ما وراء الحياة الدنيا

كتاب : عقيدة المسلم 

تأليف : الشيخ محمد الغزالي 

ما وراء الحياة الدنيا

 

يعلم الناس جميعاً أن الموت نهاية حاسمة لكل حي، ومصير لابد أن ترده كل نفس. ولكن أكثرهم يأخذ عن الموت فكرة غامضة، ويكوِّن له صورة مغلوطة مشوهة. ينال الإنسان منها ما ينال الدواب النافقة، تحت أكوام التراب، أو الأنعام المهضومة في بطون الآكلين! ثم لا شيء بعد ذلك. وهذا ضلال بعيد .. فليس الموت فناء ولا شبه فناء. ربما كان الموت نومة طويلة، كما أن النوم الذي نعرفه وفاة قصيرة! وقد جعل القرآن الموت قسيماً للنوم، وجعل الحالتين أعراضاً للأنفس لا تتأثر كثيراً بها. "اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى " (الزمر:42).

ولئن كانت الروح تفارق الجسد إلى حين، إن ذلك لا يغير من حقيقة الإنسان شيئاً. فالجسد كالثوب، يكتسي الإنسان به ويعرى عنه، ولا مدخل له في جوهره. ولا يجوز أن نعد الموت إلا انتقالاً من مكان إلى مكان، لا ينقص فيه إدراك المرء لحقائق الوجود شيئاً، ولا يخف إحساسه بها، بل قد يتضح ويزيد. ولو فهمنا تلك الحقيقة لما اكترثنا للموت، ولما تهيبنا الإقبال عليه، ولما شعرنا بالتوجس من بوادره ومواطنه. * البرزخ : لا يكاد المرء يترك دنيانا هذه حتى يبدأ حسابه، ويظهر ثوابه أو عقابه، وقد ساق لنا القرآن الكريم طرفاً من أحوال الناس في هذه المرحلة من حياتهم الآخرة، فهو يقول عن الكفار من آل فرعون: "النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ " (غافر:46).

ويصف نعيم الشهداء، وترقبهم لإخوانهم وأبنائهم كي يقدموا عليهم ويشاركوهم في السعادة التي غمروا بها: "وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ {169} فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {170} " (آل عمران: 169-170). وبوادر الشر أو بواكير الخير تظهر في اللحظة الأخيرة من عمر الإنسان على آخر منازل الدنيا وأول مراتب الآخرة. فقد جاء في السنة أنه في تطمين المؤمن حين يحتضر نزل قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ " (فصلت:30).

كما أن نذر العقاب الأليم تواجه الفساق والظلمة في تلك الساعة الحرجة: "وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ " (الأنعام:93). "وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ {50} ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ {51} " (الأنفال:50-51). وللعصاة من المؤمنين حظهم من المتاعب والآلام جزاء تفريطهم في الواجب واستهانتهم بالحرام. وقد جاء: أن النبي مر على قبر دفن فيه شخصان، فقال: "يعذبان وما يعذبان في كبير!! كان أحدهما لا يستبرئ من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة بين الناس". والأدلة على ثواب القبر وعذابه كثيرة، تتضافر على إثبات أن قبل الجنة والنار مقدمات تحفل بالبشرى، أو تطفح بالإنذار.

وفي الحديث: "إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشيِّ. إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار .. فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة". إن الموت –على الحقيقة- طور من الأطوار التي تعرو الحي في سنيه المختلفة، كالطفولة والرجولة والكهولة. إلا أن هذا الطور يمتاز بأن الروح فيه أقوى إدراكاً وأصدق حساً. ولو تصور المقدمون على الانتحار أي حياة يقبلون عليها، أو أي مرحلة يصيرون إليها لفكروا طويلاً، قبل أن يرتكبوا حماقتهم. إنهم يريدون –بفعلتهم الشنعاء- أن يفروا من الشعور بالضيق، ومواجهة النتائج المحزنة إلى عالم يحسبونه خالياً من الشعور .. ومن رؤية العواقب المحذورة. وما دَرَوْا أن قوام العالم الجديد الذي يقتحمون أسواره هو الإحساس المضاعف ومجابهة شتى النتائج. وفكرة الكثيرين عن الموت تغلب عليها الجهالة والكفران. والقبر –في نظرهم- مكان يخيم عليه الصمت والظلام، وتعبث فيه الديدان والحشرات .. فحسب. ولسنا نتجاهل هذا المنظر الكئيب، ولكننا ننكر أنه النهاية الحاسمة للعواطف الجياشة بالخير، والمشاعر المهتاجة بالشر، وما انبنى على هذه وتلك من حضارات وعمران وخصام ووئام. إن هذا المنظر يخفي وراءه –في عالم لا ندريه- سهولاً فسيحة تحفل بالأزهار والنوَّار، وتفوح منها العطور المنعشة أعدها الله للمؤمنين الصالحين. وثَمَّ وهادُ أخرى تُدَعُّ فيها الأنفس الشريرة، وتئن تحت وقع المطارق المنهالة والمقامع المحماة، أعدها الله للفاسقين عن أمره الظالمين لخلقه. وقد كان رسول الله صلوات الله وسلامه عليه يُفيضُ في شرح الحقائق المتصلة بهذا العالم المُغَيَّب، حتى ليكاد سامعوه يرون آفاقه رأي العين، الصحو منها والنائم. وذلك حتى يؤسس في أفئدتهم يقيناً بأن الموت المرتقب مرحلة تلي هذه الحياة كما تلي الرجولة الطفولة. وإن وقفة مفاجئة لوجِيب هذا القلب الدائب الخفقان، ترمي بالمرء في أحضان هذا العالم الحق. وإليك هذا الوصف المفصل لمقدمات اليوم الآخر، كما يعرفنا به رسول الله .

إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل عليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ويجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. قال: فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من السِّقاء فيأخذها. فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منه كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض. قال: فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كان يسمّى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح له. فيشيعه من كل سماء مقرَّبوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة. فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض في جسده. فيأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان: من ربك؟ فيقول: ربي الله: فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان: ما يدريك، فيقول: قرأت كتاب الله، وآمنت به وصدقته. فينادَى من السماء: أن قد صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة. قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مدَّ بصره. قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الحسن يجيء بالخير، فيقول؛ أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة! حتى أرجع إلى أهلي ومالي. وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الآخرة وإقبال من الدنيا، نزل إليه ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب. فَتُفَرَّقُ في جسده، فينـزعها كما يُنـزعُ السفود من الصوف المبلول، فيأخذها. فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها. فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الريح الخبيثة!. فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له. ثم قرأ رسول الله : "لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ " (الأعراف:40). فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سِجِّين، في الأرض السفلى، ثم تطرح روحه طرحاً ثم قرأ: "وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ " (الحج:31). فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري.  قال: فيقولان: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! قال: فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب فأفرشوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار. فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه. ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه القبيح يجيء بالشر.  فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة. وفي رواية له بمعناه، وزاد: فيأتيه آت قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح فيقول: أبشر بهوان من الله، وعذاب مقيم. فيقول: بشَّر الله بالشر! من أنت؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، كنت بطيئاً عن طاعة الله، سريعاً في معصيته، فجزاك الله شراً. ثم يُقيض له أعمى، أصم، أبكم، في يده مرزبة، لو ضُرب بها جبل كان تراباً، فيضربه ضربة فيصير تراباً. ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين.

قال البراء: ثم يفتح بابٌ من النار، ويمهد له من فرش النار. ونحن لا ندري عن كنه الجزاء في القبور شيئاً، ولا حدود ما يصيب الأبدان والأرواح منه. نعم، نحن نوقن بهذا الجزاء. أما كيف يقع؟ وأما البحث في التفاصيل الواردة به؟ وأما التساؤل عن طرائقه بعد بلى اللحم والعظم فهذا ما لا نستطيع الخوض فيه. لأن أمر المادة كأمر الروح غريب، وما يتجلى للناس من خصائص الحياة وأسرارها يوماً بعد يوم، يجعلنا نصدق ما خبرنا به الوحي، ونكل دقائقه للمستقبل ولا نحب أن نرجم فيه بغيب.

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة