لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ

كتاب : عقيدة المسلم 

تأليف : الشيخ محمد الغزالي

لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ

 

ومن الناس من وقع على نصوص لم يفهمها، وحاول أن يشغب بها على القواعد المقررة. وكم تدور على ألسنة العامة أحاديث شتى. مثل ما رواه أنس: أن النبي ومعاذ رديفه على الرحل قال: "يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثلاثاً قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار. قال: يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذن يَتَّكِلُوا !!. وأخبر به معاذ عند موته تأثماً.

بهذا الحديث وأمثاله، تتعلق العامة في نقض بناء الإسلام وهدم أركانه والتهوين من خطر العمل وآثاره. وهو تعلق باطل مردود. قال الحافظ المنذري: "ذهب طوائف من أساطين أهل العلم إلى أن مثل هذه الإطلاقات التي وردت فيمن قال "لا إله إلا الله دخل الجنة، أو حرم على النار" أو نحو ذلك، ربما كان في ابتداء الإسلام حين كانت الدعوة إلى مجرد الإقرار بالتوحيد. فلما فرضت الفرائض، وحدت الحدود، نسخ ذلك. والدلائل على هذا كثيرة متظاهرة. وإلى هذا القول ذهب الضحاك، والزهري، وسفيان الثوري وغيرهم. وقالت طائفة أخرى: لا احتياج إلى ادعاء النسخ في ذلك. فإن كل ما هو من أركان الدين وفرائض الإسلام هو من لوازم الإقرار بالشهادتين وتتماته. فإذا أقرَّ ثم امتنع عن شيء من الفرائض جحداً أو تهاوناً –على تفصيل الخلاف فيه- حكمنا عليه بالكفر وعدم دخول الجنة".

وذكر المنذري أقوالاً أخرى تتفق كلها على أن ظواهر هذه الأحاديث غير مراد وكيف يعتد بظواهرها مع ورود مئات من النصوص الأخرى من الكتاب والسنة تربط الإيمان أوثق رباط بأعمال معينة! والواقع أن ما أجمل في نص يفصّل في نص آخر. وقد قال النبي : (أُمرت أن أُقاتل الناس –مشركي العرب- حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله). فهذا الحديث أحصى أعمالاً لم تذكر في حديث النطق بالشهادتين، وهو تفسير لقول الله تعالى: "فإن تابوا، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فإخوانكم في الدين" (التوبة:11). وقوله من قبل: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم" (التوبة:5).  إن النطق بالشهادتين بداية لما بعده من اعتقاد وعمل، لا ما تحسب الأبصار الكليلة، والهمم القاصرة من أن مجرد النطق فيه الكفاية والغناء. وحروف هذه الكلمة –كلمة التوحيد- منافذ تُفضي بالإنسان إلى ساحات رحيبة، وآفاق ممتدة يشرب القلب فيها حقيقة التوحيد الخالص كلما سجد لبارئه وبادر إلى مرضاته، ونفر من مساخطه، وأدى الواجب وترك المحرم. وأدران الشرك ليست كلمة تلوث الفم وحده حتى تطهرها كلمة مقابلة ينطق بها الفم. ولكن الشرك توجه الفؤاد لما دون الله، وعمل الجوارح لغير الله. فإذا لم يسيطر التوحيد على القلب والجوارح، ويتحول إلى قوة باعثة إلى العمل الصالح فلا قيمة له!!. إن كلمة التوحيد حصانة البشرية من الخنوع للآلهة المزيفة. وهذه الآلهة ليست حجراً منحوتاً فحسب، بل كل ما يقطع صلة الإرادة الإنسانية بالله، ويربطها بغير رباط الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، والألم والأمل، فهو ذريعة للشرك. وهناك ألوف مزقت المعاصي صلتهم بالله شر ممزق، وظلت أهواؤهم تجمح بهم بعيداً عن الله، حتى نسوا الله أتم النسيان. فلوا قارنت بين ضمائرهم وضمائر أهل الجاهلية الأولى، ما وجدت فارقاً بين جحود وجحود، وكنود وكنود !!. إلا أن هؤلاء نطقوا بكلمة التوحيد ولم يفهموها، وأولئك فهموها ولم ينطقوا بها. 

إن البشرية –بفطرتها- تحلق في أجواء مشرقة من توحيد الله، فإذا علقت بها حبائل الشيطان، ورانت عليها أثقال الشهوة، وزهدت في السماء ونظرت إلى الأرض ظلت تهبط وتهبط، وتسقط دون فضل الله، وتسقط حتى تصل إلى الحضيض. "ومن يُشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق" (الحج: 31). ما كانت كلمة التوحيد نبتاً مشلولاً في تربة خبيثة. ولكنها نبت تمتد أصوله في القلب الخصب، وتظهر آثاره ظلالاً وارفة، وثمرات شهية تظهر أعمالاً طلبها الإسلام وأكدها، وربط وجوده بنمائها ووفرتها. "ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون" (إبراهيم:24-25). وهذه الكلمة، أعلى عند الله قدراً، وأعلى شأناً، من أن يستغلها منافق أو لعوب. فالرجل العقيم من الأعمال، لا تنفعه دعواه، ولا يغني عنه إيمان منتحل: "ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين" (البقرة:8).

فإذا دلت أعمال المرء على باطن خبيث، وتبين نكوصه عن تحمل المسئوليات وتفقدناه في المواطن التي لا يتخلف عنها مؤمن، فلم نقف له على أثر، بل وجدناه يزحم أسواق الشيطان ويحالف –بأفعاله- أعداء الإسلام، فحقيق بنا أن نرفض هذا الإيمان، ولو حلف صاحبه على صحته: "ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم، ولكنهم قوم يفرقون، لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مُدَّخلاً لولوا إليه وهم يجمحون" (التوبة:56-57). ولما كان الإسلام قد قرر ما ينبغي عمله في الشئون المتصلة بنواحي الحياة كافة، من أحكام ومعاملات وأخلاق، فإن موقف المؤمنين تجاه ذلك واحد لا يتغير، هو الخضوع المطلق. فإذا انكشف الغطاء عن غير ذلك، وتبين من ضلال السلوك ضلال القلب، فإن الإيمان زعم باطل. وبهذا القياس فضح الله طوائف المنافقين الأولين، وبه –كذلك- نفضح أشباههم اليوم.

أعرف في إحدى المدن مصنعين للنسيج، يدير الأول أجنبي يخشى الاتهام بالتعصب، فهو يأذن لعماله أن ينصرفوا ساعة لصلاة الجمعة. أما الآخر –ويديره مسلم بالوراثة- فهو باسم إسلامه الدعيّ لا يخشى هذا الاتهام، فهو يضن على العمال بالوقت الذي سمح به الأجنبي للصلاة!. ولعلك إذا جادلته في هذا الصد عن سبيل الله تطاول على الصلاة والمصلين، ناسباً إليهم كل رذيلة. أفمثل هذا الوغد الذي لا يكترث بشعائر الإسلام يسلك في عداد المؤمنين؟ وقد تسمع أحدهم يذكر شعائر الإسلام، فيسلقها بلسان حاد، وقد يتناولها ويتناول أنصارها بالسخرية. إن إجماع العلماء منعقد على طرد هؤلاء من حظيرة الإسلام.

وينبغي أن نسارع بغربلة الأمة الإسلامية، حتى يُنفى خبثها ويُعزل سقطها، ويمتاز فيها المسلمون من المجرمين والملحدين. 

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة