الكمال الأعلى ( القُدرة )

كتاب : عقيدة المسلم - تأليف : الشيخ محمد الغزالي 

الكمال الأعلى ( القُدرة )

 

العالم وما فيه من سكون وحركة، أثر لقدرة الله سبحانه وتعالى. وليست لشيء ما، قدرة ذاتية يستمدها من طبيعته المجردة. فإذا رأيت البذور تشق التربة، وتنمو رويداً لتستوي على سوقها، فذلك بقدرة الله. وإذا رأيت الأمواج تلطم الشُّطآن، رائحة غادية لا تهدأ حتى تثور، فذلك بقدرة الله.

وإذا رأيت القاطرات أو الطائرات تنهب الفضاء، وتطوي الأبعاد، وتحمل الأثقال، فذلك بقدرة الله. وإذا رأيت البشر يموج بعضهم في بعض، وينفعلون بالحب والبغض، والفرح والحزن، وينطلقون عاملين، أو يهدأون نائمين، فذلك بقدرة الله. وسواء شعرت أو لم تشعر، فنبضات قلبك في حناياك، وسريان دمك في عروقك، وكمون الحس في أعصابك، وتجدد الحياة في خلاياك، وانسكاب الإفرازات من غددك، ذلك كله بقدرة الله.

لا تحسبن شيئاً في الكون قادراً بنفسه. فكما أن القدرة أبدعته أولاً من عدم، فقد أودعت فيه من أسرارها، وبثت فيه من آثارها، ما يدل عليها. وبعض الجاحدين من علماء الطبيعة يردون ما يقع تحت أبصارهم من هذه الدلائل الباهرة إلى مجهول محض، أو قوى كامنة في المواد والعناصر المختلفة. وهذا تخريف شائن، وتسفيه للعقل، ومغالطة للواقع.

إن النور المتولد عن انتشار الكهرباء في الأسلاك، والحركة الناشئة عن امتداد الأبخرة في المواسير، والحديد المرتفع في الجو، نتيجة تغيير المراوح الدائرة لمقادير الضغط –حول الطائرة- كل أولئك لا يرفع قدر عنصر من العناصر المخلوقة، فيهب له مرتبة الوجود المستقل، فضلاً عن الإيجاد الرائع. لماذا يطلب منا أن نظن في مواد التربة أنها –بقدرتها- خلقت النبات؟ ولو كان ذلك حقاً، فما الذي يمنع التربة أن تكون إلهاً؟ ولو كانت العناصر جميعاً بهذه المثابة مع حركاتها وسكونها، فأي خبط نقع فيه نتيجة هذا الفرض الأحمق؟ أليس أقصر طريق نصل به إلى الحق أن ننظر إلى العالم كله، من أرضه لسمائه، على أنه صنع القدرة العليا، وأن كل ما يتجدد فيه إنما يقع تحت إشراف القدرة وهيمنتها؟ من المؤسف أن تكون السمة الغالبة على العلوم الطبيعية كافة أنها تقوم على البحث المجرد في مادة الوجود، وعلى تعرف حقيقة العلاقات والروابط بين شتى العناصر.

وتنتهي أغلب هذه العلوم بمن يدرسونها إلى علم جيد بالمخلوقات، وجهل مطبق بخالقها، لأنه لم ترد إليه إشارة ما في غضون بحوثها الكثيرة المتشعبة. وهذه –لا ريب- خيانة علمية، فإن دراسة هذا الكون العظيم تنفذ إلى صميم الفكر الحر بأشعة من الهدى والإيمان.

وتجعل الإنسان يتطلع –ملء الفؤاد- بعواطف الرهبة والرغبة إلى هذا الخالق العظيم. وهذه البحوث المجردة تشعر بآثار القدرة الرائعة فيما تتناوله من نواحي الطبيعة، غير أنها تطويها طياً تحت أسماء مبهمة، وتستدرج المتعلم بإجراء الملاحظات والتجارب، ثم تشغله بتدوين النتائج القريبة وحسب!. أما الالتفات من وراء هذه الحجب الشفافة إلى عظمة الله جل جلاله فأمر لا يكترث له كثير من علماء الكون والحياة. وهكذا تظل بحوثهم مبتورة؛ لأنها تنقصها الحلقة المفقودة بين الخلق والخالق.  من ذلك كله نعلم أن الله قدير على كل شيء، وأنه قوي متين، وأنه لا يؤودوه خلق ولا أمر.

"وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً" (فاطر:44). والقدرة في مجالها الواسع لا يعييها شيء البتة، وآثارها التي نشهدها تدل على طاقة لا تقف عند حدود.

وليس معنى ذلك بداهة أن تخرج القدرة على منطقها. فيقال –مثلاً- إنها لا تستطيع قلب الحقائق! وقد كان الدكتور "زكي مبارك" سخيفاً، ولعله كان "سكران" يوم كتب في "البلاغ": إن الله لا يستطيع إخراجي من ملكه، وإن الله لا يستطيع الجمع بين النقيضين ..!! والجنون فنون.

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة