مسك الختام .. مؤئل البطولات .. الوصف بالعبقرية

كتاب : عقيدة المسلم 

تأليف : الشيخ محمد الغزالي

 مسك الختام .. مؤئل البطولات .. الوصف بالعبقرية

 

كان المرسلون الأولون مصابيح تضيء في جوانب الليل الذي ألقى بجرانه على أنحاء الدنيا. فلما بدأ فجر الإنسان ينشق عنه الظلام، وبدأت أشعة الرسالة العامة تتهادى في الأفق، انتقل العالم من عهد إلى عهد:

لا تذكروا الكتب السوالف قبله .. طلع الصباح فأطفأ القنديلا

والكلام في عظمة الشخصية التي حملت عبء هذه الرسالة يطول، وحسبنا أن الله عز وجل جمع في سيدنا محمد من شارات السيادة والنبالة ما تفرق في النبيين من قبل.

ولقد ذكر الله أسماء ثمانية عشر نبياً، فيهم أولو العزم وأصحاب الرسالات الأولى، ثم قال: "أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ {89} أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ {90} " (الأنعام:89-90). وهذا الأمر بالاقتداء كان ماثلاً في ذهن النبي وهو يقوم بتبليغ الدعوة. فلما طعن أحد المنافقين في تصرف له، وهو يقسم الغنائم قائلاً: هذه قسمة ما أُريد بها وجه الله؛ كظم النبي غيظه، وقال: "رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر". ومن ثم قال المفسرون في شرح هذه الآية: إنها تومئ إلى فضل الرسول على من سبقه. فإن خصال الكمال التي توزعت عليهم التقت أطرافها في شخصه الكريم. كان نوح صاحب احتمال وجلد وصبر على الدعوة. وكان إبراهيم صاحب بذل وكرم ومجاهدة في الله. وكان داود من أصحاب الشكر على النعمة، وتقدير آلاء الله. وكان زكريا، ويحيى، وعيسى من أصحاب الزهادة في الدنيا، والاستعلاء على شهواتها. وكان يوسف ممن جمع بين الشكر في السراء، والصبر في الضراء. وكان يونس صاحب تضرع وإخبات وابتهال. وكان موسى صاحب شجاعة وبأس وشدة. وكان هارون ذا رفق. حتى تنظر إلى سيرة محمد بعد هذه السير السابقة فتراها كالبحر الخضم تصب فيه الأنهار: فَمَبْلَغُ العِلْمِ فيه أنه بشرٌ .. وأنه خيرُ خلقِ اللهِ كُلِّهِم * موئل البطولات : من ذوي المواهب من يعيشون في عزلة قصية عن الجماهير، ويؤثرون البقاء في البرج العاجي عما تستتبعه مخالطة الناس من سخط وتبرم. ومنهم من يلقي بنفسه في معترك الحياة ومعه عدة النجاح، مع عمق النظرة، وذكاء الفكرة، والبصر النافذ إلى أدواء الشعوب وأدويتها. غير أنه مع هذه المواهب الجليلة ضيق العاطفة لا يألف إلا القليلين ممن هم على شاكلته في المزاج، أو ممن يتفقون معه في الأهداف. ومن العظماء من أُوتي امتداداً في شخصيته، وبسطة في مشاعره تجرف الناس إليه وتعلق القلوب به. ولسنا نقصد بهذا قوة السيطرة على العامة، والقدرة على تحريكهم وتسخيرهم، كلا، كلا. وإنما نقصد هذا النوع من العظماء الذي يلتف به أصحاب الكفايات الكبيرة، ويرمقونه بالإجلال، ويقدمونه على أنفسهم عن طواعية واختيار. ولقد ظهر أفراد قلائل من زعماء الشعوب على هذا الغرار الفذ، وتركوا في تاريخه أثراً لا يمحى. على أن الإنسانية لم تعرف في ماضيها الطويل –ولن تعرف- رجلاً وقّرَه الأبطال وكرمه العظماء، وانطبعت محبته في شغاف القلوب، كما عرف ذلك في النبي الكريم محمد . كان أصحاب الشجاعة في القتال يحبونه لأنه أشجع منهم حين تحمر الحدق ويشتد البأس.

وكان أصحاب الحذق في السياسة والتدبير يحبونه لأنهم يرونه أكثر منهم مرونة وأرحب أفقاً. وكان الأجواد والأسخياء يرونه وقد ملك وادياً من الإبل والغنم، فما غربت عليه الشمس إلا وهو مِنَحٌ وهدايا للطالبين والراغبين. وكان العبَّاد يرونه صواماً، والزهاد يرونه عفيفاً مترفعاً، وأصحاب البيان واللسان يرونه فصيحاً معرباً. حتى المعجبون بالقوى المادية كانوا يرونه مصارعاً يهزم العمالقة.

وهكذا ما عرف أحد من العظماء ميزة في نفسه يفخر بها إلا وجد رسول الله على خلق أعرق منها وأرقى. ولذلك يرفع إليه بصره مثلما يرفع الناس أبصارهم إلى القمم الشواهق التي لا تنال!!.

ومع هذا الجلال الفارع، وذلك الامتياز الرائع، فقد كان هذا الرسول الأمين قريباً بسهولة طبعه من كل فرد. فما يعز مناله على أرملة أو مسكين. بل بلغ من اتساع عواطفه وتدفق مشاعره، أن كل فرد كان يحس في نفسه أنه آثر الناس عند رسول الله ، وأقربهم إليه، وأعزهم عليه. كالشمس ترسل أشعتها فيستمتع الجميع بها، ويأخذ كل امرئ حظه من الدفء والحرارة والمتعة، لا يحس بأن أحداً يشاركه فيها أو يزاحمه عليها.. كذلك كان محمد مع صحابته، يأوون من نفسه الكبيرة إلى كنف رحيم. * الوصفُ بالعبقرية : يقولون: إن النبوة هبة لا كسب، وفضل يغدق، لا نصيب يطالب به ويسعى إليه، وهذا حق "أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ" (الزخرف:32)، "أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ {37} أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ {38} " (الطور:37 :38).

بيد أن هذا الخير لا ينـزل اتفاقاً، ولا يدرك اعتباطاً! وقد حاول شاعر في الجاهلية –بكثرة الكلام في الإلهيات- أن يكون نبياً ففشل. وتوقع نفر من الأحبار والرهبان أن يصيبوا هذا الشرف، ففاتهم مع تشوقهم إليه ورغبتهم فيه. إن الله –سبحانه وتعالى- يختار لهذا المنصب العظيم أهله !! ومن ظن أن العصمة تمنع المحنة والابتلاء، أو أن الرسل الكرام ليسوا أكثر من حملة وحي، وظيفتهم التبليغ المجرد، كأن أحدهم مكبر صوت تنفخ من ورائه الملائكة، فليست له مواهب، ولا استعداد خاص، ولا امتيازات رفيعة.

من ظن ذلك فقد ضل في فهم المرسلين، وجهل ما حباهم الله به من خلال تجعل أعظم فلاسفة الأرض لا يصل إلى مصاف أقدامهم!.

إن الكتَّاب الذين ألفوا في سيرة النبي ووصفوه بالعبقرية يمكننا أن نقبل منهم هذا الوصف بحذر وبقدر. نقبله إذا كان القصد منه كشف النقاب عن معالم العظمة الشخصية، وإلقاء ضوء على البطولة الأدبية لأولئك المصطفين الأخيار. ونقبله إذا كان القصد منه الاعتراف بمبدأ الوحي الذي يصل المادة بما وراء المادة، وهذا هو أساس النبوة الأول. ونرفضه إذا كان وصفاً لعظمة إنسانية معتادة تسلك صاحبها مع غيره من رجال التاريخ البارزين. ذلك موقف المسلم من جمهرة المؤلفين والمؤرخين ممن كتبوا في حياة النبي الأمين .

 

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة