هل المعصية مرض؟

 

 كتاب : عقيدة المسلم

تأليف : الشيخ محمد الغزالي

هل المعصية مرض؟

 

في أحيان كثيرة يتجه البحث العلمي إلى اعتبار عوج السلوك وارتكاب المحظورات ظواهر لأمراض نفسية كامنة! ويفسر وقوع الجرائم على أنها أعراض تستوجب العلاج الحكيم، للاضطرابات النفسية والعصبية التي تختفي وراءها. وعَدُّ العصيان مرضاً يجب التفكير في مداواته، قبل عده جريمة تستوجب القصاص من صاحبها، أمر يستحق النظر العميق على ضوء التعاليم التي جاء الإسلام بها!. وقد تسأل: هل المعصية مرض حقاً؟ والجواب أن تعابير القرآن الكريم في غير موضع واحد تبيح لنا أن نقول: نعم ففي سورة البقرة وصف النفاق بأنه مرض: "في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً" (البقرة:10).

ومرض القلب هنا ليس سرعة نبض ولا بطء خفقان بداهة!! وفي كثير من الصور شاع هذا الوصف حتى لقد تكرر في سورة الأحزاب ثلاث مرات، ويدل اختلاف السياق على اختلاف المقصود به. ففي النصح لأمهات المؤمنين يقول الله عز وجل: "إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض" (الأحزاب:32).

والمراد بالمرض هنا ما يتخلف في نفوس الناس من اضطراب الغريزة الجنسية اضطراباً يجعلها تطمع في غير مطمع، ويشرد زمامها حيث يجب أن تقف وتستكين!. والله عز وجل يريد لنسوة نبيه منـزلة تعلو على هواجس النفوس. فلا عجب إذا صانهن عن آخر ما تصل إليه الأماني المحرمة للنفوس المريضة. وقد ثبت أن الشهوة الجنسية أساس لعدد هائل من الأمراض الفكرية والعصبية والخلقية!  وفي موقف الضعاف المترددين عند هجوم الأحزاب على المدينة وإحكامهم الحصار على من فيها يقول القرآن الكريم: "وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً" (الأحزاب:12). وقد سبق وصف النفاق بأنه مرض. 

وجرثومة هذا المرض تنمو مع ضعف الشخصية وانحلالها. فترى المرء يلقى هؤلاء بوجه ورأي، ويلقى أولئك بوجه ورأي، حتى إذا مرد على ذلك أصبح أخصائياً في العيش بشخصية مزدوجة. وقد بُليَ المجتمع الإسلامي الأول بحزب ضخم من المنافقين كانوا شراً عليه من الكافرين الصرحاء. وهذه الآية قد يكون معناها: وإذ يقول المنافقون الذين في قلوبهم مرض. فهي صفات متعاطفة يكشف بعضها خفاء بعض. أو يكون الذين في قلوبهم مرض صنفاً آخر من الناس، أشبهوا المنافقين في جزعهم من الأعداء، وجبنهم عند اللقاء، وشكهم في أمر الرسول وعاقبته فالتحقوا بهم وصاروا لذلك منهم. والذين تظهر عليهم أعراض يعزلون مع المرضى إلى أن تتميز أحوالهم. وقد جمعت سورة الأحزاب هذه الأصناف كلها في قوله تعالى: "لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً" (الأحزاب:60). وقد جاء هذا التهديد بعد أمر عام لنساء المؤمنين بالاحتشام التام في ملابسهن، مما يدل على أن المقصود بالذين في قلوبهم مرض هم الشبان المتسكعون في الطرق المتتبعون للعورات. وتحفظاً من هؤلاء أنزل الله الآية السابقة: "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يُدنين عليهن من جلابيبهن، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين" (الأحزاب:59).

والأمراض النفسية تتفاوت خفة وحدة، ويتفاوت معها ما ينشأ عنها من مخالفة للشرع والقانون، وشذوذ عن العرف والتقاليد الفاضلة. على أن المجرم مهما كان مريض النفس فلا يمكن إخلاؤه من المسئولية الجنائية وتركه طليقاً دون أية مؤاخذة. والإسلام ينظر إلى هذه الأحوال المرضية نظرتين مختلفتين. فهو يضع الحدود والعقوبات التي لابد منها لصيانة المجتمع، وتدعيم أركانه، وتقرير فضائله، والمحافظة على مُثُلِهِ العليا، والمغالاة بقيمتها وقمع من يستهين بها. ومن ثم فهو يجلد ويرجم، ويقطع ويقتل. ولكنه –إلى جانب هذه النظرة الصارمة- يرسل نظرة عطف إلى المجرم نفسه على حساب أنه مريض. فهو يحتاط في الحكم عليه ويجعل القاضي أن يخطئ في العفو خيراً من أن يخطئ في العقوبة، ويأمر بالدعاء له، لا الدعاء عليه. وقد حدث أن جيء بسكِّير إلى النبي ليؤدب على سكره، فقال أحد الجالسين: لعنة الله عليك! ما أكثر ما يجاء بك!. فقال : لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله. وفي رواية أخرى: لا تقولوا هذا، ولكن قولوا: اللهم ارحمه، اللهم تب عليه. وهذه النظرة الرحيمة هي التي أوصت بالستر على المخطئ، وإعطائه الفرصة التي يصلح بها نفسه، والتشفع له قبل أن يصل الأمر إلى القضاء، عساه يرجع عن غيه ويبرأ من علته. وأولى الأمراض النفسية ظفراً بالرحمة والعطف في دين الله هي: الأمراض التي تصيب الإرادة الإنسانية في محاولاتها المتكررة المتعثرة أن تصل إلى الكمال المنشود. فإن المرء إذا طلب السمو بنفسه عن الدنايا، لاحقته من طبيعته الأرضية نزعات شتى قد تُزله عن الخير، حتى يكاد ييأس من بلوغه، فتمرض إرادته ويضعف عزمه. وهنا يتدخل الدين بتعاليمه ليعيد إلى الإرادة صحتها وقوتها، حتى تسعى بصاحبها إلى الكمال مادام حياً. وفي ذلك الموضع الدقيق من علاج النفس، تساق أحاديث الرجاء وآيات الرحمة، والنصوص الكثيرة التي تفتح عيني الإنسان على آفاق بعيدة المدى من غفران الله ورضوانه، والتي لا تسد منافذ الأمل أمام نفسه أبداً. مثل قوله تعالى للعُصاة: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً" (الزمر:53). وأمثال هذه البشارات الرحبة يظنها القاصرون ذريعة إلى التقصير في العمل والاستهانة بالخطأ، وهذا وهم مغرق في الضلال. فما قصد بهذه النصوص إلا تشجيع المجاهد لهواه على المضي في طريقه، لا تقفه عثرة ولا تلويه عقبة، ولا تنكسر عزيمته في الخير لكثرة ما اقترفت من الشر، ولا يقنط من رحمة الله –مهما صنع- مادام يريد استئناف حياة أنقى وأفضل. وبهذا الضوء تدرك العلاقة بين النصوص الكثيرة التي تجعل العمل كل شيء في الدنيا حيناً، والتي تسوق العفو والمغفرة حيناً آخر على اليسير من الأمور. وخير ما نستصحبه في ملاحظتنا على أحوال الناس قول عيسى بن مريم عليه السلام: "لا تنظروا في أعمال الناس كأنكم أرباب، بل انظروا في أعمالكم على أنكم عبيد، فإنما الناس رجلان، مبتلى ومعافى، فاعذروا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية". وللإسلام تعاليم إيجابية لكي يكتسب المؤمن منها صحته النفسية، وعافيته الروحية. ويخطئ من يحسب العبادات التي شرعها الإسلام ضرباً من الطقوس التي تؤدى في جو من الغفلة السائدة، والفناء في مجهول غير مفهوم. فإن الفرائض الأولى في الإسلام تقوم على اليقظة العاطفية والعقلية، وقلما تحظى بالقبول إلا إذا تركت أثراً غائراً في القلب واللب! ومن ثم فالعبادات التي كلف بها المسلم أساس مكين لصحته النفسية. والحكمة المذكورة في تشريعها أنها وقاية من الأوضار والأوزار، وأنها –إذا وقع المرء في خطيئته- نظافة تغسل الروح مما لحق به من فتن وذنوب. وكلا الأمرين –من وقاية ونظافة- سبيل العافية والبعد عن الأمراض النفسية، أي: عن المعاصي والسيئات. إن التعبد بتلاوة القرآن مثلاً ليست الغاية منه ترديد الألفاظ المقدسة، بل المقصود أن يتصل الروح بالوحي لينتعش ويتطهر، ويترفع حين يناجي الله عن الإخلاد إلى الأرض واتباع الهوى. "وننـزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين" (الإسراء:82). والتعبد بالصلاة منهاة عن الآثام، ومطردة للوساوس الصغيرة، ودواء للعصيان إذا مس المرء عارض منه.  ومن الكلمات الحكيمة: "إذا لم تشغل نفسك بالخير شغلتك بالشر" وبهذا المبدأ وقى الإسلام الفرد والمجتمع من أمراض نفسية جائحة.

فإن الفرد العاطل والأمة التي لا رسالة لها مرتع خصب لأخبث الأمراض العقلية والقلبية. ولو اشتغل المجتمع المسلم بما طولب به من جهاد دائم، وما كلف به من صلوات جامعة، لما وجد متسعاً من الوقت لجرائم الفراغ والتبطل، ولانحلت عقد كثيرة من تلقاء نفسها في ميادين العمل السامي إلى الأهداف المرسومة. وعندي أن كثيراً من معاصي الأفراد يقع قسط كبير من وزرها على الدولة، لأنها لم ترحم حيلتهم بما يصرفهم عن الموبقات. إن الأمراض النفسية التي يشرد بها السلوك الإنساني كثيرة، ولو استمعنا إلى آراء علماء النفس لما نجا أحد من الإنصاف بعقدة كامنة، أو لوثة خفية، أو داء نفسي دفين. غير أن هناك فارقاً بين أن يوصم المرء بالجنون مثلاً، وبين أن تصدر عنه أفعال تعد شعبة من الجنون. ويقال للإنسان –إذا صدرت عنه-: أما بك عقل؟ وقد قال الله تعالى لأحبار اليهود: "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون" (البقرة:44). والأمراض النفسية تتفاوت شدة وضعفاً، وهي في بدايتها غيرها في نهايتها. ومنها ما تكون الإصابة به كالوباء العام، ومنها ما يقع في حدود وظروف ضيقة. وأكثر الأمراض النفسية شيوعاً ما ينشأ –كما ذكر القرآن في غير موضع- عن اضطراب الغريزة الجنسية، أو عن الشعور الإيجابي أو السلبي بالذات –كما يعبر علم النفس-. ولهذه الاضطرابات النفسية أطوار ومضاعفات ليس هنا موضع البحث فيها. ومن مرض الغريزة الجنسية تتولد الجراثيم المسببة للزنى واللواط والسحاق والتعشق الخيالي والتذلل للمحبوب ... إلخ.

ومن مرض الشعور الإيجابي بالذات ينشأ الفخر والخيلاء والتكبر وجنون العظمة. ومن مرض الشعور السلبي بالذات تتولد مركبات النقص والتلون والملق، وقد يكون الإحساس بالضعة باعثاً على الكبر والفخر بشكل حاد مثير. والإسلام –كما قلنا- يتعهد النفس بالعبادات فيحصنها ضد هذه الأمراض. ويخفف من آثارها إذا أصيبت بها. ولا يزال يعالجها حتى يشفيها أو يقارب، على قدر أخذ الإنسان نفسه بالمجاهدة والتربية. ولسنا ندري من أحوال الجرائم والمخالفات إلا ظواهر يسيرة. ولسنا نجرؤ على إصدار حكم عام في هذه الأمور. وقد نستطيع تحديد مصاير الناس في الدنيا بما يظهر لنا أنه إيمان، أو فسوق وكفران. أما مصاير الناس في الآخرة فإلى الله وحده. والقول بتخليد العصاة في جهنم، أو العفو عن بعضهم والتنكيل ببعضهم الآخر إلى حين، يقترن بهذه الملابسات التي أطلنا سردها، ورفضنا إخضاع الحكم فيها للجدل والسفسطة وألاعيب المنطق القديم. 

وفي ذلك يقول زميلنا الفاضل الأستاذ إسماعيل حمدي من بحث طويل: العدل كمبدأ والعقاب كجزء منه، لا مناقشة فيهما إذن. ولكن أي المجرمين ينبغي أن يتجرد له العدل؟ وأيهم يعامل بالعدل مع الرحمة؟ وأيهم هو المريض الذي تتجرد له الرحمة التامة؟ إنهم مختلفون بلا ريب. فصور النفوس أشد تنوعاً من صور الوجوه، والإرادة والوعي هاهنا أساس التنوع والاختلاف. فامرء يقارف الجريمة مريداً واعياً يبصر آثارها كاملة، ويقدر على مجانبتها تماماً، ويرتب وسائلها، ويهيء ظروفها، ويستعد لمفاجآتها –غير امرئ تتسلط عليه إحدى العواطف الحادة، كالغضب أو الحب أو القرابة فيتورط في جناية مندفعاً إليها اندفاع المنقوص الإرادة والوعي معاً. وكلاهما غير ثابت، أعوزته أسباب القوت فسرق، أو أسباب النشأة الصالحة والتربية الضرورية فأفسد. لا حاجة بنا إلى بيان ما يستحقه كل نوع من هؤلاء، فهذا واضح كل الوضوح. وإذا كان قضاء البشر لا يأبى الرحمة على من يستحقها كاملة، ولا العدل على من يستحقه مجرداً، ولا هما معاً على من يستحقهما معاً، لأن وضّاع القوانين، والقضاة بين الناس، لا يضعونها، ولا يحكمون وهم آلات صماء. وإنما هم بشر، فيهم ما في البشر من صفات يستوحونها. وتظهر –حتماً- فيما يضعون وفيما يحكمون، بل المفروض أنهم من أرقى البشر. فصفاتهم من العدل والنـزاهة والعلم بالأنفس وتقدير البواعث والرحمة وما إليها من أرقى الصفات. والقرآن يتحدث بحديثه الفياض عن صفات لله هي المثل الأعلى، من علمه

المحيط بمن خلق، وعدله الناصع الذي آثره لنفسه، وأمر به الناس، ورحمته الواسعة، وإحسانه الجميل، وعفوه السمح. وهي صفات من الأدب أن نقول إنها غير عقيمة، أو غير سلبية، أو غير موقوتة بهذه الحياة الدنيا. فنحن –بهذا القول ومثله- نقدرها حق قدرها، لأنها صفات إلهية، فهي عاملة دائبة، وهي مباركة متصلة، تتناول الدنيا والآخرة. ومعاملة الله للناس فيما يشرع لهم وفيما يقضي بينهم، لابد أن تكون مظهراً تظهر فيه هذه الصفات، ومجالاً تبدو فيه آثارها الجميلة. فالظروف المخففة التي تقضي باستعمال الرأفة، كما يعبر رجال القانون، والبواعث المحزنة التي تثير في القاضي عواطف الطبيب الرحيم، كما يكون لها تقديرها عند البشر يكون لها كذلك تقديرها عند الله. والله أمَنُّ وأفضل، وله المثل الأعلى في السموات والأرض. إن الإيمان يستلزم العمل كما يستلزم النهار الضوء. وقد يثور في رائعة النهار غبار يحجب الأفق، أو تتكاثف غيوم تملأ الأرض بالظلال. بيد أن ذلك لن يرد النهار ليلاً، إذ هو عرض زائل، طال أمده أم قصر، فلن تلبث أشعة الشمس أن تغمر الأرجاء بالدفء والضياء. كذلك نور الإيمان قد تحجبه إلى حين غيمة من شهوة عارضة، فتغيم جوانب النفس حتى لا يكاد المؤمن يرى النهج، ثم يعمل الإيمان عمله، فإذا الأمر كما قال الله تعالى: "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون" (الأعراف:201). أما الظلام المطبق للمعاصي الدائمة، فذلك حيث يخيم ليل الكفر، وتغيب شمس الإيمان، ويفقد المرء حاسة البصر تماماً، فهو لا يعرف لله طريقاً: "ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً" (الإسراء:72). إن قصة الخليقة الناجية كما مثلها أبونا آدم "خطأ ومتاب". وقصة الخليقة الهالكة كما مثلها إبليس "جريمة وإصرار". فاختر لنفسك ما يحلو، وليس الحساب من مغالطات المنطق والتلاعب بالنصوص، ولكنه إلى الله وكفى بالله حسيباً.

 

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة