الكمال الأعلى ( السمع والبصر )

كتاب : عقيدة المسلم 

تأليف : الشيخ محمد الغزالي  

الكمال الأعلى ( السمع والبصر )

 

عن عائشة رضي الله عنها: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات".

لقد جاءت المجادلة "خولة" إلى رسول الله في جانب البيت تحدثه، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل:  "قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركما، إن الله سميع بصير" (المجادلة:1).

أجل! فما من كلام يدور بين الناس، أو حديث يتجاذبون أطرافه إلا سبق وقعه إلى سمع الرحمن، جل وعلا، قبل أي شيء! ولا تحسبن أن الله حين يسمع نجوى جماعة يشغله ذلك عن سماع قوم آخرين. كلا، فما يشغله شأن عن شأن، وما تغيب عنه همسة وسط الضجيج، ولا تشتبه عليه لغة على اختلاف الألسنة. إنك –بالوسائل التي هُدي إليها البشر- تجلس في المشرق فتنقل إليك محطات الإذاعة الأغاني والأحاديث من المغرب، طاوية الأبعاد الشاسعة.

فما أدرانا بما وراء ذلك من أسرار الكون. وما أيسر –في منطق العقل- أن يشرف رب الكون بسمعه على كل حركة وسكنة في الوجود، تنبعث من مصدرها القريب أو البعيد –وليس ثم قُرْبٌ ولا بُعدٌ بالنسبة إلى الله- فيعلم كنهها، ويسمع صوتها، ويبصر وضعها! إن ربك يسمع كل صوت. وهناك أصوات يسمعها ويحبها "ما أذِنَ –ما استمع- الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن، يجهر به".

وكما يحب الله صوت الوحي، تتلوه الألسنة؛ يكره صوت الفحش والسوء. "لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم، وكان الله سميعاً عليماً" (النساء:148).

ولا تستكثر أن يقال لك: إن الله يسمع خفقان القلوب في خفايا الخلق أجمعين. فما القلوب إلا أثر قدرته، شحنها بالحياة ثم دفعها فهي تسير إلى أجل معلوم، فكيف لا يسمع أثر ما أوجد؟ وكما أن الله يسمع كل شيء، فهو يشهد كل شيء، ورؤيته تنظر في أعماق الظلمات فتستشف كوامنها. فما هو بحاجة إلى ضياء يبصر به الخفي، أو مكبر يعظم به الدقيق.

إذا كنت ثالث ثلاثة، فاعلم أن هناك رابعاً يبصر ما تفعلون، ويسمع ما تقولون.

"له غيب السموات والأرض، أبصر به وأسمع، ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحداً" (الكهف:26). عندما أرسل الله موسى وهارون إلى فرعون، توجسا من طغيانه، وقالا: "ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى. قال: لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى" (طه:45-46).

إنه معهما، ومع كل كائن، من بدء الخلق إلى قيام الساعة، وما قبل ذلك وما بعد ذلك، يسمع ويرى. وهو –سبحانه- قد ركَّبَ في وجوهنا هذه العيون التي نقرأ بها ونكتب، ونشهد بها كما نشاء. ولكن ما قيمة رؤيتنا هذه إلى جانب الرؤية الإلهية المحيطة الشاملة. لو أن كل ذي بصر انتظموا صفاً يستغرق محيط الأرض، ثم اجتهدوا في رؤية ما حولهم، ما أبصروا شيئاً يذكر إلى جانب الرؤية الإلهية التي تستوعب جميع المدركات، من جميع الجهات، في وقت واحد. سواء فيها المستخفي بالليل والسارب بالنهار، الخالي وحده، والبارز للناس: "وما تكون في شأن، وما تتلو منه من قرآن، ولا تعملون من عمل، إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه" (يونس:61).

والإحساس بهذه الحقيقة جزءٌ من الدين، بل هو قمته العليا: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

وملاحظة العبد لله، أساسها شعوره بأنه سبحانه قائم على كل نفس بما كسبت، ومُطلع على ما أسرَّت وأعلنت، وذلك وحده لُب التقوى وسر الإخلاص.

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة