الكمال الأعلى ( الحكمة )

كتاب : عقيدة المسلم   

تأليف : الشيخ محمد الغزالي

الكمال الأعلى ( الحكمة )

 

شمول الإرادة وعموم القدرة، وكون الله سبحانه يفعل ما يريد متى يريد وكيف يريد، ليس معناه أن أمور الخلق والرزق، وشئون القبض والبسط، وحظوظ الرفعة والضعة، والإعزاز والإذلال، والنصر والهزيمة –أن هذه جميعاً تصدر على طريقة الارتجال السريع، أو الخواطر السانحة، أو تتم اتفاقاً وتقع مصادفات عارضة ! كلا. كلا. فإن الكون كله خاضع لشبكة دقيقة النسج من الأسباب والمسببات، والسنن الثابتة الخالدة، والقوانين المترابطة المتكاملة، لا تضطرب ولا تختلف ولو أجمع البشر على مناقضتها.

فالنبات يتم نضجه بالإرادة والقدرة .. ولكن مظهر الإرادة والقدرة –فيما نعرفه- من غرس وسقي، وتعهد، وزمان، ومكان. والجنين يكتمل بشراً سوياً بالإرادة والقدرة.

ولكن اكتماله في أطوار وأحوال، لابد من توافرها، ويستحيل أن يولد بغيرها. وقول الله إنه يؤتي الملك من يشاء وينـزع الملك ممن يشاء.

لا يعني أنه –بين عشية وضحاها- يقيم دولة ويهدم أخرى. فدون إقامة الممالك وقبل انهيارها توجد مقدمات طويلة تستغرق سنين أو عصوراً، حتى تقع نتائجها اللازمة. وأصحاب العقول الضيقة والأفكار القاصرة يحسبون أن وصف الله عز وجل بأنه يفعل ما يشاء، معناه أن أحكامه في عباده لا ضابط لها ولا رابط بينها.

ولعلهم يقيسون سعة السلطان الإلهي على ما عهدوه من تصرفات ذوي السلطة فيهم. أولئك الذين يخبطون خبط عشواء ويعبثون عبث الحمقى. تعالى الله عما يظن الجاهلون علواً كبيراً.

إن الأسباب والمسببات هي المفاتيح الملقاة بين أيدي البشر، ليصلوا بإدارتها إلى ما وراءها، من خير أو شر.

وعموم المشيئة والقدرة مقيد بما شرع الله في كونه، أو بين عباده من قوانين كونية، أو قوانين شرعية. كذلك ليس معنى أن الله يفعل ما يشاء، أنه يثيب العاصي أو يعذب الطائع، أي أنه يجوز عليه الظلم، ويقع منه الغبن!! وهذا جهل شنيع، ونسبة ذلك إلى الله تكذيب لما قال في كتابه العزيز.

ثم إن هذه العدالة مردها إلى ما ينبغي لله من كمالات بداهة. وليس مردها إلى أنه لو ظلم تعرض لعقاب أو سؤال، فذلك مستحيل. ومن أين يحدث ذلك، وهو المتفرد في الوجود بالألوهية، بين عبيد عنت له وجوههم، وذلت له رقابهم ؟؟ إن بعض العامة من المسلمين يظنون في انطلاق المشيئة أن السنن الكونية صفر، وأن العدالة العليا قد تتخلف، ونشأ عن هذا استهتار غبي بالأعمال والمسئوليات، سنعالجه عند الكلام على القضاء والقدر.

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة