Print this page

هذي الحياة

كتاب : عقيدة المسلم 

تأليف : الشيخ محمد الغزالي 

هذي الحياة

 

قبل أن نأتي إلى الحياة الدنيا، كم سبقتنا من عصور؟ وبعد أن نغادر هذه الحياة، كم ستعقبنا من أجيال؟ وما نسبة هذا العمر المحدود بين ما سبقه وما لحقه من أزمنة؟ إنه قليل قليل! ولكن من هذا القليل الممنوح لي ولك، تتكون الحياة الدنيا !! من هذا الظهور المحفوف بالفناء قبله والخفاء بعده تعمر الأرض! في طريق الحياة الممتد يجري جيل من البشر وما يزال يجري، حتى إذا نال منه الكلال وأدركه الإعياء مات. وقبل أن يخلو الطريق من الأنفاس اللاهثة والأقدام اللاغبة ينبت جيل آخر يستأنف السعي، ويمثل الدور نفسه.

ويُسحب الجيل المنهوك، فيلف في الأكفان، ويوارى في التراب. وينفرد الجيل الجديد بالسعي، حتى إذا لحقه ما أصاب سلفه، سحب –كذلك- وجيء بآخرين، وهكذا دواليك. هذه هي مواكب الحياة .. عمل متواصل من أعمار متقطعة! والعجب أن هذا العمل الموصول يسخر من القائمين به، فهم لا يحسبون أنفسهم حلقة من السلسلة المتقطعة المتراخية مع الأمس، والمتطاولة مع الغد.  بل إن الواحد منهم يخدعه الغرور، فما يفكر أنه جديد على الدنيا، وأنه –كما ظهر فيها فجأة- سيختفي بغتة. كلا إن الغرور يخيل إليه أنه كان من الأزل وسيبقى إلى الأبد!! فإذا جاءه الموت دهش لمقدمه، كأن الموت حَدَث غريب.

غير أن الدهشة لا تدفع اليقين، وكذلك يترك الإنسان الحياة الدنيا من الخير للمرء –وهو في صحته البدنية ويقظته الذهنية- أن يعرف طبيعة الدار التي يعيش فيها، فلا يبني طباقاً عالية على دعائم منهارة. لكن ما معنى ذلك؟ أهذا فقط كل حظ الإنسان من الوجود؟ ونبادر إلى الإجابة الحاسمة: لا. لئن كانت الحياة على ظهر الأرض بهذه المثابة، إن الحياة التي تليها هي الأمل الأسمى والحظ الأوفر. ولو كان العيش في هذه الدنيا هو كل شيء، لكان الانتحار العاجل أولى بالناس أجمعين.

إن الدار الآخرة هي الحيوان، والاستعداد لها هو وظيفة العقلاء في هذه الفترة الضيفة من آجالهم.

   خُلق النــاسُ للبقاءِ فَضَلَّتْ .. أُمَّـــةٌ يُحَسَبُونَهُمْ لِلنَّفــــَاد

    إنما يُنْقَلُونَ مِنْ دَار أَعْماَ .. لٍ إلى دارِ شِقْوَةٍ أو رَشَاد

والحصيف هو الذي يوزع اهتمامه على كلتا الدارين بقدر ما تستحقانه، فيجعل عمله لهذه، بقدر مقامه فيها، وعمله لتلك بقدر بقائه فيها.

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع