النبي الإنسان .. بين النبوة والعبقرية

كتاب : عقيدة المسلم 

تأليف : الشيخ محمد الغزالي

النبي الإنسان .. بين النبوة والعبقرية

 

ولئن كان القرآن هو الكتاب الذي يصور للإنسانية آفاق كمالها. إن محمداً صلوات الله عليه وسلامه هو الرجل الذي حقق في شخصه، وفي آثاره أعلى ما تنشده الإنسانية من مُثل. فقد رفع شأن "الضمير" عندما أعلن أن التقوى تستقر في القلوب الزكية ولا تغني عنها قشور العبادات، وثَبَّتَ قيمة العقل، وجعله أصل دينه. وأسس عليه المسلمون حضارة متشعبة الثقافات والفنون، وصلت ما انقطع من تراث الإنسانية الفكري، وكانت البذور المنتجة التي أورثت العالم حضارته الحديثة! ثم إن هذا النبي هو المحرر الأول للإنسان، والمقرر الأول لحرية العقل والضمير. لقد جعل الكون كله مسخراً لنشاط الإنسان الذهني والبدني. وجعل الإنسان سيداً في نفسه، سيداً لعناصر هذا العالم، عبداً لله فقط، فلا سلطة البتة لدهاقين السياسات والديانات. ونبي الإسلام عربي، ولكن الدين الذي جاء به لا جنسية له. وأي جنسية لدين يخاطب العقل حيث كان، ويبني أدلته على النظر في فجاج الأرض والسموات؟

بين النبوة والعبقرية : تاريخ البشر حافل بأسماء الكثيرين من أصحاب المواهـب الرفيعة، والكفايات الضخمة. وَعَتْهُمُ الإنسانية في ذاكرتها، وسجلت لهم في صحائف الخلود ما قاموا به من أعمال جليلة. وروت للأجيال آيات مجدهم وآثار نبوغهم لتكون منه عبرة حافزة.  والعظمة قدر مشترك بين ألوف من الناس، ظهروا في شتى الأعصار والأمصار ودفعهم امتيازهم المعنوي إلى اعتلاء القمة. إلا أن العظماء يتفاوتون فيما بينهم تفاوتاً بعيد المدى. ألا ترى كواكب السماء ونجومها؟ إن بعضها أكبر من الآخر ألف ألف مرة. ومع ذلك فالدراري الصغيرة ليست من الحصى والجنادل! فإذا فحصنا تواريخ العظماء، وفيهم الأنبياء من مبلِّغي الوحي، وفيهم الفلاسفة من قادة الفكر، وفيهم المخترعون من علماء الكون، وفيهم الزعماء من قادة الجماهير، وفيهم الأدباء من حملة القلم، وفيهم، وفيهم. فإن هذا التمحيص وما يستتبعه من موازنة وترجيح، لا يميل بقدر أحد من أولئك العظماء من الحد الذي يهوي فيه إلى منازل السوقة.

* العباقرة : كثيراً ما تكون العظمة امتداداً في موهبة من مواهب النفس. بل كثيراً ما يكون هذا الامتداد على حساب المواهب الإنسانية الأخرى. فإما أصابها بالضمور والشلل، وإما رد النواحي الأخرى من شخصية العظيم إلى مثيلاتها في سائر الناس. بل قد تكون أبعد سقوطاً وأشد ضراوة. ومن هنا لا تعدم في سيرة كل عظيم من أولئك المشهورين نقطة سوداء، وجانباً غائماً. كان (نابليون) قائداً محنكاً مسعر حروب، ولكنه كان ساقط الخلق، فاحش العذر. وكان (جاك روسو) أديباً ثائراً، من أعظم واضعي دساتير الحرية في العالم، ولكنه كان معوج السلوك، هزيل الشرف. وكان (بسمارك) داهية في السياسة لا يبارى، وكان كذلك كذاباً مزوراً ..  وهناك من الفلاسفة والشعراء والمفكرين والمخترعين من تفجؤك في أحوالهم وأعمالهم أمور شائنة تستغرب كيف يصدر مثلها عنهم!! وهم –مع هذا كله- عباقرة، لأن إنتاجهم العلمي والأدبي، وتراثهم الرائع الفريد يسمو بهم فوق مستوى العامة. والذين طهرت سيرهم من هذه الشوائب، وتراهم مبرزين في ناحية، ومعتادين في ناحية أخرى، أو مرضى بما يفسد عليهم أفكارهم. فأبو العلاء الأديب الرقيق المتشائم، لو وهب معدة قوية، أو بصراً حاداً لكان لفلسفته اتجاه آخر غير التبرم بالدنيا، وتسخط الوجود فيها. ومن أعظم زعماء العلماء من تراه أسير عقدة نفسية، أو شذوذ جنسي، أو أثرة حادة! ومنهم المصابون بجنون العظمة وتقديس الذات، وكراهية شيء معين أو محبته! ولذلك تتسم حياتهم بالنقائض الموزعة على جانب مستور منهم، وجانب مكشوف للجماهير لا غبار عليه. وقد اعتبرت الحضارة الأوربية هذا التناقض شيئاً عادياً مألوفاً. ومن ثم أباحت للعظماء أن تكون لهم شخصية مزدوجة. ورأت أن تنتفع الأمم بمواهبهم، وأن تتجاوز لهم سقطاتهم، والإنجليز يعرفون أن "نلسن" مات وهو يختلس عرض غيره، ولكنهم يغضون الطرف. ويعرفون أن "تشرشل" خان عهوداً شخصية واجتماعية، بيد أنهم يتعامون عنها. فلندع هذا الفريق المعدود من زعماء العالم ولنرتفع. أجل لنرتفع كثيراً، لنصل إلى مستوى أكرم وأطيب، ولنتكلم عن صنف آخر ..هم:

*الأنبياء : لئن كانت العبقرية امتداداً في موهبة واحدة، أو في جملة مواهب؛ إن النبوة امتداد في المواهب كلها، واكتمال عقلي وعاطفي وبدني، وعصمة من الدنايا ورسوخ في الفضائل، وعراقة في النبل والفضل: هُمُ الرجالُ المصابيحُ الذينَ هُمُ .. كأنهم من نجومٍ حيةٍ صُنِعُوا أخلاقهم نورهم من أيِّ ناحيةٍ .. أقبلت تنظرُ في أخلاقهم سَطَعُوا فالذين يُرشحون للنبوة يُصطفون لها اصطفاء. قلوب نقية تربطها بالملأ الأعلى أواصر الطهر والصفاء. وعقول حصيفة ناضجة لا تنخدع عن حقائق الأشياء، ولا يصيبها ما أصاب كبار الفلاسفة من شرود وعماء. وأجسام مبرأة من العلل الخبيثة، والأمراض المشوهة أو المنفرة. وصلة بالناس قوامها البر والخير. فليس يتصور في حق نبي لله، أنه أخل بحق المروءة والتفضل، بله أن يرتكب ما يخدش الشرف، أو يقدح في العصمة! ثم إن الرسل أمناء على الوحي السماوي والهداية الإسلامية. فكلامهم حكمة، وحياتهم أسوة؛ سريرتهم وعلانيتهم سواء. "ليست لأحدهم صفحة مطوية وصفحة مكشوفة". طرائق معيشتهم الخاصة كمناهج دعوتهم العامة، تنضح عفافاً واستقامة. ظلوا بين الناس ما شاء الله فكانت مجتمعاتهم بركة، ثم قبضوا فخلفوا أقدس مواريث، وأقدس تركة. وحسبك أنهم خيرة الله من خلقه. "الله أعلم حيث يجعل رسالته" قال تعالى"الله يصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس إن الله سميع بصير، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور" (الحج:75-76). وأقدار الرسل تتفاوت سناءً وسمواً. فالرسول في قبيلة محدودة أفضل منه الرسول لمدينة فيها مائة ألف أو يزيدون أفضل منه الرسول لشعب بأسره. وصاحب الكتاب المستقل أفضل ممن يحكم بشريعة سابقة. ولا نزال نرقى في مراتب العظمة، ولا نزال نحلق صعداً نحو القمة، ولا نزال نقطع أشواطاً بعد أشواط في مدارج الكمال البشري، حتى نصل إلى مستوى تنحسر دونه أبصار العباقرة مهما طمحت، وتتطامن عنده أقدار الأنبياء مهما عظمت، لنجد صاحب الرسالة العظمى إلى خلق الله قاطبة، ملتقى الفضائل المشرقة، ومظهر المثل العليا التي صورتها الخيالات ثم صاغها الله إنساناً يمشي على الأرض مطمئناً. ذلكم هو محمد بن عبدالله ، وذلكم منـزله بين عباقرة الأرض وأمناء الوحي! أفق للمجد يزهو على كل أفق، وتسطع فيه أشعة متموجة تنطلق بالحب والحنان والرحمة والعقل والفراسة والحكمة. هيهات هيهات أن يدرك كنه ذلك أحد، فالعظيم لا يعرفه إلا عظيم مثله، ومن كمحمد في الناس؟؟ كيف ترقى رقيك الأنبياء .. يا سماء ما طاولتها سماء لم يساووك في علاك وقد .. حالَ سناً منك دونهم وسناء

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة