الإيمان بالنبوات كلها

كتاب : عقيدة المسلم 

تأليف : الشيخ محمد الغزالي

الإيمان بالنبوات كلها

 

جعل الله –سبحانه وتعالى- التصديق برسله كلهم ركناً في الدين، وقرن أسماءهم بذاته المقدسة فأصبح الإيمان بهم متمماً للإيمان به. "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ " (البقرة:285).

والإيمان بمحمد رسول الله هو الشطر الثاني من شهادة الإسلام، لا يصح إيمان إلا به. وإنما كان للإيمان بالنبوات هذه المنـزلة، لأن معرفة الله على وجهها الصحيح، وفهم ما يريده لعباده، ويطالبهم به إنما يكون عن طريقهم وحدهم. والارتباط بالوحي الذي شرفوا به، والأسوة التي تؤخذ منهم. ومن ثم يقول الرسول الكريم : "لن يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به". ويقول الله تعالى: "فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ {6} فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ {7} " (الأعراف:6-7).

وسريان الفساد إلى الديانتين الكبيرتين السابقتين على الإسلام، اليهودية والنصرانية، وما طرأ عليهما من تغيير، وداخل كتبهما من تحريف، جعل الإسلام هو الطريق الفذ للإيمان السليم. فمن كتاب محمد وحده، ومن سنته وحدها يفضي الناس إلى الحق. والأبواب إلى الله في عصرنا هذا، مهما وقفت عليها في اليهودية أو النصرانية، فلن تفتح لك مغاليقها. أما في الإسلام وباسم نبيه الكريم محمد فستنفذ وراء النبي العابد، ونهجه الخالد، وقرآنه المحفوظ، وسنته المصون. فتعرف ربك عن يقين، وتعرف ما يكلفك به من غير تزوير ولا تحوير! من أجل ذلك اعتبر الإيمان بمحمد شرطاً لصحة الإيمان بالله.  "الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ {1} وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ {2} ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ {3} " (محمد:1-3). ولا تحسبن هذا غلواً في تزكية مخلوق، أو افتياتاً على حق الخالق، أو تجنياً على أتباع الرسل الأولين. فإن عيسى وموسى صلوات الله عليهما سارا بالناس إلى الله على بصيرة، وهم لا يدرون ما فعل أشياعهم من بعدهم. ولو عادوا إلينا أحياء لكانوا أول من يبرأ من الكتب المدسوسة عليهم، وأول من يستمع لآيات الذكر الحكيم ويبادر إلى تنفيذ أحكامها ووصاياها. ثم إن الله لما ضم الإيمان برسله إلى الإيمان به، جعل الكفر بواحد منهم كفراً به –جل شأنه- وبهم جميعاً. "إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً {150} أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا {151} وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَـئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا {152} " (النساء:150-152). ومحمد خاتم المرسلين، أكمل الله به صرح النبوات، وأتم به حقيقة الرسالات. "إن مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بنياناً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون ويتعجبون له، ويقولون: هلا وُضِعَتْ هذه اللبنة، فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين". فإذا جاء من يدَّعي النبوة بعده فهو كاذب، ومن صدقه في دعواه فهو كافر. وقد ظهرت طوائف من الحمقى تتبع رجلاً اسمه البهاء يدَّعي النبوة، ويطوون نحلتهم وراء قناع من التمسح بالإسلام، وإظهار التصديق به وبغيره من الأديان، وهم ليسوا من دين الله في شيء.  وبهاؤهم دجال، وتعاليمه زور وبهتان، وليس بعد القرآن وحي. "فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ " (يونس:32). وقد حذرنا النبي قبل موته من هؤلاء المخرفين قال: "يكون في آخر أُمتي أُناس دجالون كذابون، يُحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم لا يُضلونكم ولا يفتنونكم". وفي حديث آخر: "إنه سيكون في أمتي ثلاثون كذاباً، كلهم يدَّعي أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك". وقد عرفنا رسول الله عن أمور تتصل بعقائدنا لم تكن عقولنا لتستطيع وحدها أن تدركها أو تعي تفاصيلها، وهي تتعلق بما وراء الحياة من غيوب، وقد قلنا: إن العقل المجرد قد يعرف أطرافاً منها بالتأمل والنظر. ولكن المعصوم قد أعطانا عنها فكرة كاملة، فسندرسها عن طريقه، ونؤمن بها تبعاً له، فهي مما جاء به.

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة