على هامش الأقدار

 

كتاب : عقيدة المسلم 

تأليف : الشيخ محمد الغزالي

على هامش الأقدار

 

( 1 ) قد يطلق القدر على جملة القوانين التي تضبط شئون الحياة والأحياء، وتنتظم على أساسها ظواهر الكون وبواطنه في الأرض والسموات وما بينهما، فإن الله خلق الأشياء من ذرات وخلايا تخضع في كمها وكيفها لنسب دقيقة دائمة، وتؤدي أغراض وجودها في خط لا تضل عنه ولا تحيد: "ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى" (طه:50).

فالقوانين التي تعرف بها مقادير العناصر التي تكون الماء، والقوانين التي تعرف بها أحجام الماء، وضغوطه إذا تبخر أو تجلد أو انساب أو اندفع. تلك كلها تقديرات الخالق التي يُسَيِّرُ عليها ملكوته في الكائنات كلها من غير عوج أو اضطراب: "إنا كل شيء خلقناه بقدر" (القمر:49). "سبح اسم ربك الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى" (الأعلى:1-3).

وقد أشار إلى أن ما نشاهده من نضج الثمار واستوائها، وتخلق الأجنة في أرحام الأمهات ونـزولها، وتكور الليل والنهار نتيجة حركة الأفلاك في مداراتها، ذلك كله قدر حكيم، ونظام مستقيم: "إن الله فالق الحب والنوى يُخرج الحي من الميت ومُخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنَّى تؤفكون، فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم" (الأنعام:95-96). 

( 2 ) عدالة القدر لا تنافي التفضل والتميز؛ أعني أن الرجلين قد يؤديان عملاً متشابهاً، ويستحقان أجراً واحداً، ومع ذلك يعطي الله الرجلين أجريهما ثم يمنح أحدهما زيادة خاصة من لدنه ويترك الآخر !!. وقد يرتكب مخطئان ذنباً واحداً ويستحقان عقوبة مشتركة، ثم يصدر عفوٌ عن أحدهما، ويبقى الآخر رهين ذنبه! هذه الأحكام إنما نقررها ليعرف الناس أن الله لا مستكره له ولا قيد على مشيئته، فليأت العباد إلى ساحته وقلوبهم منفعلة بمشاعر الرغبة والرهبة فحسب!  "إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم، يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم" (آل عمران:73-74).

ومن ثم نعرف القصد من إسناد العموم إلى المشيئة العليا، ثم فيما يتصل بمغفرة الذنوب: "إن الله على كل شيء قدير، يُعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون، وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دونه الله من ولي ولا نصير" (العنكبوت:20-22). عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : "إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس! أُوتيَ أهل التوراة التوراة فعملوا بها، حتى إذا انتصف النهار فعجزوا فأُعطوا قيراطاً قيراطاً.

ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا إلى صلاة العصر، فعجزوا فأُعطوا قيراطاً قيراطاً. ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس، فأُعطينا قيراطين قيراطين! فقال أهل الكتابين. أي رب: أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطاً قيراطاً، ونحن كنا أكثر عملاً منهم؟؟ قال الله عز وجل: "هل ظلمتكم من أجركم شيئاً؟ قالوا: لا. قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء". وكم في أوضاع الحياة من تفاوت يرجع أمره إلى القدر الأعلى. هذا التفاوت بما ينطوي عليه من تفاضل، هو من دعائم العمران ونظام الوجود. فمن المستحيل أن يُخلق الناس متساوين في كفاياتهم المادية، أو أوضاعهم الاجتماعية والسياسية، أو أجزيتهم الدنيوية والأخروية.

والوظائف التي تقوم بها الحياة تحتاج إلى رؤوس وأذرعة وأقدام، وهمم الناس تقسم على هذه الأنحاء ليؤدي الاجتماع البشري رسالته متناسقة متكاملة. وإنما يقع العيب في أعمال الناس إذا وضعوا رأساً موضع قدم؟ وقدماً موضع رأس! والأمة التي تصنع ذلك تشبه الأحمق الذي يضع طربوشه في رجله، وحذاءه على دماغه.

وما أكثر هذه الأمم في الشرق المحتل المختل. لندع هذه الآن فلسنا بصدد إصلاح اجتماعي، ولكننا نريد لفت النظر إلى أن الأقدار قد توزع الأعمال والأعباء على الناس، كما يوزع القائد جنوده في المعركة، فيكون حظ بعضهم الوقوف في صفوف القتال الأمامية لتلقي الضربة الأولى، بينما يكون حظ الآخرين نقل المؤن وكتابة الرسائل في مؤخرة الجبهة، وكلا العملين ضروري في الميدان. على أن هذا التفاوت لا يضير قاعدة العدل في الجزاء، ولا يعني البتة أن القدر يبخس حقاً، أو يجهل وضعاً. فلكل امرئ عند الله حسابه الخاص به. وفي دائرة ما زود الإنسان به من قوى، وأتيح له من فرص، وأحيط به من ظروف، يكون تقدير ثوابه وعقابه.

قرأت مرة: أنه أقيم سباق فريد للطيران، لم يكن منح الجوائز فيه للطيار الذي يصل إلى الغاية المرسومة قبل غيره، بل كانت تجرى معادلات جبرية معقدة بين قوى الطائرات. وما تستطيع الآلات في حدود طاقتها أن تقطعه، مع مراعاة حال الجو وإمكان الرؤية وسرعة الريح .. إلخ. ومعنى ذلك أنه قد يحدث أن تصل طائرة مسبوقة بأربع طائرات أخرى مثلاً، وتعطى الجائزة الأولى لا الخامسة، كما يظن لأول وهلة. إن هذا السباق مثل قريب للتفاوت الشاسع بين قيم النفوس، وما أودعه الله فيها من ذكاء ومقدرة ونشاط، وتختلف أنصبة الناس منه اختلافاً كبيراً، ومثل كذلك للأسلوب الذي توزن به أفعالهم، ويحكم به على جهودهم من غير افتيات أو هضم. "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها، وكفى بنا حاسبين" (الأنبياء:47).

إن النفوس أشبه ما تكون بمصابيح الكهرباء، هذا يضيء بقوة خمسين شمعة، والآخر بقوة مائة، وغيرهما بقوة مائتين. فإذا أضاء المصباح ذو المائة شمعة بقوة سبعين فقط، فهو أكثر عطلاً من مصباح ذي خمسين شمعة يضيء بأربعين. وإن كان المصباح الأول في نظر الناس أسطع من الأخير. ما أكثر الذين وهبهم الله طاقات ضخمة وظروفاً مواتية، فأضاءت نفوسهم من دينه بقدر يحسبه الناس كبيراً وهو عند الله صغير. وما أكثر الذين وهبوا نفوساً محدودة فاستنارت بصائرهم بقدر من الإسلام، يحسبه الناس هيناً وهو عند الله عظيم. "يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكون خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن" (الحجرات:11).

للقدر أثر عميق –كما أسلفنا- في تكوين الإنسان، وفي مدى ما يزود به من طاقة واستعداد، وفي تحديد الدائرة التي يكدح فيها ما بقي حياً. ويتوسع علماء الوراثة في إحصاء ما ينحدر إلى الإنسان من صفات كامنة أو ظاهرة، ويرجعون أكثر مظاهر السلوك إلى ما ولد به الإنسان من ميول ونزعات. وقد ثبت أن هناك علائق قوية بين إفراز الغدد داخل البدن وبين اعتدال المزاج أو حدته. فنشاهد الغدد الجنسية وما ترسله من "هرمونات" في الدم، له دخل كبير في شدة مقاومة الفرد للإغراء الجنسي أو ضعفه!! ولمجموعة الغدد المجاورة للكلى "درنال" أثر في مقدار تهيج المرء حين يخاف أو يغضب، نظراً لما تسبكه هذه الغدد في الدم من عصارات منشطة للقلب والعضلات. من أجل ذلك نلاحظ أن الأفراد يختلفون في ميولهم وانفعالاتهم، وتتباين مواقفهم بإزاء ما يعرض لهم من مشكلات الحياة وأعراضها ومفاتنها ومباذلها. لكن هذه الموروثات المعقدة لن تزيد في قوتها عن الغرائز العامة. وهذه وتلك يمكن –كما يقول علم النفس- تعديلها حتى توائم القوانين المشروعة، فبدلاً من أن يهتاج الإنسان للباطل يهتاج للحق!! وأما كون هياجه عنيفاً أو خفيفاً في الحالين فأمر فطري لا يعنينا .. وإن كنا لا نغفل حسابه في تقويم أقدار الناس. وقد نعيره اهتمامنا عند تحديد المسئولية في الذنوب المرتكبة.

ويقول علم النفس: إن هناك مصابين بالشذوذ في تصرفاتهم. فيهم المولع بعدِّ درجات السُّلَم، أو قطع البلاط، أو مصابيح الشوارع. ومما أثر عن الأديب الإنجليزي "جونسون" أنه لا يمر بحاجز خشبي إلا لمس بيده كل قائمة من قوائمه، فإذا نسي واحدة عاد إليها ليلمسها من جديد. ومنهم من يفزع من رؤية فأر، مع أنه معروف بالشجاعة. ومنهم من يميل إلى سرقة أشياء من نوع خاص، مهما بلغت تفاهتها، مع أنه من الأغنياء المحترمين!! هذه الأمور وأشباهها تدل على أن المرء قد يسلك سلوكاً لا يقصده، وأن قوى فيه باطنة تعمل في الخفاء. وكان القدماء يعزونها إلى التعب أو الخبل أو الألغاز. ولكن المحدثين يردونها إلى إيحاء العقل الباطن.

وفي مسألة تداعي المعاني، يقول علم النفس: إن هذا التداعي كثيراً ما يتحكم فينا، ويغلب إرادتنا، ويوقعنا تحت تأثير ما نحب وما نكره، ولاشك أن هناك أحوالاً من الكآبة النفسية قد تتوارد على الإنسان من حيث لا يدري، فتوهي من عزمه. وربما كانت أمثال هذه الحالات هي التي دفعت علي بن أبي طالب إلى أن يقول للنبي كلمته السابقة (أنفسنا بيد الله ....). وقد رفض النبي قولها، لأن قوانين الحياة العامة لا تربط بأمثال هذه الساعات الواهنة من تداعي المعاني أو تنافرها، سوء أكانت في السراء أو في الضراء.

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة