حقيقة الإعجاز المادي

كتاب : عقيدة المسلم 

تأليف : الشيخ محمد الغزالي

حقيقة الإعجاز المادي

 

تقرر أن تكون المعجزة الكبرى لمحمد صلوات الله وسلامه عليه هي هذا القرآن الكريم. فيه كان التحدي، وعليه كان الرسول يعتمد في سيرته مع خصومه وأصحابه طول حياته. ومن بعده ظل القرآن كتاب الإسلام الناطق بدعوته وحجته معاً. إلا أن الحكمة الإلهية اقتضت أن تبث في طريق الرسول أنواعاً من الخوارق التي أُيِّدَ بها النبيون الأولون، فجاءت هذه الخوارق تحمل طابعاً خاصاً ينبغي أن نعرفه حتى لا نتجاوز به حدوده الصحيحة ..

فهذه الخوارق ثانوية الدلالة في تصديق النبوة والشهادة لها. والطريقة التي أرسلت بها من عند الله تشير إلى أن الحكمة الإلهية لم تعلق عليها كبير أهمية، ولم تغض بها من قيمة المعجزة العقلية التي انفرد الرسول بها. فقد حدثت جملة من هذه الخوارق بين المؤمنين الذين استقر الإيمان في قلوبهم فعلاً، والذين سبق لهم تصديق النبي في دعوته لأنهم أعملوا عقولهم واحترموا إنسانيتهم. وحدث بعض آخر أمام أعين الكافرين. بيد أن الصورة التي تم بها تثير الدهشة. إذ كانوا يقترحون معجزة فتأتيهم أخرى، أو يأتي ما يقترحون بعد سنين طوال، وعلى وجه ما يبدو أن إجابتهم إلى ما طلبوا لم تقصد أصلاً. وربما تهمل مقترحاتهم كلها، فلا ينظر لها قط.

فما معنى ذلك؟ وما السر فيه؟

* حقيقة الإعجاز المادي : بَيَّنَ الله عز وجل أنه فَصَّل في كتابه أسباب الإيمان وأسانيد النبوة كافة؛ ولكن الناس أبوا الرضى بهذا اللون من الإقناع. "ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفوراً" (الإسراء:89). وماذا بعد أن كفروا؟  طلبوا أشياء معينة، زعموا أنها –وحدها- هي التي تدعوهم إلى الإيمان. "وقالوا: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً، أو تسقط السماء" (الإسراء:90-92) ..إلخ. ودعك من المطالب التي أملاها العناد والسخف من سلسلة هذه المقترحات الطويلة ثم تأمل. أتفجير ينبوع من الأرض ينظر إليه البشر على أن عمل تنـزل قوى من السماء لإتمامه؟ فما هو إذاً عمل القوى الإنسانية؟ إن المرء في طفولته يعتمد على أبيه دائماً في جلب كل خير وإتمام كل عمل؛ أفليس من حق الأب إذا رأى ابنه جاوز الطفولة أن يضربه على يديه، ويتركه يتجشم وحده مشقة السعي، واقتحام المستقبل، وتحمل أعباء الرجولة؟ هكذا صنع الله مع عباده، لقد أرضى الإنسانية في طفولتها بألوان صارخة من الخوارق، حتى إذا اشتد عودها واستوى فكرها، تركها لتستخدم مواهبها الفكرية، ولتتبين الصواب والخطأ. فإما هلكت عن بينة أو نجت عن بينة. ويوم أن تعرف البشرية "العقل" في قبول دين أو رفضه، فستعرف من تلقاء نفسها كيف تستغل هذا العقل في تفجير الينابيع وتحويل رمال الصحراء إلى حدائق غنّاء.

وهذا بعض ما طلب أعراب الجزيرة من رسول الله ليصدقوا رسالته! وقد طلبوا منه أن يرقى في السماء، ولكن الله أحب أن يكشف لهم عن سقم البواعث التي توحي بهذه المطالب، وأن يثير فيهم الإيمان بإنسانيتهم المهدرة، وأن يرد الحرمة إلى عقولهم المحتقرة، وأن يعلمهم تكريم البشرية المجردة بالإيمان بنبي البشرية المبعوث لمد ضيائها وبسط روائها. ولذلك يهتف القرآن عقب هذه المقترحات. "قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً" (الإسراء:93)؟.

وقد حدث بعدئذ أن رَقي النبي في السماء ليلة الإسراء بعد تقديم هذه الاقتراحات بأمد طويل. فكان وقوع الارتقاء على هذا النحو دليلاً ناطقاً على أن الحكمة الإلهية لم تكترث قط بمطالب الكفار ولم تعرها أية قيمة. بل جاء الرقي في السماء ليلة المعراج مظهر تكريم بحت من الله لنبيه . لم تنـزل به الإرادة العليا عن رغبة بشر، ولم يرتب على إيقاعه ما يترتب –غالباً- على وقوع التحدي من إيمان أو كفران. بل تركت مسألة اتباع النبي أو التخلف عنه موكولة إلى المعجزة العقلية الفريدة معجزة القرآن الكريم. "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (الكهف: 29).

وقد أقسم المشركون مرة أنهم يؤمنون لدى أية معجزة مادية تقع، كما يضرع الشاب لوالده أن يرضي نوازع طفولته ثم يسمى بعدئذ رجلاً! فأبى الله إلا أن يردهم إلى أفئدتهم وأبصارهم يتعرفون بها الحق، ويثبتون بها عليه. فإن معجزات الأرض والسماء لا غناء فيها إن لم يستنر القلب والعقل بما أودع الله فيهما من نور. "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، قل إنما الآيات عند الله وما يُشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون؟ ونُقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ..." (الأنعام:109-110).

 ويزيد هذا المعنى جلاء، قول القرآن في تصوير موقف الكافرين، وبيان ما انطوت عليه أفئدتهم وأبصارهم من عناد وغباء. "ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون" (الحجر:14-15 ).

فماذا تجدي المعجزات المادية مع هؤلاء؟ وهم إنما ضلوا لاستغلاق قلوبهم وعقولهم. وهم لو تفتحت قلوبهم لاكتفوا بالقرآن آية لا تعلوها آية، ومعجزة لا تدانيها معجزة. "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها، إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم" (محمد:24-25 ).

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة