عُمر الفرد وعُمر الدنيا .. من أشراط الساعة

 كتاب : عقيدة المسلم

تأليف : الشيخ محمد الغزالي

 عُمر الفرد وعُمر الدنيا .. من أشراط الساعة

 

 

عندما ينقضي أجل الإنسان من فوق ظهر الأرض، يسافر إلى الآخرة تاركاً خلفه الناس، يكدحون ويؤملون.

فإلى متى يتصل هذا العمران، ويبقى بنو آدم يؤدون رسالتهم في هذه الحياة. ويتخرجون من تجاربها المضنية، إما إلى الجنة، وإما إلى النار؟؟

متى يأذن الله بانتهاء عالمنا هذا الذي تتوارث الأجيال أفراحه وأحزانه، وتزحمه بصراعها الدائم، تارة على الحق، وتارات على الباطل؟؟ متى؟

الظاهر من نصوص الدين أن للدنيا نهاية مقررة لا تعدوها. تَشَقَّقُ بعدها السماء، وتنهدُّ الأرض، وتغيض البحار، ويهلك الحرث والنسل، وتُطوى الصفحة الحافلة بتاريخ رهيب، من بدء الخلق إلى فنائه.

وكما أن للإنسان عادة –قبل أن يحين أجله- أعراضاً تؤذن بموته من شيخوخة أو مرض أو غيرها، فللإنسانية كلها قبل انتهاء أجلها أعراض.

إذا ظهرت عليها دل ذلك على أن عمرها أوشك، ومصيرها اقترب.

وعندي أن المبرر الأول لوجود الحياة وبقائها هو وجود أناس –قلوا أو كثروا- يعرفون ربهم ويؤدون واجبه حقاً.

فإذا خلت الدنيا من هؤلاء، وبدا أن مثلهم لن يتمخض عنه المجتمع البشري في طول البلاد وعرضها، فمعنى ذلك أن الدنيا أفلست وحقت عليها الكلمة، وأن فضَّ هذه السوق أصبح محتوماً!!

وعلامات الساعة التي ذكرها القرآن الكريم، وأفاضت فيها السنة تشير إلى هذا في جلاء.

إن الرسل الكرام بذلوا جهود الجبابرة في محاربة الجاهلية، وقيادة الناس إلى الله، وقد استجابت لهم أمة من الناس، ومشت حيناً من الدهر تحت لوائهم وستظل تمشي إلى ما شاء الله.

فإذا انكمشت أمتهم، ونكس لواؤهم، وطمست شرائعهم، وهان على الناس أمرهم، وقامت الحضارات المختلفة على إنكار وحيهم وإقصاء هديهم .. ثم شاع الفساد، واستبيحت الحرمات، وغلقت المعابد، وَنُسِىَ الله –جل وعلا- وماج الناس بعضهم في بعض .. يومئذ يُستحصد هذا العمران كله، ويقترب للناس حسابهم.

أجل ... قد تقدم البشرية خطوات رحيبة إلى الإمام في ميادين العلم، حتى لتسخر كل شيء لخدمة الإنسان وترفيه عيشه.

بيد أن الإنسان عندما يصل إلى هذه الدرجة من الارتقاء المادي يكون قد وصل إلى الحضيض من الناحية الأدبية.

سيطغى، ويقتل، ويُعربدُ، ويَتَألَّه: "حتى إذا أخذت الأرض زخرفها، وازينت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها، أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً، فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس، كذلك نُفصل الآيات لقوم يتفكرون" (يونس:24).

وإليك من حكم النبوة ما يدلك على أن الساعة تقوم عقب فساد عريض لا ينتظر لظلامه فجر! وفي فترة تخلد الدنيا فيها إلى أهوائها، فلا يتوقع لها طهر أو ارتقاء.

عن أنس عن النبي قال: "لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله".

وعن حذيفة عن النبي : "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع".

ويبلغ من انمحاء معالم الدين أن تعود الوثنية إلى الجزيرة مرة أخرى: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب إليَّات نساء دوس حول ذي الخلصة".

وهو صنم كان العرب يعبدونه في الجاهلية الأولى. ويتهاوى الناس على اللذائذ يطلبونها من كل سبيل، ويدفعون ثمنها شرفهم ومروءتهم: "يكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع أقوام دينهم بعَرَض من الدنيا".

وتهيج نيران الحروب في الأرض نتيجة سقوط الضمائر وخراب الذمم: "لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج! قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل القتل!" وتمحق البركة من الأعمار –فهي مهما طالت- قصيرة تمر ما يكاد أحد يشعر بها.

"لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كالضرمة من النار" –كإشعال عود من الثقاب-.

والأحاديث متكاثرة على أن الساعة تقوم على أشرار الناس.

ولا يذهبن بك التشاؤم مذهب بعض الواهمين كلما رأوا منكراً يفشو ضربوا كفاً على كف، وقالوا: قامت الساعة!!

إنها ستقوم حتماً، بيد أن تربصها بهذا الأسلوب غير مستساغ .. إن الأرض –من قديم- مسرح للفساد وسفك الدماء.

والعراك بين الخير والشر ناشب من قرون سحيقة، والأيام بينهما دول. وانهزام الخير حيناً، لا يعني أن يفض الله هذا المجتمع المائج.

ولكن الذي نزعمه هنا: أن الإنسانية المبتلاة بوجودها على ظهر الأرض، قد يُرخى لها العنان ما أثمرت حضارة أو أمة أو طائفة تستقيم على الطريق، وتسبح بحمد الله، وقد يغتفر شر كثير إلى جوار هذا الخير.

فإذا انقطع الأمل من رشد الناس، وأطبق أهل الأرض على العبث فيها، خلفاً بعد سلف، استؤصلت شأفتهم، ثم جمع الأولون والآخرون أمام الله لمحاكمة عامة شاملة.

"إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً، وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جُرزاً" (الكهف:7-8).

* من أشراط الساعة :

على أن هناك علامات حاسمة تسبق الختام الأخير لهذا العالم. نذكر –في إيجاز- بعضها، حتى لا يستطرد بنا الحديث.

- منها: رجوع عيسى بن مريم إلى الحياة الدنيا مرة أخرى، ولعله خص بذلك من الأنبياء، لأن الخرافة التي تعلقت بشخصه ملأت الأرجاء، وقامت باسمها دول قوية، فليكذب الرجل نفسه ما أشاع الخلق عن ألوهيته، وهو ليس إلا عبداً لله. ولما كانت الحياة وحدة متماسكة فنـزوله في آخر الزمن كاف في الدلالة على هذا المعنى، وإن جاء عقب ضلال طويل!!.

- ومن علامات الساعة: ظهور الدجال، وهو رجل أعور داهية، يبدو من صفاته المذكورة له أنه ماهر في علوم الطبيعة، وقد يوفق إلى طائفة من المخترعات الرائعة، ويؤتى القدرة على خداع العامة بما يملك من وسائل ليست بأيديهم. وهذا الأعور الدجال من عباقرة اليهود يدعي الألوهية، وقد حذرتنا السنة من الاستماع له، وسيطوف في البلاد، يدعو لنفسه، حتى يقتل آخر الأمر.

- ومن علامات الساعة: شروق الشمس من حيث تغرب، وهذا الانقلاب الفلكي، إيذان بأن النظام الدقيق الذي تماسك به أجرام السماء يوشك أن يختل بإذن صاحبه، ثم تنكدر النجوم، وتسير الجبال، وتحشر الوحوش!!.

- ومن علامات الساعة: خروج الدابة، وعندي أن هذه العلامة نوع من العتاب والتقريع لبني آدم الذين جهلوا ربهم، وجحدوا حقه، مع ما آتاهم من عقل وفكر، فلا بأس أن تخرج سلالة من البغال أو الحمير لتضرب بحوافرها جباه الساسة والقادة، وتقول لهم: أما لكم رأي يصلكم بالله رب العالمين؟ أين الذكاء والفهم؟! كيف تلحدون؟

 "وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون" (النمل:82).

 

 

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة