توحيد العامة وما يعلوه من غبار

كتاب : عقيدة المسلم 

تأليف : الشيخ محمد الغزالي 

توحيد العامة وما يعلوه من غبار

 

ينبغي لهذه الأمة أن تكون مثلاً عالياً في إسلام الوجه لله، وإفراده بالنية والعمل بيد أننا نلحظ –آسفين- أن هناك مسالك شائعة بين الجماهير الغفيرة من المسلمين، لها دلالتها الخطرة على فساد التفكير، وضلال الاتجاه، واضطراب المقصد. ولا نحب أن نوارب في الكشف عن هذه العلة، فإن أي خلل في دعائم التوحيد معناه الخبل الذي يدرك موطن القيادة الفكرية في هذا الدين الحنيف.

إذ التوحيد في الإسلام حقيقة وعنوان، وساحة وأركان، وباعث وهدف، ومبدأ ونهاية. ولسنا –كذلك- ممن يحب تصيد التهم للناس، ورميهم بالشرك جزافاً، واستباحة حقوقهم ظلماً وعدواناً. ولكننا أمام تصرفات توجب علينا النظر الطويل، والنصح الخالص، والمصارحة بتعاليم الكتاب والسنة كلما وُجد عنها أدنى انحراف.

لقد اهتمت حكومة انجلترا –في سبيل مكافحة الشيوعية- بالحالة الدينية، في مصر!. فكان مما طمأنها على إيمان المصريين (!) أن ثلاثة ملايين مسلم زاروا ضريح أحمد البدوي بطنطا هذا العام.

والذين زاروا الضريح ليسوا مجهولين لدي، فطالما أُوفدت رسمياً لوعظهم، فكنت أشهد من أعمالهم ما يستدعي الجلد بالسياط لا ما يستدعي الزجر بالكلام، وكثرتهم الساحقة لا تعرف عن فضائل الإسلام وأنظمته وآدابه شيئاً. ولو دُعوا لواجب ديني صحيح لفروا نافرين، وإن كانوا أسرع إلى الخرافة من الفراش إلى النار!.

وحسبك من معرفة حالهم: أنهم جاؤوا الضريح المذكور للوفاء بالنذور والابتهال بالدعاء! ولمن النذور؟ ولمن الدعاء؟ إنه أول الأمر للسيد. فإذا جادلت القوم، قالوا: إنه لله عن طريق السيد البدوي.

وأكثر أولئك المغفلين لغطاً يقول لك: نحن نعرف الله جيداً، ونعرف أن أولياءه عبيده، وإنما نتقرب بهم إليه، فهم أطهر منا نفساً وأعلى درجة. وهذا الكلام –على فرض مطابقته لواقع القوم- غلط في الإسلام. فإن الله سبحانه وتعالى لم يطلب منا أن نجيء معنا بالآخرين ليحملوا عنا حسناتنا، أو ليستغفروا لنا زلاتنا.

"أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟" (الشورى: 21). بل المعروف من بديهيات الإسلام الأولى، أن الطلب ووسيلته جميعاً، يجب أن يكونا من الله. "إياك نعبد وإياك نستعين" (الفاتحة:5). إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله. أليس من المضحك أن نستنجد بقوم يطلبون لأنفسهم النجدة، وأن نتوسل بمن يطلب هو كل وسيلة ليستفيد خيراً أو يستدفع شراً؟ "أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته ويخافون عذابه" (الإسراء: 57). إن المسلمين لما طال عليهم الأمد نسوا الحق.

والمرء قد يعذر إذا ذهل عن شأن تافه، أو فاته استصحاب شيء هين، أما أن يذهل عن كيانه وإيمانه فهنا الطامة. وأحسب أن القرآن الكريم كان يقصد إلى التنديد بهذا اللون من إفساد التوحيد عندما قال: "ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول: أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء؟ أم هم ضلوا السبيل؟ قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوماً بوراً ..." (الفرقان: 17-18).

أجل! لقد نسوا الذكر، وما قام عليه الذكر من توحيد شامل. وليس يغني في الدفاع عن أولئك الجهلة من العوام أنهم يعرفون الله، ويعرفون أنه وحده مجيب كل سؤال، وباعث كل فضل، وأن من دونه لا يملكون من ذلك شيئاً. فإن هذه المعرفة لا تصلح ولا تقبل إلا إذا صحبها إفراد الله بالدعاء والتوجه، والإخلاص، فإن المشركين القدماء كانوا يعرفون الله كذلك. "قل من يرزقكم من السماء والأرض؟ أمن يملك السمع والأبصار؟ ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي؟ ومن يدبر الأمر؟ فسيقولون الله" (يونس:31).

ومع أنهم يقولون "الله" بصراحة وجلاء، فلم يحسبوا بهذا القول مؤمنين، لأن الإيمان –إذا عرفت الله حقاً- ألا تعرف غيره فيما هو من شئونه. ولذلك يستطرد القرآن في مخاطبة هؤلاء: "فقل أفلا تتقون، فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون، كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون" (يونس:31-33). إن العامة عندما يشدون الرحال إلى قبور تضم رفات بعض الناس. وعندما يُهرعون بالنذور والحاجات والأدعية إلى من يظنونهم أبواباً لله، إنما يرتكبون في حق الإسلام مآثم شنيعة. ومهما قلبنا عملهم هذا من جميع وجوهه فلن نجد فيه ما يطمئن إليه ضمير المؤمن أبداً. ومحبة الصالحين وبغض الفاسدين من شعائر الإسلام حقاً.

ومظاهر الحب والبغض معروفة .. هي مصادقة للأحياء أو منافرة، واستغفار للموتى أو لعنة. وأين من عواطف الحب والبغض هذا الذي يصطنعه المسلمون اليوم؟؟ إن الواحد منهم قد يصادق أفسق الناس، وقد يقطع والديه –وهما أحياء- ثم تراه مُشَمِّراً مُجداً في الذهاب إلى قبر من قبور الصالحين؛ لا ليدعو له، ويطلب من الله أن يرحم ساكن هذا القبر، بل ليسأل صاحب القبر من حاجات الدنيا والآخرة ما هو مضطر إليه وذلك ضلال مبين! وبناء المعابد على قبور الصالحين تقليد قديم، وقد ذكر القرآن ما يدل على شيوعه في الأمم السابقة. وفي قصة أهل الكهف تسمع قوله عز وجل: "فقالوا ابنوا عليهم بنياناً ربهم أعلم بهم، قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً" (الكهف:21). ويظهر أن اتخاذ المساجد على القبور كبناء التماثيل، لم يكن محظوراً أول أمره إذ لم تكن له دلالة مثيرة. غير أن البشر سفهوا أنفسهم، فالأحجار التي نحتوها للعظماء عبدوها، أو –على حد تعبيرهم- اتخذوها إلى الله زلفى. والمعابد التي أقاموها على قبور الصالحين قدسوها وسلكوها مسلك الأصنام في الشرك.

فلما جاء الإسلام أعلن على هذين المظهرين من مظاهر الوثنية حرباً شعواء، وشدد تشديداً ظاهراً في محق هذه المساخر المنافقة. وقد رأينا كيف أن النبي أرسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأمره أن يسوي بالأرض كل قبر وأن يهدم كل صنم. فجعل الأضرحة العالية والأصنام المنصوبة سواء في الضلالة.

وقال النبي -في البيان عن سفاهة القدامى وفي التحذير من متابعتهم-: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا لا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن هذا". وكان يرفع الخمرة عن وجهه في مرض الموت ويكرر هذا المعنى. وكأنه توجس شراً مما يقع به فدعا الله. "اللهم لا تجعل قبري من بعدي وثناً يعبد". ومع كثرة الدلائل التي انتصبت في الإسلام دون الوقوع في هذا المحظور، فقد أقبل المسلمون على بناء المساجد فوق قبور الصالحين. وتنافسوا في تشييد الأضرحة، حتى أصبحت تبنى على أسماء لا مسميات لها، بل قد بنيت على ألواح الخشب وجثث الحيوانات. ومع ذلك فهي مزارات مشهورة معمورة، تُقصد لتفريج الكرب، وشفاء المرضى؛ وتهوين الصعاب! وأحب ألا أثير فتنة عمياء بهدم هذه الأضرحة. فإن النبي امتنع عن هدم الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم لأن العرب كانوا حديثي عهد بشرك.

وجماهير العامة الآن ينبغي أن تساق سوقاً رفيقاً إلى حقائق الإسلام، حتى تنصرف –في هدوء- عن التوجه إلى هذه الأضرحة وشد الرحال إلى ما بها من جثث. وإخلاص المعلم وأسلوبه في الدعوة، عليهما معول كبير في تمحيص العقيدة مما عَلِقَ بها من شوائب وعلل. وقد تكون لدى بعضهم شبه في معنى التوسل. فلنفهم أولئك القاصرين أن التوسل في دين الله، إنما هو بالإيمان الحق والعمل الصالح، وقد جاء في السنة: "اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا هو، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد".

فهذا توسل بالإيمان بذات الله. وجاء –كذلك- توسل بالعمل الصالح في حديث الثلاثة الذين آواهم الغار. وجاء توسل بمعنى دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب.  ودعاء المسلم للمسلم مطلوب على أية حال. ولا نعرف في كتاب الله ولا في سنة رسوله توسلاً بالأشخاص مهما علت منـزلتهم –سواء أكانوا أحياء أو أمواتاً- على هذا النحو الذي أطبق عليه العامة وحسبوه من صميم الدين، ودافعوا عنه بحرارة وعنف ضد المنكرين والمستغربين.

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المزيد في هذه الفئة

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة