يدرك بالبصر إلا من جهة المقابلة وبواسطة من ضياء أو شعاع وقال أكثر المتكلمين بتفضيل البصر عليه لأن السمع لا يدرك به إلا الأصوات والبصر يدرك الأجسام والألوان والهيئات فكان أشرف منه ولا بد في وجوب الدية من تحقق زوال السمع فلو قال أهل الخبر : يعدو وقدروا له مدة لا يستبعد أن يعيش إليها انتظرت فإن استبعد ذلك أو لم يقدروا مدة أخذت الدية في الحال . وإن قالوا : لطيفة السمع باقية في مقرها ولكن انسد منفذ السمع والسمع باق وجبت فيه حكومة وقيل : يعتبر في طريق معرفة السمع الدلائل الموصلة إلى ذلك فإن لم يحصل العلم بذلك يعتبر في الدعوى والإنكار فطريق معرفة السمع أن يتغافل وينادى عليه فإن أجاب على أنه يسمع ولا دية له حكى الناطفي عن أبي حازم القاضي أن امرأة تطارشت في مجلس حكمه فاشتغل بالقضاء عن النظر إليها ثم قال لها فجأة غطي عورتك فاضطربت وتسارعت إلى جمع ثيابها وظهر مكرها وفي إزالة السمع من أذن واحدة يجب نصف الدية وفي قطع الأذنين الشاخصتين الدية لأن فيهما تمام الجمال ولو أزال أذنيه وسمعه فتجب ديتان لأن محل السمع غير محل القطع فلم يتداخلا لو ادعى المجني عليه زوال السمع من أذنيه وكذبه الجاني وانزعج للصياح في قوم وغفلة فكاذب لأن ذلك يدل على التصنع ولا بد من تحليف الجاني وإن سمعه لباق لاحتمال أن يكون انزعاجه اتفاقا من غير سمع وإن لم ينزعج المجني عليه بالصياح ونحوه فصادق في دعواه وتجب له الدية كاملة وإن نقص سمع المجني عليه فقسط النقص من الدية إن عرف قدر ما ذهب بأن كان يسمع من مكان كذا فصار يسمع من قدر نصفه مثلا وطريق معرفة ذلك أن يحدثه شخص ويتباعد إلى أن يقول : لا أسمع فيعلي الصوت قليلا فإن قال : أسمع عرف صدقه ثم يعمل كذلك من جهة أخرى فإن اتفقت المسافتان ظهر صدقه ثم ينسب ذلك من مسافة سماعه قبل الجناية إن عرف ويجب بقدره من الدية فإن كان التفاوت نصفا وجبت الدية وإن لم يعرف قدره بالنسبة فتجب فيه حكومة عدل باجتهاد قاض ولو قال المجني عليه : أنا أعرف قدر ما ذهب من سمعي صدق بيمينه لأنه لا يعرف إلا من جهته وإن نقص سمع المجني عليه من أذن واحدة سدت هذه الناقصة وضبط منتهى سماع الآخرين ثم عكس . ويؤخذ قسط التفاوت من الدية فإن كان بين مسافة السمعية والأخرى النصف فله ربع الدية لأنه أذهب رع سمعه وإن كان الثالث فيجب عليه سدس الدية وهكذا فإن لم ينضبط فالواجب حكومة عدل وفي ذهاب بصر كل عين صغيرة أو كبيرة حادة أو كحلة صحيحة أو عليلة عمشاء أو حولاء من شاب أو شيخ أو طفل حيث البصر سليم يجب نصف الدية وفي العينين الدية كاملة لأن البصر من المنافع المقصودة في الحياة وقد روي أن عمر رضي الله عنه قضي بأربع ديات في ضربة واحدة ذهب بها العقل والكلام والسمع والبصر وإن ادعى المجني عليه زوال بصره أنكر الجاني سئل أهل الخبرة بذلك عدلان منهم مطلقا أو رجل وامرأتان أن كان خطأ أو شبه عمد فانهم إذا أوقفوا الشخص في مقابلة عين الشمس ونظروا في عينه عرفوا أن الضوء ذاهب أو موجود بخلاف السمع لا يراجعون فيه إذ لا طريق لهم إليه أو يمتحن المجني عليه بتقريب عقرب أو حديدة محماة أو نحو ذلك من عينه بغتة ونظر هل ينزعج أم لا ؟ فإن انزعج صدق الجاني بيمينه وإلا فالمجني عليه بيمينه وإن نقص ضوء المجني عليه فحكمه كنقص السمع فإن عرف قدر النقص بأن كان يرى الشخص من مسافة فصار لا يراه إلا من نصفها مثلا فقسطه من الدية وإلا فحكومة عدل فإن نقص بعض ضوء عينه عصبت ووفق شخص في موضع يراه ويؤمر أن يتباعد حتى يقول : لا أراه فتعرف المسافة ثم تعصب الصحيحة وتطلق العليلة ويؤمر الشخص بأن يقرب راجعا إلى أن يراه فيضبط ما بين المسافتين ويجب قسطه من الدية فإن أبصر بالصحيحة من مائتي ذراع مثلا وبالأخرى من مائة فالنسف نعم لو قال أهل الخبرة أن المائة الثانية تحتاج إلى مثلي ما تحتاج إليه المائة الأولى لقرب وبعد الثانية وجب ثلثا دية العليلة وإن أعشاه لزمه نصف دية وإن أعمشه أو أخفشه أو أحوله أو أشخص بصره فالواجب حكومة ومن بعينه بياض لا ينقص الضوء ففي قلعها نصف دية

( حادثة ) سئل أبن الصلاح عن رجل أرمد أتى امرأة بالبادية تدعي الطب لتداوي عينه فكحلته فتلفت عينه فهل يلزمها ضمانها ؟ فأجاب : إن ثبت أن ذهاب عينه بتداويها فعلى عاقلتها ضمانها فإن لم يكن لها عاقلة فإن تعذر فعليها في مالها إلا أن يكون الرمد أذن لها في المداواة بهذا الدواء المعين فلا تضمن ويقاس على هذا حالة المريض مع الأطباء في هذا الزمان ومن أزال الشم من المنخرين بجناية على رأسه تجب عليه دية كاملة كما جاء في خبر عمرو بن حزم لأنه من الحواس النافعة فتكمل فيه الدية كالسمع وفي إزالة شم منخر واحد نصف الدية ولو نقص الشم وجب بقسطه من الدية إذا أمكن معرفته وإن لم يمكن فالحكومة ولو أنكر الجاني زوال الشم من المجني عليه امتحن في غفلاته بالروائح الحادة فإن هش للطيب وعبس لغيره حلف الجاني لظهور كذب المجني عليه ولا يستحق ضمانا وإن لم يهش للطيب ولم يتأذ من الكريه حلف المجني عليه لظهور صدقه مع أنه لا يعرف إلا منه وفي إبطال حاسة الذوق الذي هو وقوة في اللسان يدرك بها الطعم تجب دية كاملة لأنه أحد الحواس الخمس فأسبه الشم واختلف في محله هل هو في طرف الحلقوم أو في اللسان ؟ ذهب أكثر أهل العلم إلى القول الثاني وقالوا : إنه المشهور وعليه الحكماء لكنهم يقولون : هو قوة منبثة في العصب المفروش على جرم اللسان يدرك بها الطعوم بمخالطة اللعابية التي في الفم بالمطعوم ووصولها للعصب وقال أهل السنة : إن الإدراك المذكور بمشيئة الله تعالى - يعني أن الله تعالى يخلق ما ذكر عند المخالطة المذكورة وعلى هذا القول فينبغي أن يكون كالنطف مع اللسان فتجب فيه دية واحدة للسان لأن الذوق يدرك به حلاوة وحموضة ومرارة وملوحة وعذوبة وتوزع الدية على هذه الأنواع الخمسة فإذا أبطل إدراك واحدة منهن وجب فيها خمس الدية وهكذا وإن نقص الإدراك نقصا لا تقدر بأن يحس بمذاق الأنواع الخمس لكن لا يدركها على كمالها فتجب في ذلك النقص حكومة عدل . وتختلف بقوة النقصان وضعفه وإن عرف قدره فقسطه من الدية ولو اختلف الجاني والمجني عليه في ذهاب الذوق امتحن بالأشياء المرة ونحوها كالحامض الحاد . الذي لا يصبر عليه عادة . فإن ادعى النقص صدق بيمينه وإن تألم وعبس صدق الجاني بيمينه قالوا : وتجب الدية في إبطال المضغ كأن يجني على أسنانه فتخدر وتبطل صلاحيتها للمضغ وتفسد اللثة لأنه المنفعة العظمى للأسنان وفيها الدية فكذا منفعتها كالبصر مع العين والبطش مع اليد وتجب الدية فإبطال قوة الإمناء بكسر صلب لقوات المقصود وهو النسل بخلاف انقطاع اللبن بالجناية على الثدي فإن فيه حكومة لأن الرضاع يطرأ ويزول وقيل فيه الدية كاملة واستعداد الطبيعة للإمناء صفة لازمة للفحول ولأن إبطال قوة الامناء موت للرجل أدبيا ومعنويا . فتجب الدية وتجب الدية في إبطال قوة الحبل من المرأة لقوات النسل فيكمل فيه ديتها لانقاطع النسل وتجب الدية في إبطال قوة الحبل من الرجل أيضا بأن يجني على صلبه فيصير منيه فاسدا لا يحبل وتجب الدية في ذهاب جماع من المجني عليه بجناية على صلبه مع بقاء مائه وسمة ذكره فيطل التلذذ بالجماع لأن ذلك من المنافع المقصودة . وقد ورد الأثر فيه عن الخلفاء الراشدين وإن ضربه ضربة شديدة على صلبه فأبطل إنعاظه فتجب الدية ولا تندرج فيه دية الصلب وإن كانت قوة الجميع فيه فلو كسر صلبه فأبطل إنعاظه فعليه ديتان لأن كل جناية غير الأخرى وفي إفضاء المرأة بجناية عمدا أو شبه عمد أو خطأ بوطء أو بغيره من الزوج أو غيره تجب ديتها كاملة لفوات المنفعة الجماع أو اختلالها لأنه يقطع التناسل منها ويسبب لها العقم لأن النطفة لا تستقر في محل العلوق لا متزاجها في البول فأشبه قطع الذكر والإقضاء حاجز ما بين مدخل ذكر ودبر فيصير سبيل جماعها وغائطها واحدا إذ به تفوت المنفعة الكلية وقيل : الإفضاء : رفع ما بين مدخل ذكر وجبر فيصير سبيل جماعها وبولها واحدا لأن ما بين القبل والدبر قوي لا يرفعه الذكر وبينهما عظم لا يتأتى كسره المالكية - قالوا : يجب في الإفضاء حكومة بأن يقوم ما عليها عند الأزواج بأن يقال : ما صداقها على أنها غير مفضاة وما صداقها على أنها مفضاة فيغرم النقص ثم إن كان الفعل من الزوج فيلحق بالخطأ . لأذن الشارع في الفعل بالجملة فإن بلغ الثالث على العاقلة وإلا ففي ماله خاصة ولا يندرج الإفضاء تحت مهر بل يغرم الحكومة مع الصداق زوجا أو أجنبيا غصبها ووطئها بخلاف إزالة البكرة من الزوج أو الغاصب فإنه لا يغرم للبكارة شيئا زائدا على الصداق الذي دفعه لأنه لا يمكن الوطء إلا بإزالتها فهي من لواحق الوطء بخلاف الإفضاء فإنه منهي عنه إلا إذا أزال البكارة بإصبعه فإن الحكومة فيها لا تندرج في المهر زوجا أو أجنبيا فيجب على الأجنبي حكومة ولو لم يطأها وهي مع المهر إن وطئ أما الزوج فيلزمه أرش البكارة التي أزالها بالإصبعه مع نصف الصداق إذا طلقها قبل البناء بها فإن دخل بها وطلقها بعد البناء فتدرج في المهر فإن أمسكها فلا شيء عليه وإزالة البكارة بالإصبع جرم فيؤدب الزوج عليه قالوا : وتجب الدية إذا فعل فعلا أحدث في بدنه جذاما - وهو داء يأكل الأعضاء أو احدث تبريصة - وهو نوع من البرص - أو تسويد جسده بعد أن كان غير اسود أو أحدث به سوادا وبياضا وهو نوع من البرص يحث في الجلد فتجب دية كاملة في كل هذه الصور لأنه فوت عليه منفعة الجمال والكمال فإن سود جسمه وجذمه بسبب ضربة واحدة وجب عليه ديتان لأن كلا منهما منفصل عن الآخر

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة