العمل أساس الإيمان

كتاب : عقيدة المسلم

تأليف : الشيخ محمد الغزالي 

العمل أساس الإيمان

 

آمنت بالله : أي عرفته معرفة بلغت حد اليقين .

وأسلمت له : أي خضعت لحكمه عن طواعية وانقياد .

وكلمتا الإيمان والإسلام في نظر الشرع مترادفتان أو متلازمتان . فحقيقة الإسلام تتضمن أداء العبادات المطلوبة، فهي تصديق بالله وتنفيذ لأمره. وحقيقة الإيمان تنطوي على المعرفة الصحيحة والقيام بحقوقها.

ومن ثم فمعنى اليقين ملحوظ في الإسلام، ومعنى الخضوع ملحوظ في الإيمان. ولا يقبل إسلام خلا عن اليقين، كما لا يقبل إيمان تجرد عن الخضوع لله! وقوله الله تعالى: "قالت الأعراب: آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم" (الحجرات:14).

فإن هذا الإسلام الذي ذكرته الآية، ليس الدين الحق الذي عَنَتْهُ الآية الأخرى: "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه" (آل عمران: 85). بل هو خضوع عن قهر ونفاق، ولا قيمة له إلا إذا سكن الإيمان القلب واستقر فيه. والإيمان المعتبر، ما اقترن بالسماع والطاعة، وتطهر من الجحود والاستكبار عن أمر الله. "ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا، ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك، وما أولئك بالمؤمنين" (النور:47). وقد اعتبرت كلمة "الإسلام" علماً على الدين الذي جاء به صاحب الرسالة العظمى  محمد بن عبدالله ، وتعارفت الأجيال هذه الحقيقة.

فإذا ذكر الإسلام، عرف من هذا العنوان أنه الدين الذي يقوم على اتباع القرآن الكريم والسنة المطهرة. ويدخل فيه من شاء من بابه الرئيسي المعروف "كلمة التوحيد" ثم يؤدي بعد ذلك ما يفرض عليه من تكاليف شتى. على حين توسع العرف العالمي في كلمة "الإيمان". فهناك إيمان نصراني، وآخر يهودي، وآخر وثني، وآخر شيوعي ... إلخ وهذا العرف العام يغض من قيمة الحقيقة الشرعية التي ذكرناها آنفاً. فمتعلقات الإيمان؛ والدائرة التي يتسع لها في ديننا، تجعله لا يصح في نظرنا. إلا إذا كان مرادفاً للإسلام، أو ملازماً له. ولكن هذا العرف الشائع يؤكد أن الإسلام يرفض رفضاً حاسماً أي مسلك ينطوي على الاستهتار بالأعمال المطلوبة، والتمرد على شارعها جل شأنه.

ولذلك نعد رفض الخضوع لله خروجاً على الإسلام، ومروقاً عن الدين، وهدماً للإيمان، مهما زعم هذا الرافض من معرفة ويقين. لقد كان إبليس يعلم أن الله واحد لا شريك له، وكان يعلم أن مصيره إليه يوم يبعثون. بيد أنه لما صدر إليه الأمر: أن اسجد، فقال –مستكبراً جاحداً-: لا. عُدَّ كافراً ولم تشفع له معرفته بوحدانية الله، لأن المعرفة المجردة عن مبدأ الخضوع المطلق لرب العالمين لا وزن لها. والمعصية التي يقارنها هذا التمرد تخلع صاحبها من الإيمان خلعاً.

والشعور بتلك الحقيقة هو الذي جعل أبا بكر يُسوِّي بين مانعي الزكاة وبين المرتدين برغم زعمهم أنهم مؤمنون. فقد صدر إليهم الأمر بإيتاء الزكاة فعصوا، وشهروا السلاح، وآثروا القتال على دفع المال. فساق إليهم الخليفة الأول جيوش الإسلام تَفْلِقُ هاماتهم؛ وتلحقهم بإبليس الجاحد المستكبر! وهذا الحكم يسري في جميع الأحوال المشابهة. فإن التأبي عن قبول أمر الله والهزء بالفرائض التي أوجبها؛ والفخر بالمحرمات التي زجر عنها لا يمكن أن يوصف بأنه خضوع وإسلام، إلا إذا كانت أحوال الجهال تسمى علماً، وأحوال الكذابين تسمى صدقاً! وقد ذهل بعض المصنفين في الفقه، عن هذا الأصل الراسخ، فأفتوا بأن الممتنع عن الصلاة يقتل حداً، ولا يسمى مرتداً. وهذا غلط، فإن الذي يؤثر أن يقتل على أن يُصلي لا دين له، فكيف يحسب من المسلمين؟ أما صلة الإيمان بالأعمال –كما فصلت في القرآن والسنة- فسنشرحها بعد.

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة