بين النبوة والفلسفة ..والوحي

 

 

كتاب : عقيدة المسلم

تأليف : الشيخ محمد الغزالي

بين النبوة والفلسفة ..الوحي

 

 للمعارف المحترمة مصادر معينة لا يعول على ما وراءها. فإذا كان مصدرها إنسانياً فيجب أن تنبع من ثنايا المنطق التجريبي أو الرياضي كما هو حاصل الآن في علوم الكون والحياة، وفيما يتصل بأحوال المادة وشئون الناس. أما إذا كانت هذه المعارف متصلة بما وراء المادة –أي بما يقصر المنطق التجريبي والرياضي عن مناله- فإن الوحي الصادق هو سبيلها الفذة، ولا يقبل غيره فيها. ومن ثم فالكلام عن الله وعن صفاته وعن حقوقه، لا يعتمد فيه إلا ما جاء على ألسنة الأنبياء وحدهم. وإذا تظاهرت الدلائل على صدق نبي ما، فإن ما جاء به من عند الله يأخذ وصف اليقين، وينقطع دونه الجدل. إن عشرات الفلاسفة والعلماء تكلموا في المادة وما وراء المادة منذ آماد طويلة. والتراث الذي خلفوه لنا خليط من الصواب والخطأ، عكف عليه الباحثون فمازوا صحيحه من سقيمه. ويمكن القول بأن كلام القدامى والمحدثين فيما وراء المادة ينقصه التوفيق لابتعاده عن مناهج الوحي، ولذا حفل بالنقائض والخرافات. قال صاحب إخوان الصفا: "إن الأنبياء كلهم مع تباعد أزمانهم، واختلاف لغاتهم، وموضوعات شرائعهم، وافتتان سنتهم تجدهم متفقين على رأي واحد ومقصد واحد فيما يشيرون إليه في دعوتهم الأمم. أما الفلاسفة فليست شريعتهم واحدة، ولا دينهم واحداً، بل آراؤهم مختلفة وأقوالهم متناقضة تورث لأتباعهم حيرة قلما تنجلي غمرتها. فكيف يرضى العاقل عن مذهب الفلاسفة مع اختلافهم –كأنما يكذب بعضهم بعضاً- ويعرض عن البحث والنظر في كتب الأنبياء مع اتفاقها. إنما ذهل أكثر المتفلسفين عن حقائق الأشياء لعدم معرفتهم كتب الأنبياء وإعراضهم عن النظر فيها، وقصور أفهامهم عن تصورها".

هذا فيما يتصل بالمعارف الروحية. أما الفلسفة المادية فإن اتجاه العلم في العصور الحديثة إلى البحث المباشر والاستقراء الدقيق أفقد هذه الفلسفات القديمة منـزلتها، وجعل أكثر نتاجها لغواً. والحق أن كثيراً من مذاهب المفكرين، وآراء الفلاسفة، ومقالات الأدباء لا تعتمد على ركيزة محترمة من اليقين الراسخ، بل جلها يشبه قصائد الشعراء الهائمين في أودية الخيال، أو هي تصوير لمشاعر نفسية خاصة، ووجهات نظر في فهم الحياة قد تسلم لأصحابها على أنها نـزعات شخصية، ولكنها لا تقبل مطلقاً في ميدان العقائد العامة. والتضارب الهائل بين ثمرات هذا اللون من المعرفة الإنسانية يجعلنا لا نخرج به عن هذا النطاق. ولو قرأت فلسفة الهنود والرومان والإغريق، وتطورات الفلسفة الإنسانية عامة في القديم والحديث لما تجاوزت بها أبداً حدود البحث الحائر وراء الحقيقة الغامضة، وشتى الفروض التي يجافيها الصواب، ومزيجاً من التحويم الغامض يعلو ويهبط ثم لا يستقر على شيء.

شتان بين هذا القلق وبين المبادئ المحدودة، والتعاليم الواضحة، والأفكار المشرقة التي عرضتها الأديان في بساطة تامة، كأنما تعرض المبادئ الأولى في علم الحساب. إننا لا نقبل من المعارف المادية إلا ما خضع للمنطق التجريبي والرياضي –كما قلنا- ولا نقبل من المعارف الروحية إلا ما جاء على لسان نبي عرفنا بمنطقنا المادي صدقه، فأمناه على ما يغرس في عقولنا وقلوبنا، وما يرسم لآحادنا وجماعاتنا، لأنا آمنا بأنه مبلِّغ عن الله؛ وما جاء من عند الله فهو الحق المطلق. أما ماعدا ذلك فهو وهم مريب، والتعلق به اتباع للظن، وقد نهانا الإسلام أن نركن إلا إلى اليقين: "ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً" (الإسراء:36). "وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً، فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم" (النجم:28-30).

* الوحي : أما الأنبياء فأساس علمهم الوحي. هؤلاء الرجال المصطفون من أبناء آدم تتلقفهم العناية من نشأتهم الأولى لتقيهم أوضار الطبيعة البشرية، وترقى بهم صُعُداً في مدارج الكمال، وترشح قلوبهم الكبيرة لاستقبال ما يفد به الملأ الأعلى عن حضرة القدس. فإذا الحكمة تفيض من ألسنتهم، والأسوة تقتبس من أعمالهم، والنـزاهة المطلقة تقترن بأحوالهم واتجاهاتهم. والوحي الذي تشرق به المعرفة على قلوب الأنبياء أنواع ومراتب. يبدأ بالرؤيا الصالحة في النوم، ورؤيا الأنبياء ليست من أضغاث الأحلام التي تترجم بها النفس عن رغباتها المكبوتة في صور مهوشة متقطعة، كما يحدث لجماهير الناس! كلا، فإن الكمال البشري الذي وصل إليه النبيون يجعل قلوبهم يقظة –ولو نامت أبدانهم- بعكس الدهماء الذين تنام قلوبهم ليلاً ونهاراً، فهي في غفوة لا تصحو منها، ولو نشطت أبدانهم وراء أغراضها الصغيرة. أما أفئدة الأنبياء، فكأجهزة الاستقبال المعدة لالتقاط الأنباء في كل حين، وكهرباؤها المتألقة تسجل ما يقذف الملك فيها .. ثم لا تلبث أن تذيعه على الناس أجمعين.

وكانت الرؤيا الصالحة أول مطالع الوحي في حياة محمد صاحب الرسالة العظمى. "أول ما بدئ به رسول الله من الوحي: الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح". وقد ظل صلوات الله وسلامه عليه موصول القلب بالله في يقظاته وهجعاته إلى الرمق الأخير من حياته. ومن الوحي عن طريق الرؤيا حدثت قصة إسماعيل، ونزل الأمر بذبحه: "فلما بلغ معه السعي قال: يا بُني إني أرى في المنام أني أذبحك، فانظر ماذا ترى، قال: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين" (الصافات:102). ويكثر أن يكون الوحي إلهاماً –في اليقظة- بوساطة الملك، ينضح به المعنى على قلب النبي فيتكلم الحق. وفي سنة النبي أمثلة كثيرة لهذا الضرب من الإلهام، سواء صرح فيه بخبر هذه الوساطة كما في الحديث: "هذا رسول رب العالمين جبريل نفث في روعي أنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب".

أو طوى ذكر الملك وأرسل الحديث إرسالاً كما في سنن أخرى. وقد نزل القرآن كوحي بألفاظه ومعانيه جميعاً .. فعلم منه الرسول ما لم يكن يعلم، وكان حظ جبريل في ذلك مجرد النقل من لدن الخبير البصير: "نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين" (الشعراء:193-195). وقد ينـزل الوحي بتكليم الله مباشرة لعبده من غير وساطة كما تم لموسى. "فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين، وأن ألق عصاك ..." (القصص:30-31). وكما حدث للنبي ليلة عرج به –على رأي طائفة من العلماء-. بيد أن تكليم الله لأنبيائه أمر لا ندري كنهه، وليس على النحو الذي نألفه بين المتخاطبين من تكاشف ومشافهة؛ بل كما قال الله تعالى: "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً، أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم، وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان" (الشورى:51-52). والتصديق بمبدأ الوحي ليس مما يتعاظم على العقول إدراكه.

وشُبَهُ الماديين حوله تتساقط من تلقاء نفسها، مادمنا قد اعترفنا بأن الله حق، وأن وجوده فوق الريب، وأن له جل شأنه أن يصطفي من عباده من يبلغ عنه مراده، ومن يتعهد به الأمم الشاردة ويخرجها من الظلمات إلى النور .. وحاجة العالم إلى الرسل ماسة. فلو تركت أزمة الفكر الإنساني للاجتهاد المحض، لضل الناس رشدهم، ولما اتفقوا على حقيقة واحدة تصلح حالهم ومآلهم. ونحن ننظر في تاريخ الأرض القريب والبعيد فلا نجد مثابة تفزع إليها الشعوب، وتلتمس في ظلالها الخير والبركة إلا تعاليم الأنبياء.

هذه التعاليم منها ما يعجز العقل عن ابتداعه لو ترك وحده، ومنها ما يمكن أن يصل إليه العقل بعد لأيٍ وبعد تجارب مريرة. ومع ذلك يكون تصوره له غامضاً، وفكرته عنه منقوصة. أحسب أنه لو لم تأتنا رسل من عند الله تعرفنا بوجوده، لبحثنا عن سر الوجود! وستصل أفكار حصيفة حتماً إلى الجزم بأن هذا الكون لن يخلقه الوهم ولن ينظمه العدم؛ بل لابد من خالق موجود وقدرة منظمة. ولكن هذه الأفكار الصحيحة ستكون فروضاً قلقة، وقد تجرفها الآراء المناقضة، والمذاهب الملحدة. ولو استطاعت البقاء فإنها –في غيبة الوحي- ستكون تخمينات شتى، يلتبس فيها الحق بالباطل. ومن ثم فإن بعثة الرسل كانت ضرورة إنسانية لتجنيب العالم متاعب الضرب في بيداء طامسة. وقد أدى الرسل واجبهم في قيادة الفكر والقلب، وورَّثوا الأجيال المتعاقبة حقائق الإيمان بالله سهلة غضة، لا تحس وأنت تتناولها من أيديهم الطاهرة بهذا الكلال العقلي المعنت، الذي يصاحب دائماً أفكار الفلاسفة في تصويرهم لأسرار الوجود.

وكما عرفنا عن طريق الرسل مبدأ الإيمان بالله، عرفنا كذلك الإيمان باليوم الآخر وما يسبقه وما يلحقه من حساب وثواب وعقاب، عرفنا ذلك على جهة اليقين الجازم! ولولا بلاغ الوحي لعجز العقل المجرد عن فهم النهاية المرتقبة لعالمنا الزاخر. بلى، إن المرء قد يرفض التسليم بأن هذه الحياة الدنيا هي كل شيء، لاسيما وهو يرى الجزاء مبتسراً فيها. فكم من الأخيار والأشرار يموت قبل أن يلقى جزاء ما اكتسبت يداه، وكم من معارك دارت بين الأفراد والجماعات علا فيها مبطلون وهلك فيها مصلحون. وجَوْرُ موازين الجزاء في الدنيا يعلق الأفئدة بيوم تتم فيه النُّصْفَة ويتحقق فيه العدل. بل إن الفطرة –فيما تهدي إليه من حقائق- تجعل الإنسان يستشعر معنى الخلود، ويستعد له في حياته القصيرة بمختلف الأساليب.

بيد أن رسالات السماء وحدها هي التي كشفت الغطاء عن كل ما قد يثار حول البعث من ريب، وقدمت للمرء كشفاً مفصلاً بالجزئيات التي سوف يلقاها عقب انتهاء أيامه في هذه الدار. وليست وظيفة الرسل هذا الإرشاد العقلي إلى حقائق الحياة فحسب، بل إن تربية الأصحاب والأتباع على هذه المبادئ من أهم ما جاؤوا له. والتربية (كالذوق) شيء ليس في الكتاب، إنها ليست حشو الأذهان بالمعلومات، ولا قيادة الحياة بالأوامر العسكرية.

بل إن التربية الدينية التي تولاها الأنبياء، وكتبوا بها صحائف جديدة في التاريخ تقوم على إحداث تغير نفساني عميق يشبه تغير الطين بعد نفخ الروح فيه. ودُعَّار الجاهلية الذين عاشوا في باديتهم عبيد شهوات، ومساعر حروب فاجرة، لم يتحولوا بين عشية وضحاها إلى حنفاء ربانيين، يقدمون أنفسهم وذراريهم قرابين للحق .. إلا لأن نفحة عامرة من روح النبوة المقدسة خامرت مواتهم الأدبي فردت عليه الحياة، وبعثته يدأب ويسعى. ووظيفة الرسول تقوم على إسداء العون والنصح للفردوالجماعة في كل ناحية فهو يسكب من طهارة قلبه على أوضار القلوب فيغسلها، وهو يشعل من تألق عقله الأفكار الخابية فيضيئها، ثم يبعثها هي الأخرى لتضيء وتهدي .. والنبوة في هذا المضمار لا يسبقها شيء. ومهما عظمت نتائج الفلسفة فلن تخطو في هذا السبيل أشباراً بعد أشبار حتى يدركها العثار!

 

 

 

 

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة