مبحث قطع أصابع اليدين أو الرجلين

الكتاب : الفقه على المذاهب الأربعة

المؤلف : عبد الرحمن الجزيري

مبحث قطع أصابع اليدين أو الرجلين

 

واتفق الفقهاء : على أنه يجب في قطع أصبع من أصابع اليدين والرجلين خطأ عشر الدية سواء كان إبهاما أو خنصرا من أنثى أو ذكر صغير أو كبير مسلم أو كافر والإبل مخمسة ومربعة لقوله عليه الصلاة و السلام ( في كل اصبع عشر من الإبل ) ولأن في قطع الكل تفويت جنس المنعفة وفيه دية كاملة وهي مائة من الإبل فتنقسم الدية عليها والأصابع كلها سواء في أصل المنفعة فلا تعتبر الزيادة فيه كاليمين مع الشمال وكذا اصابع القدمين حيث يفوت بقطع كلها منفعة المشي فتجب الدية كاملة ثم فيهما عشر أصابع فتنقسم الدية عليها أعشارا وعشر الدية الواجب بإزاء كل أصبع إنما هو بمقابلة مفاصلها وفي كل اصبع فيها ثلاثة مفاصل ففي كل منها ثلث دية الأصبع وما فيها مفصلان ففي أحدهما نصف دية الأصبع وهو نظير انقسام دية اليد على الأصابع ففي كل مفصل من الصبع ثلاثة وثلث بعير من الإبل إلا في الإبهام من يد أو رجل فتجب في أنملته نصف دية الأصبع وهو خمس من الإبل أو خمسون دينارا

قالوا : وفي كل سن خمس من الإبل لقوله عليه الصلاة و السلام في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ( وفي كل سن خمس من الإبل ) والأسنان والأضراس والأنياب كلها سواء لإطلاق الحديث لأن السن اسم جنس يدخل تحته اثنان وثلاثون سنا فإذا ضرب رجل رجلا حتى سقطت أسنانه كلها . وكان الضرب خطأ فإنه يجب عليه دية وثلاثة أخماس الدية وهي من الدراهم ستة عشر الضرب عمدا وجب القصاص على الجاني حيث يمكن المماثلة وسواء قلعت السن من أصلها أو لم يبق إلا المغيب في اللحم وسواء بعد أن كانت السن بيضاء فصار بالجناية عليها سوداء لأنه اذهب جمالها ولها إذا اسودت ثم انقلعت أو تغيرت بحمرة أو صفرة بعد بياضها إن كانت الحمرة والصفرة في العرف كالسوداء في إذهاب جمالها وفي قلع سن المرأة الحرة المسلمة بعيران ونصف والذمي بعير وثلثان ولمجوسي ثلث بغير ولرقيق نصف عشر قيمته وهكذا ومن ضرب عضوا فأذهب منفعته ففيه دية كالمة كاليد إذا شلت والعين إذا ذهب ضوءها لأن المتعلق توفيت جنس المنفعة لا فوات الصورة فإنه إذا قطع اليد الشلاء فإنه تجب عليه حكومة عدل لا الدية لأن المقصود باليد كمال المنفعة ولما كانت النفعة غير كاملة لم تتكامل الجناية من حيث تفويت الجمال فإن كان بها نفع تام فك السليمة في وجوب القصاص أو الدية ومن ضرب صلب غيره فأحدبه وقوص ظهره تجب عليه دية كاملة لأنه فوت جمالا على الكمال وهو استواء القامة فلو زالت الحدوبة لا شيء عليه لزوالها لا عن أثر وفي شفري المرأة وهما اللحمان المحيطان بالفرج المغطيان العظم تجب دية كاملة إن بدا العظم من دية المرأة فإن لم يظهر العظم فحكومة وفي أحد الشفرين إن بدا العظم نصف دية لأن فيهما جمالا ومنفعة إذ بهما يقع الالتذاذ بالجماع وبهما تمسك البول والدم وهما من كمال جمالها وقي قطع قضيب الذكر إلى ليس فيه حشفة لقطعها قبل حكومة وفي قطع الحشفة وهي رأس الذكر دية كاملة وفي قطع بعضها بحسابها من الحشفة فتقاس الحشفة لا الذكر فإن قطع ربع الحشفة فعليه ربع دية وإن قطع ثلثها فعليه ثلث دية وإن قطع نصفها فعليه نصف الدية .

وهكذا قالوا : وتتعدد الدية بتعدد الجناية فإذا قطع يديه فزال عقله بسببها تجب عليه ديتان دية اليدين ودية للعقل ولو زال من ذلك القطع بصره أيضا تجب عليه ثلاث ديات واحدة لليدين وثانية للعقل ودية ثالثة للبصر لأن كل واحدة منهم منفعة مقصودة وقد زالت وهكذا وقد روي أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قضى بأربع ديات في ضربة واحدة ذهب بها العقل والكلام والسمع والبصر مع بقاء الرجل حيا واخذ أربع ديات وذلك لعظم حرمة أعضاء الآدمي.

قالوا : وفي كسر عظم اللحيين عليه دية . لأن فيهما جمالا ومنفعة فوجب فيهما الدية وفي كسر أحدهما نصف الدية كالأذنين وهما عظمتان تثبت عليهما السنان السفلى وملتقاهما الذقن أما العليا فمنبتها عظم الرأس وقد استشكل بعض العلماء في إيجاب الدية في اللحيين بأن لم يرد فيهما خبر عن الرسول الله صلى الله عليه و سلم : والقياس لا يقتضيه لأنهما من العظام الداخلة فيشبهان الترقوة والضلع وأيضا فإنه لا دية في عظم الساعد والعضد والساق والفخذ وهي عظام فيها جمال ومنفعة فجب فيها حكومة عدل حسب خطورتها وأجيب : بأنهما لما كانا من الوجه كانا أشرف من غيرهما فوجب فيهما الدية قالوا : ولا يدخل أرش الأسنان في دية فك اللحيين في الأصح لأن كلا منهما مستقل برأسه وله بدل مقدر واسم يخصه فلا يدخل أحدهما في الآخر كالأسنان واللسان وقيل : يدخل أرش الأسنان في دية الفك كما تدخل حكومة الكف في دية الأصابع ورد عليه بأن اسم اليد يشمل الكف والأصابع ولا يشمل اسم اللحيين والأسنان وبأن اللحيين كاملا الخلق قبل الأسنان بدليل الطفل بخلاف الكف مع الأصابع لأنهما كالعضو الواحد الأئمة الثلاثة

قالوا : في الأليتين وهما الناتئان عن البدن عن استواء الظهر والفخذ إذا قطعا خطأ تجب الدية كاملة لما فيهما من الجمال والمنفعة في الركوب والعقود وفي قطع أحدهما نصف الدية وفي البعض بقسطه إن عرف قدره وإلا فالحكومة ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة ولا نطر إلى اختلاف البدن الناتئ واختلاف الناس فيه كاختلافهم في سائر الأعضاء ولا يشترط في وجوب الدية بلوغ الحديد إلى عظم الفخذ ولو نبت ما قطع لم تسقط الدية على الطاهر أما إذا قطعتا عمدا فيجب القصاص فيهما أو في أحدهما المالكية - قالوا : في إحدى روايتهم : في أليتي المرأة إذ قطعا خطأ حكومة قياسا على اليتي الرجل وعمدا القصاص الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى -

قالوا : في سلخ الجلد تجب دية المسلوخ منه إن لم ينبت إن في الجلد جمالا ومنفعة ظاهرة وذلك إن بقيت فيه حياة مستقرة . لأن إيجاب الدية فيه إنما يظهر إن فرضت الحياة المذكورة بعد سلخ المجني عليه وإن مات بسبب آخر غير السلخ كأن قطع غير السالخ رقبته بعد حودث السلخ فيجب على الجاني القصاص لأنه أزهق روحه ويجب على السالخ الدية ومثل حز غير السالخ ما لو انهدم عليه حائط أو دهمه قطار أو نحو ذلك فإن مات المجني عليه بسبب سلخ جلده أو لم يمت لكن حز السالخ رقبته بعد ذلك فالواجب حينئذ دية النفس إن عفا عن القود وإلا فيجب القصاص

قالوا : وفي كسر الترقوة . وهو بفتح التاء : العظم المتصل بين المنكب وثغرة النحر تجب فيه حكومة كسائر العظام

وقيل : الواجب فيها جمل لما روي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قضى بذلك ووافقت الصحابة عليه من غير نكير من واحد منهم وحمله الأول على أن الحكومة كانت في الواقعة قدر جمل ولكل إنسان ترقوتان يمينا ويسارا قالوا : وفي إبطال البطش من يدي المجني عليه بجناية عليهما فشلتا دية لزوال منفعتهما وفي إبطال المشي من الرجلين بجناية على صلب تجب فيه دية كاملة لفوات المنفعة المقصودة منهما وفي إبطال بطش أو مس يد أو رجل أو إصبع ديتها ولا تؤخذ الدية حتى يندمل الجرح فإن انجبر وعولج وعاد بطشه أو مسه أو قدرة المشي على الرجلين فلا تجب الدية وإن بقي شين بعد البرء فتجب حكومة عدل وفي نقص كل من البطش والمشي إن لم ينضبط حكومة لما فات من المنفعة والجمال ويختلف بحسب النقص قلة وكثرة وسواء احتاج في مشيه لعصا يتوكأ عليها أم لا فإن انضبط النقص وجب القسط من الدية كالسمع والبصر والكلام وغيرهما . ولو كسر صلب المجني عليه فذهب مع سلامة الرجل والذكر مشيه وجماعه أو ذهب عنه مشيه ومنيه فتجب له ديتان واحدة للرجلين والثانية لذهاب منهي لأن كل واحد منهما مضمون بالدية عند الانفراد فكذا عند الاجتماع ومنفعة كل منهما مستقلة .

وقيل : تجب دية واحدة لأن الصلب محل المني ومنه يبتدي المشي وينشأ الجماع واتحاد المحمل يقتضي اتحاد الدية ورد الأول بعدم اتحاد المحل . وهو الراجح وعلى الرأي الأول لو ضربه فشلت رجلاه وكسر صلبه وانقطع منيه وجب عليه ثلاث ديات واحدة للرجلين وثانية للصلب وثالثة لانقطاع المني وإن شل ذكره أيضا وجب عليه أربع ديات الثلاثة السابقة والرابعة لشلل الذكر وعدم القدرة على الجماع قالوا : في الشفتين الدية وفي قطع إحداهما نصف الدية لما ورد في كتاب عمرو بن حزم : ( وفي الشفتين الدية ) ولما فيهما من الجمال والمنفعة إذ الكلام يتميز بهما ويمسكان الريق والطعام . ويمنعان الحشرات والأتربة من دخول البطن والإشلال كالقطع . اهـ

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة