العصمة .. المعجزة وحياة الأنبياء

كتاب : عقيدة المسلم 

تأليف : الشيخ محمد الغزالي 

العصمة .. المعجزة وحياة الأنبياء

 

تحلِّق في مستوى من الكمال، لا تهبط عنه أبداً. والمؤمن –من عامة الناس- تتذبذب حرارته في مدارج الارتقاء. ويعتبر الحد الأسمى الذي يقف عنده هو مقام الإحسان. وهو "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". بيد أن مقام الإحسان، وهو آخر ما يصل إليه الناس بعد الجهد والمران، هو المرتبة الدنيا للأفق يعيش الأنبياء فيه إذ يستحيل في حقهم أن يسقطوا دونه. أما ما يرقَون فيه –بعد- من معاني الصلة بالله فأمر لا ندرك كنهه .. وقد قرر علماء المسلمين أن العصمة واجبة لرسل الله كافة .. فلا يليق أن تصدر عن أحدهم كبيرة؛ لا قبل البعثة ولا بعدها. ولا تصدر من أحدهم صغيرة تخل بالمروءة أو تسقط الاعتبار. وقد تقع منهم أخطاء يعاتبون من الله عليها، ويوفقون إلى الصواب فيها، ولكن هذه الأخطاء لا تصل بأمور اعتقادية أو خلقية مما يعد الوقوع فيه أمراً شائناً. بل مكان ذلك: الأمور التقديرية التي تتفاوت فيها الأنظار عادة من شئون الدنيا وسياسات الأمم. وقد يعتبر الأنبياء أنفسهم مقصرين في حق الله، لأنهم أعرف الناس به وبجلال ذاته، وعظمة حقوقه على عباده، وبقصور الهمم مهما بذلت عن الوفاء بما ينبغي له. وإذا كانوا يعدون ذلك ذنوباً تتطلب الاستغفار، فليس استغفار الأنبياء عن مثل ما نقارف من خطايا أو نرتكب من سيئات !!. وما ورد مما يوهم غير ذلك فإن حقيقته وراء أوهام العامة، وتفصيل الموضوع في غير هذا المكان. * المعجزة : من حق الناس أن يسألوا كل رجل يزعم أنه مرسل لهم من عند الله: ما دليلك على صدق قولك؟ فإذا قدَّم لهم الدليل المقنع على صحة رسالته، قبلوه واستمعوا له. وقد جاء صالح إلى ثمود يخبرهم بأنه نبي من الله، ثم يصيح فيهم: "فاتقوا الله وأطيعون، ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون" (الشعراء: 150-152). ولكن ثمود ردوا هذا النصح، وطالبوا صالحاً بالبرهان على أنه ليس شخصاً عادياً. "قالوا: إنما أنت من المسحرين، ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين، قال: هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم، ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم" (الشعراء:153-156).  فكان طلب ثمود معقولاً، ولذلك جاءت الإجابة عليه سريعة. وكانت الطريقة التي وجدت وعاشت بها هذه الناقة، خارقة لما تعارف عليه القوم، ودل محياها على أنه أثر لقدرة عليا لا لقُدَر الناس المعتادة. وهذا النوع من الاستدلال يقوم على تفهيم الناس أن الشخص الذي يحدثهم لا يمثل نفسه، ولكن يمثل رب الأرض والسماء. لذلك يعمل بقوته المطلقة، لا بقوى البشر المحدودة!. وقد فزع موسى إلى هذا الدليل، لما كذبه فرعون في دعواه أنه مرسل من رب العالمين وتهدده "قال: لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين، قال: أو لو جئتك بشيء مبين، قال: فأت به إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين" (الشعراء:29-33). وكذلك صنع عيسى عليه السلام عندما عرض نفسه على بني إسرائيل؛ فنبأهم بأنه رسول من عند الله سبحانه وتعالى. ثم سرد أدلته على رسالته: "أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وأُبرئ الأكمه والأبرص، وأحيي الموتى بإذن الله، وأُنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين" (آل عمران:49). وقد لوحظ أن أكثر الأمم –برغم ما سبق إليها من آيات باهرة- لم تستجب للحق، ولم تسلِّم بدعوى المرسلين، لا عن قصور في الأدلة التي تسندهم بل على عناد وتبجح. "الذين قالوا: إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار!! قل: قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم، فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين" (آل عمران:183). والدليل على صدق أية دعوى قد يكون بأمور خارجة، أو يكون بحقيقتها في نفسها. فقد يزعم أحد الناس أنه مهندس، ويقول: دليلي على ذلك أني أستطيع السير بقدرتي على الماء، أو الطير بجناحي في الهواء. فإذا فعل ذلك سلمنا له! وقد يقول: دليلي على ما أقول: أني أبني –فعلاً- عمارة مدعمة الأركان، أو أصل بين شاطئين –مثلاً بجسر متين! فإذا فعل، فقد دل بقدرته الهندسية على أنه مهندس يقيناً. بل قد تستريح النفس إلى هذا الاستدلال أكثر من راحتها إلى البراهين الخارقة الأول. قال ابن رشد: "إن دلالة القرآن على نبوة محمد ليست كدلالة انقلاب العصا حية، ولا إحياء الموتى، وإبراء المرضى. فإن تلك وإن كانت أفعالاً لا تظهر إلا على أيدي الأنبياء، وفيها ما ينفع الجماهير من العامة، إلا أنها مقطوعة الصلة بوظيفة النبوة، وأهداف الوحي، ومعنى الشريعة. أما القرآن فدلالته على صفوة النبوة، وحقيقة الدين مثل دلالة الإبراء على الطب. ومثال ذلك، لو أن شخصين ادعيا الطب، فقال أحدهما: الدليل على أني طبيب أني أطير في الجو. وقال الآخر: دليلي أني أشفي الأمراض وأذهب الأسقام. لكان تصديقنا بوجود الطب عند من شفي من المرض قاطعاً، وعند الآخر مقنعاً فقط" أهـ. ملخصاً بتصرف. والتفاوت بينها واسع النطاق باختلاف البيئات التي ظهرت فيها، والرسالات التي اقترنت بها. وقد كان التعويل في العصور الأولى على الخوارق المادية فحسب، أما ما تضمنته الأديان من حقائق فكانت منـزلته ثانوية. حتى جاء الإسلام فغض من شأن الإعجاز المادي .... ونوه بالإعجاز العقلي والقيم المعنوية للرسالات. وقرر إلى جانب ذلك أن الخوارق التي دعمت بها الديانات القديمة لم تمنع التكذيب بها –أولاً- فلا معنى لطلب التصديق بها أخيراً. "وما منعنا أن نُرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون، وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها، وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً" (الإسراء:59)

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة