في ميدان التربية

كتاب : عقيدة المسلم

تأليف : الشيخ محمد الغزالي 

في ميدان التربية

 

هذه أحاديث تطيش فيها أفكار العامة. وينبغي أن نقف قليلاً لديها حتى نشرح ملابساتها، ونذكر المعنى المقصود منها. والأحاديث في العفو والعقاب، والخطيئة والمتاب. وماذا نصنع إذا كانت الأمة مبتلاة بمن يهوِّن لديها بشاعة الأخطاء، وفظاعة الجرائم، مستنداً إلى نصوص لم يفهمها، وراكناً إلى رحمة لم يتهيأ لها؟ وفساد الحضارات الدينية يرجع إلى تكوُّن أخلاف من الناس يُحرفون الكلم عن مواضعه، ويخلطون خلطاً شائناً في تطبيق أحكام الشريعة على أعمال الجوارح وخطرات القلوب، ويريدون أن يرتكبوا آثام الملحدين وينالوا جزاء الأوابين. وقد عاب القرآن الكريم على اليهود وأعقابهم هذا المسلك الطائش، فذكر إقبالهم على دنايا الحياة، وارتباطهم بأعراضها الفانية، ثم آمالهم الجريئة في نعيم الآخرة –مع ذلك- ثم زعمهم أنهم بهذه السيرة الحقيرة مستقيمون مع منطق التوارة وهدي موسى –وهذا هو الأدهى-. ذكر القرآن صورة ذلك، ووضعها أمام أعيننا ماثلة: "فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب، يأخذون عرض هذا الأدنى، ويقولون سيغفر لنا، وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه، ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه؟" (الأعراف:169).

ثم أبان الله لهم –سبحانه- أن للمصلحين أجرهم الذي لا يضيع، وأن عناصر هذا الإصلاح هي في التمسك الحق بالكتب السماوية وما تأمر به من عبادة، ومن ثم قال: "والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون، والذين يمسكون بالكتاب، وأقاموا الصلاة، إنا لا نضيع أجر المصلحين" (الأعراف:169-170). ولكن أين تمسك المتدينين بكتبهم؟ بل أين نزول المسلمين على هدي قرآنهم؟ إن جرائم القتل التي تقع بوادينا المسلم (!!) تزيد على ما يقع في نصف قرن ببلد "كفنلندا" لا يعرف الإسلام ولا غيره من الأديان. وعلل هذا الهرج كثيرة، ولكن تفتيت الصلة بين الإيمان والعمل، وقطع التلازم بين الجريمة والعقاب، وسوق نصوص الرجاء للعاطلين، ووضع الندى موضع السيف. ذلك كله في مقدمة الأسباب التي جرت على الحضارات الدينية هذا الفساد، وجعل بعض الحضارات الأخرى ترجحها في ناحية ما. أما الأحاديث التي يغلط العامة في فهمها، فقبل أن أسردها أذكر هذا المثل للدكتور عبدالعزيز إسماعيل قال: "شخص يخاف ربه ويطيع أوامره، ولكن حدث له أن وقع مرة تحت انفعالات نفسانية شديدة، ضاع معها رشده، فارتكب جريمة قتل، فلما ثاب إلى رشده ندم على فعلته. فهذا الرجل ارتكب الجريمة بجوارحه فقط، ولم يقتل بضميره. فقد ثبت طبياً أن الانفعالات الشديدة تحدث زيادة إفرازات في بعض الغدد الصماء، تؤثر على ضغط الدم وعلى المخ. وقد تحدث تشنجاً عصبياً، أو شللاً وقتياً في قوة الإدراك (غيبوبة) يأتي الشخص في أثنائها من الأفعال ما يستنكره في حالته العادية". هذه الخطيئة يظهر فيها قهر القدر الغالب. وتشخيص حقيقتها من طبيب مختص يفسر لنا مدى المسئولية الأخروية عليها. وفيها وفيما يجري على نسقها من أخطاء يصح أن يفسر قول النبي "والذي نفسي بيده لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم". ليس هذا الحديث دعوة عامة إلى ارتكاب الخطايا، ولا هو تقرير لبيان حكمة الوجود بأنه فعل السيئات. فإن الله –في كتابه- أظهر لنا الحكمة العليا من وجودنا فقال: "ليبلوكم أيكم أحسن عملاً" (الملك:2). وقال النبي شرحاً للآية –"أيكم أحسن عقلاً، وأورع من محارم الله، وأسرع في طاعة الله".

الحديث في الحقيقة تعليق على الموجات النفسية التي تجرف في تيارها أبناء آدم وتضع عزائمهم –مهما قويت- أمام عواصف القدر المجتاحة، فإذا بها تصبح هباءً منثوراً. فإذا خرج امرؤ من غمراتها، وفي رأسه من عمايتها دوار، استمع إلى هذا الحديث "لو لم تذنبوا ..." كما يستمع المحزون إلى كلمة عزاء. والحديث مبتوتُ الصلة بمسلك السفلة ومعتادي الإجرام. ونحن نحتاج إلى هذا التوجيه الكريم في علاجنا، لعثرات الشباب ووقوعهم المتكرر في مآزق الغريزة الجنسية. فكم لنشاط الغدد من آثار خطيرة! تسكب إحدى الغدد إفرازها دافقاً في الدم المهتاج!! فإذا الرجل لا يكاد يقوم حتى يكبو. وكأنما يريد ربك أن يجعل من الإنسان العملاق عبداً كسير الجناح، أمام جبار السموات والأرض، وحتى تكون آمال الإنسان أعلق بانتظار العفو والتوفيق منها بتقديم الأعمال وشتى الطاعات. وقلما يحدث ذلك إلا لذوي المواهب والملكات، ممن يُخشى عليهم الغرور بطاقاتهم الواسعة، لولا ما يعرض لهم من غلطات ويقعون فيه من سيئات. ومن هذا التحديد ندرك سر قول النبي : "كُتب على ابن آدم نصيبه من الزنى، مدرك ذلك لا محالة، ... العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوي ويتمنى ... ويُصدق ذلك الفرج أو يكذبه". هذا الذي كتب هو لوثات الغريزة في جماحها الطاغي. ومدى عفو الله في هذا مربوط بما خرج عن دائرة المجاهدة والتطلع إلى الكمال. أي أن الشاب مكلف ببذل جهده كله، في محاربة الجريمة، والبعد عن مغرياتها ومثيراتها. فإذا حدثت مضاعفات فوق الحسبان، شردت بالمؤمن عما التزمه. كالسابح الذي يضرب بيديه في اللجة، ويدفع صدره إلى الأمام، ويستهدف الوصول إلى الشاطئ في بأس وعزيمة. ثم يظهر له أن جهده يذهب سدى، لأن التيار ضده. فهو مهما بذل لا يعدو مكانه، عندما يحاط بأمر ما في أوضاع الحياة على هذا النحو، يساق هذا الحديث، لا لتبرير الخطأ، ولكن لتيسير الخلاص منه، ومنع الارتكاس فيه. ثم توجه الإرادة البشرية عندئذ إلى العبادات الإيجابية، ففيها الدواء لما أصابها من فشل في العبادات السلبية: "وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل، إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين" (هود:114).

وأبواب الأمل في الخير إن حاول الشيطان سدها من ناحية، فتحت من ناحية أخرى، ولذلك قال: "واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين" (هود:115). والحق أن فعل الصالحات ليس علاجاً فقط للفشل في ترك السيئات، بل هو الطريق الوحيد للنجاح في تركها، والتطهر من أدرانها، مهما عز ذلك أول الأمر. وتلك آية الإيمان. أما أن نرى قوماً يفعلون الشر، ويتركون الخير، ويزعمون الإسلام فهم كذابون، وليس في الحديث الآنف ما يصحح إيمانهم.  وهذا حديث آخر ذكره أحد الجهال في تهوين قيمة العمل. قال رسول الله : "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، وأن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى عليَّ أن لا أغفر لفلان فإني قد غفرت وأحبطت عملك". والحديث صحيح رواه مسلم، وأخرج أبو داود مثله. قال رسول الله : "كان مع بني إسرائيل رجلان متواخيان، أحدهما مذنب والآخر في العبادة مجتهد، فكان المجتهد لا يزال يلقى الآخر على ذنب فيقول له: اقصر، فقال خلني وربي، أبعثت عليَّ رقيباً؟ فقال له: والله لا يغفر الله لك، أو قال: لا يُدخلك الجنة، فقبض الله أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال الرب تعالى للمجتهد: أكنت على ما في يدي قادراً؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار". هذا الحديث نظر إليه العلماء ففهموا منه المعنى الوحيد الذي يفهم منه. وهو: أن الرجل المستكبر بطاعته، أبعد عن الله من الرجل المستخذي بمعصيته وهذا حق، فهناك ممن يلبسون مسوح الدين، رجال يحسبون أنهم ببعض صلوات أقاموها، قد شاركوا الله في تقرير مصير العباد، وأنهم يحملون معه مفاتيح الجنة والنار. وقد رأيت كثيرين من المتصعلكين في الأندية الدينية، تنطوي نفوسهم على هذه الجهالة وتُعوِزُهُم مشاعر الرقة والتواضع. والحديث المذكور قمعٌ لتداول هؤلاء. ومن بقايا النصرانية اليوم، قد تجد إنساناً كسير القلب لأنه أخطأ، يذهب إلى راهب الكنيسة، ليقوم بمراسيم الاعتراف الشائعة عندهم. ولو غصت في أغوار هذا وذاك، لوجدت نفسية المخطئ أقرب إلى الكمال الإنساني، من نفسية الراهب الذي سيمنحه المغفرة، وهو مُدِلٌّ مختال. وإنني في تجاربي الكثيرة، ما أزال أشكو قسوة القلب، وخلال الفظاظة التي أجدها في مسالك بعض المنسوبين إلى الدين. على عكس ما يلمحه المرء أحياناً من تأدب وسماحة في سير بعض الذين لما يهتدوا بعد إلى ما في الدين من حق وخير وجمال .. ويستحيل أن يكون الحديث المذكور مناقضاً لقول الله في كتابه: "إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم، أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون، أم لكم كتاب فيه تدرسون؟ إن لكم فيه لما تخيرون !! أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون، سلهم: أيهم بذلك زعيم" (القلم:34-40). ونحن نسأل الجهال العابثين بالنصوص: كيف جاز لهم أن يقطعوا صلة الإيمان بالعمل، والخطيئة بالعقاب لِحُجُبٍ غطت على عيونهم، فلم تر الصواب، ولم تفقه الكتاب؟

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة