الإيمان والخطيئة

كتاب : عقيدة المسلم

تأليف : الشيخ محمد الغزالي

الإيمان والخطيئة

 

ما ذكرناه من تلازم الإيمان والعمل، لا يعني أن الإيمان يقتضي العصمة، فإن المؤمن قد يخطئ. وما يقع فيه المؤمن من خطأ أو خطيئة، لا يسلخه من الدين. ولابد من بيان مفصل، تضم به أطراف هذا الموضوع. عندما يكون المرء وثيق الإيمان، كثير الطاعات، طويل المراقبة لله، فإن أخطاءه تقل لا محالة. وما قد ينـزلق إليه من سيئات، يعتبر غريباً على حياته غرابة الشذوذ بالنسبة إلى القاعدة. وطبيعة الخطأ من رجل هذه حاله، تجعل لسيئته صفة خاصة.

فهو لا يقصدها، ولا يستريح إليها، ولا يستقر عليها. كالسائر في طريق ما إلى هدفه لا يفكر إلا في أعماله وآماله، فإذا قدمه تخبط في حفرة غير منظورة، أو تمر بقشر فاكهة ملقاة، فإذا المسكين يهتز ويضطرب ويهوي إلى الأرض. إنه يخجل من سقطته، ويقوم منها شديد الضيق والسخط. كذلك قد تزل قدم المؤمن، وهو سائر في طريقه إلى الله، فَيُلم بعمل لا ينبغي منه، ثم لا يكاد يتورط فيه حتى ينـزع عنه، وهو بادي الألم، عميق الحسرة. هذه السيئات لا تَصِمُ سيرة المؤمن ولا تهدم شخصيته. وهي من قبيل "لكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة". ولما كانت خليقة الإنسان مزدوجة، يلتقي فيها عنصران: أحدهما من السماء والآخر من الأرض.

فإن آثار هذا الاختلاط تبدو في سلوك الإنسان. وليس يستغرب على طبيعته أن تخلد إلى الأرض لحظة ما. ومن ثم جعل الله سبحانه وتعالى دائرة عفوه تتسع لهذه السقطات: "الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة" (النجم:32). وعلل هذا العفو الكريم بقوله: "هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض" (النجم:32).

قال الشاعر:

ولابد من أن ينـزع المرء مرة .. إلى الحمأ المسنون ضربة لازب

على أن هذه المزالق –كما قلنا- تعتري الإنسان وهو في طريقه إلى ربه، يؤدي واجبه، ويقيم حقوقه، ويتحرى رضوانه. وما يصاحب هذا اللمم من ألم، وما يسبقه من غفلة، وما يعقبه من دهشة وغصة، ذلك كله يكشف سواده ويخفف عواقبه. وحسب صاحبه من عقاب، دَويُّ هذه السقطات في نفسه، وإسراعه بالإنابة إلى الله يجأر بالدعاء!! وفي مثل هذه الحالات، يساق قوله تعالى: "والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون، لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين، ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون" (الزمر: 33-35). "والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون" (العنكبوت:7).

والمعنيون بتربية النفوس وتزكية السرائر، لا يحبون أن يقفوا طويلاً عند هذه العثرات العارضة. وهمهم أن يأخذوا بيدي الكابي، لكي يستطيع النهوض ويستأنف المسير، ويقبل على واجباته بنشاطه القديم أو أشد رغبة.

وتهوينهم من هذه السيئات المقترفة، لا لأن هذه السيئات تافهة أو مستحسنة بل ليخلصوا المذنب من آثارها، ويفكوه من آصارها، ويمنعوه من الارتكاس فيها والانكباب عليها. وذاك أخطر ما يتوقع، وأول ما يحاذر الشرع منه. وفي مثل هذه الحالات يساق قول النبي -فيما يحكي عن ربه عز وجل- قال: "أذنب عبد فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال الله عز وجل: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب. فقال: أي رب اغفر لي ذنبي. فقال الله تعالى: أذنب عبدي ذنباً وعلم أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: يا رب اغفر لي !! فقال الله تعالى: أذنب عبدي فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت، فقد غفرت لك".

هذا الحديث وأمثاله مما يفتح مصاريع التوبة على كثرة العثار، وهو فيمن قدمنا من الناس. والمراد منه حفز الهمم إلى الصالحات، والتقصي عن دائرة الجريمة، مهما حدث من الإنسان، ورفع أنظار البشر إلى أعلى، كلما نكسها الشيطان. وليس المراد منه –البتة- ما يفهمه سفهاء العامة من تحقير الجرائم، وتهوين السيئات، وإغراء العصاة بالجرأة على المخالفات واستباحة الحرمات. فهذا المعنى نقض لحقيقة الرسالة الهادية، وتجاهل وقح لآلاف الأحاديث المرهبة عن ارتكاب الذنوب. والتفريط في الأعمال الصالحة –بناءً عن فهم معوج لهذه الأحاديث- هو ضلال مبين!. وليست الخطايا كلها من هذا القبيل، ولا الذين يقعون فيها جميعاً من هذا الصنف. فهناك حالات من النـزق والسفاهة، تغوي ذويها بارتكاب الدنايا، وقد لا ينـزعون منها على عجل. على أن الإيمان في نفوس هؤلاء يعاني –لا ريب- أزمات عنيفة. وبقاؤه أو انتهاؤه، مرهون بمدى ما يصل إليه العاصي من بُعد عن الله، واستمراء للخطايا. ومهما عصى المسلم، فهو بين توبة سريعة تطهره، أو توبة مضمرة يستنيم إليها، ويرتبط بالإسلام على أساسها. ومصاير أولئك الذين يتدنسون بالمعاصي، ويرجئون المتاب منها –مع الإحساس بالخزي وتوقع العقاب- مجهولة!. لأن إلحاح المعاصي على القلب قد يزهق الإيمان، ويرد المسلم إلى الكفران. كما يلح المرض الخبيث على الجسم، فينـزع منه الروح ويتركه جثة بالية. وأياً ما كان الأمر، فإن رباط المعاصي بالإيمان واه ..

ونستطيع أن نقول: إنه باق، إلا يوم يقترف الجريمة مفتخراً، أو يترك الفريضة مستهزئاً. فإنه يومئذ ينسلخ عن الإسلام ويحكم بارتداده. وليس يتصور هذا في مؤمن. فإن المؤمن إذا لم يكن ذا عزيمة في الخير، فلن يكون ذا عزيمة في الشر، تجعله يبارز الله بالمعصية، وهو وقح صفيق!. وقد بين الله في كتابه أن المعصية التي تقع من الموسومين بالإيمان، إنما تصدر عن جهالة (أي: عن طيش، وضعف، وغلبة، وشهوة، وضعة همة):  "إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً، وليست التوبة للذين يعملون السيئات، حتى إذا حضر أحدهم الموت قال: إني تبت الآن، ولا الذين يموتون وهم كفار" (النساء:17-18).

"كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم، وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين" (الأنعام:54-55).

إن صلة الطاعات والمعاصي بالإيمان لا يجوز نكرانها. فالأولى أغذية ينمو بها ويزدهر. والأخرى سموم يضعف بها ويذوي. وقد أبان الله عز وجل أنه ما من شخص يدعي الإيمان إلا فُحصت نفسه بألوان التكاليف، وبُليت بمراتب شتى من الجهاد، جهاد الشبهات، وجهاد الحياة والمبادئ. ولابد أن يجتاز الشخص هذا الامتحان، ليحكم بعدئذ بنجاحه أو سقوطه. ولن يترك الإنسان سدى. ولن يغلب العصاة ربهم بإيمان مزعوم وكفران مكتوم. والتكاليف التي شرع الله لعباده هي الطليعة الأولى للفتن التي تقتحم النفس، وتكشف دخائلها.

ولن تزال هذه الفتن تسبر أغوار الإيمان، ومدى صلابته، ومدى استعداد صاحبه للنعيم أو للجحيم، أو لهما معاً، حتى يرجع الإنسان من حيث بدأ، إلى الله. "ألم، أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون؟ ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين! أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا؟ ساء ما يحكمون" (العنكبوت:1-4). ومصير المرء لا يُحدد بمعصية واحدة ولا طاعة واحدة.

فالأجل طويل والتكاليف متجددة، والأمر أعقد من أن نصدر بصدده حكماً عاماً. وفي الحديث: "تُعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأي قلب أُشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تعود القلوب على قلبين: قلب أسود مُرباداً كالكوز مُجخياً (مكبوباً) لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أُشرب من هواه. وقلب أبيض فلا تضره فتنة مادامت السموات والأرض". وهذا الحديث يبين: أن المعاصي منازل ومزالق، يسلم بعضها إلى بعض، وأن الإيمان يتأثر بما يعرض للقلب من أحوال.

فهناك قلوب أقفرت منه تماماً –بإدمان المعاصي واتباع الفتن-، وهناك قلوب في طريقها إلى البوار لما تُقفر بعد، وتوشك أن تضل، وهناك قلوب بين طريق الخير، وطريق الشر، تتأرجح ناحية اليمين أو الشمال. والحديث يشبه عرض الفتن على القلوب شيئاً فشيئاً، كعرض عيدان الحصير على الخيوط التي تنتظمها شيئاً فشيئاً. وقسم القلوب عند عرضها عليها قسمين: قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها، كما يشرب الإسفنج الماء، فتنكت فيه نكتة سوداء، فلا يزال يشرب كل فتنة عرضت عليه حتى يسود وينتكس، وهو معنى قوله "كالكوز مجخياً" أي منكوساً. فإذا اسودَّ عرض له من هذه الآفات مرضان خطيران، يتأديان به إلى الهلاك: أحدهما: اشتباه المعروف عليه بالمنكر، فلا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً. وربما استحكم فيه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكراً والمنكر معروفاً.  وثانيهما: تحكيم هواه في ما جاء به الشارع، وانقياده لهذا الهوى، حيثما ترامى به. أما القلب الآخر، فهو أبيض أشرق فيه نور الإيمان، فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وردها، فازداد نوراً وإشراقاً.

وفي أحوال الإيمان مع الفتن والمعاصي ورد –كذلك- عن النبي : "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه". وهو الران الذي قال الله فيه: "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون. كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون. ثم إنهم لصالوا الجحيم" (المطففين:14-16).

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة