سرقة ما يسرع إليه الفساد

الكتاب : الفقه على المذاهب الأربعة

المؤلف : عبد الرحمن الجزيري

سرقة ما يسرع إليه الفساد

 

الحنفية - قالوا : لا قطع فيما يتسارع إليه الفساد كاللبن واللحم والفواكه الرطبة لقوله عليه الصلاة و السلام : ( قطع فيما يتسارع في ثمر ولا كثر ) والكثر الجمار ( الكثر - الجمار - وهو شجر النخل وهو شيء أبيض يقطع من رؤوس النخل ويؤكل ) وقيل : الودي ( الودي - صغار النخل ) وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( لا قطع في الطعام ) والمراد به - والله أعلم - ما يتسارع إليه الفساد كالمهيأ للأكل منه مثل الخبز واللحم والتمر والفواكه الرطبة لأنه يقطع في سرقة الحنطة والسكر بالإجماع إذا لم يكن العام عام مجاعة وقحط اما إذا كان كذلك فلا قطع سواء كان مما يتسارع إليه الفساد أو لا .ووجهتهم الاحتياط في قطع عضو المسلم .

والشافعية والمالكية والحنابلة وأبو يوسف من الحنفية - قالوا : يجب القطع فيما يسرع فساده إذا بلغ المسروق الحد الذي يقطع في مثله بالقيمة للأحتياط في إبراء الذمة من حقوق العباد ولأنه مال متقوم عند الجميع واحتجوا على مذهبهم بما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه سئل عن التمر المعلق فقال : ( من أصاب بقية من ذي حاجة غير متخذ خبنة ( الخبنة - ما تحمله في حضنك ) فلا شيء عليه ومن خرج بشيء فعليه غرامة مثليه والعقوبة ومن سرق منه شيئا بعد ان يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع ) أخرجه أبو داود والنسائي .

وفي رواية ان رجلا من مزينة سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الحريسة التي تؤخذ من مراتعها فقال : ( فيها ثمنها مرتين وضرب ونكال ومال أخذ من اجرانه ففيه القطع ) رواه أحمد والنسائي وفي لفظ : ( ما ترى في التمر المعلق فقال : ليس في شيء من التمر المعلق قطع إلا ما آواه الجرين فما أخذ من الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه وجلدات ونكال رواه الحاكم بهذا المتن والجرين : هو الموضع الذي يلقى فيه الرطب ليجف وجمعه جرن يقتضي أنه يكون فيه الرطب في زمان وهو اول وضعه واليابس وهو الكائن في آخر حاله فيه وما روي ( ان سارقا سرق اتوجة في زمان عثمان بن عفان فأمر بها عثمان أن تقوم فقومت بثلاث دراهم فقطع عثمان يده ) . والجواب : أنه معارض بإطلاق قوله صلى الله عليه و سلم : ( لا قطع في ثمر ولا كثر ) وقوله : ( لا قطع في الطعام ) وبما روي أن غلام سرق وديا من حائط فرفع إلى مراوان فأمر بقطعه . فقال رافع بن خديج : قال النبي صلى الله عليه و سلم : ( قطع في ثمر ولا كثر ) وقد تلقت الأمة هذا الحديث بالقبول . فقد تعارضا في الرطب الموضوع في الجرين وفي مثله من الحدود يجب تقديم ما يمنع الحدود درأ للحد ولأن ما تقدم متروك الظاهر فإنه لا يضمن المسروق بمثلي قيمته وإن نقل عن الإمام أحمد فقلماء المة على خلافه لأنه لا يبلغ قوة ثبوت كتاب الله تعالى' وهو قوله تعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } فلا يصح عنه عليه الصلاة و السلام ذلك .

وقد روي عن عبد بن عبد الرحمن بن أبي حسين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ( لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل ) ( والحريسة قيل : هي التي ترعى وعليها حرس وقيل هي السيارة التي يدركها الليل قبل أن تصل إلى مأواها ).

الحنفية - قالوا : لا قطع فيما يوجد تافها مباحا في دار الاسلام كالخشب والحشيش والقصي والسمك والطير والصيد لما روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ( كانت اليد لا تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم في الشيء التافه ) أي الحقير وما يوجد جنسه مباحا في الأصل بصورته غير مرغوب فيه حقير تقل الرغبات فيه والطباع لا تضن به إذا أحرز حتى إنه قلما يوجد اخذه على كره من المالك ولا ينسب إلى الخيانة على أن الضنه بها تعد من الخساسة وما هو كذلك لا يحتاج إلى شرع الزواجر فيه ولأن الحرز ناقص يهذه الأشياء فالطير من شأنه أن يطير وبذلك تقل الرغبات فيه وكذلك وجود الشركة العامة التي كانت في الصيد قبل الإحراز بقول صلى الله عليه و سلم : ( الصيد لمن أخذه ) وقوله صلوات الله وسلامه عليه : ( الناس شركاء في ثلاثة في الكلأ والماء والنار ) فهذه الشركة تورث شبهة بعد الإحراز فيمتنع القطع والحدود تدرأ بالشبهات ويدخل في السمك المالح والطري ويدخل في الطير جميع أنواعه والدجاج البط والحمام ولقوله صلى الله عليه و سلم : ( لا قطع في الطير ) .

والشافعية والمالكية والحنابلة وأبو يوسف من الحنفية - قالوا : يجب القطع في كل شيء أحرز وبلغ النصاب إلا في الماء والتراب والطين والحصى والمعازف والنبيذ وما سوى هذه أموال متقومة محرزة فصارت كغيرها والإباحة الأصلية قد زالت وزال أثرها بالإحراز بعد التملك ولعموم الأدلة من الكتاب والسنة ولا أثر لكونها مباحة الأصل وكذلك التبن والحطب وغيرها من الأشياء التي يباح أصلها متى أحرزت .

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة