الكمال الأعلى ( الإرادة )

كتاب : عقيدة المسلم 

تأليف : الشيخ محمد الغزالي 

الكمال الأعلى ( الإرادة )

 

والله –سبحانه وتعالى- فيما خلق وفيما يخلق، وفيما دبر ويدبر به شئون العالم- كان يصوغ الكائنات في الأوضاع التي يريدها، ويضفي عليها الأوصاف التي يشاؤها، ويبرزها في الأوقات التي يختارها، لا يستكرهه أحد على شيء من ذلك كله. وما ترى في الأرض والسماء من تنوع في الوجود، وتميز في السمات، هو مظهر الإرادة الحرة في تعلقاتها كافة. فما أوجده الله في هذا العصر كان من حقه الكامل أن يوجده في الأيام الخالية.

وما جعله الله كوكباً متألقاً كان يستطيع جعله جندلاً بارداً. وتوزيع الصفات والأحجام والأحوال في أنحاء الكون العريض ليس إلا المشيئة العليا لله عز وجل. ولو أراد أن يخلق العالم الذي نعيش فيه على نحو آخر في قوانينه وأنظمته وأحيائه وأشيائه كلها لفعل.

وإنك لترى انطلاق المشيئة دون أي عائق في إخراجها الأصناف المختلفة من الأصل الواحد! فالحقوق المتجاورة تختلف محصولاتها كماً وكيفاً! والبذور المتجانسة تتفاوت فروعها حلاوة وحموضة، ولوناً ووزناً في النبات، ولؤماً ونبلاً وذكاءً وبلادة في الإنسان والحيوان. "وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل، صنوان وغير صنوان يُسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الأكل، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون" (الرعد:4).

وقديماً استدل الأئمة على عظمة الإرادة –في هذا المعنى- بالنحل يأكل من ورق الشجر فيحوله شهداً، ويأكل منه الدود فيحوله حريراً، وتأكل منه أطيار أخرى فتحوله قذراً. وإذا اتجهت الإرادة إلى شيء فيستحيل أن يتخلف أثرها. "إن ربك فعال لما يريد" (هود:107).

"إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون" (يس:82). فإرادة الله نافذة في السماء والأرض، لا رادَّ لها ولا معقب عليها. "وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة" (القصص: 68). وقد تطلق الإرادة على قصد الشيء بأسلوب سلبي.

فأنت إذا خرجت من بيت يستطيع صاحبه منعك من الخروج منه ولكنه تركك، فهو بسكوته يريد خروجك. وإلى هذا المعنى يشير المتنبي –لما ترك سيف الدولة مغاضباً- ثم قال- مبرراً عمله، وملقياً التبعة على صاحبه-: إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا .. ألا تفارقهم فالراحلون همو ومثل هذا ترك امرئ يمشي في طريق الضلالة ويهيم على وجهه، لأنه حرم أسباب اللطف، والله قادر على سوقها إليه لو شاء! ولعل ذلك تفسير قوله تعالى: "ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئاً، يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة ولهم عذاب عظيم" (آل عمران:176).

"ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً، ولهم عذاب مهين" (آل عمران:178).

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة