البعث والجزاء

كتاب : عقيدة المسلم 

تأليف : الشيخ محمد الغزالي

البعث والجزاء

 

سننتهي من هذه الدنيا، وستنتهي هذه الدنيا بعدنا ... ثم ماذا؟

 نحب أن نقول أولاً، أو نؤكد ما قلناه قبلاً: إن الله سبحانه وتعالى ماجدٌ عظيم، وإن كماله الأسنى لا ترقى إلى كنهه

العقول، وإنه أوجد البشر تفضلاً وأعطاهم –على ظهر هذا الكوكب الضيق- فرصة خطيرة لو أحسنوا استغلالها،

وإنه سبحانه وتعالى لن يمنح الخلود في جواره الكريم إلا لمن ينتهزون هذه الفرصة .. فترشحهم أعمالهم وأحوالهم

للصعود إلى الرفيق الأعلى؟

 إن الله المجيد لا يقبل إلى جواره الأوغاد ..

 إن الله العليم لا يقبل إلى جواره الجهلة ..

 إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ..


 إن الله نظيف يحب النظافة ..

 إن السفلة الذين التصقوا بالتراب، وعاشوا له، لن يرتفعوا عنه. "إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء" الأعراف:40).

 من الخير للإنسان أن يعلم علم اليقين، أن عمره المحدود في هذه الدنيا، إن لم يكن وسيلة للتكمل والترقي، فلن يشرق غده، ولن يخرج منه بطائل.

 فالجنة التي وعد الله بها المتقين لا تتسع لخسيس ولا مهين، وإذا لم يكن الإنسان على حظ من الكمال والفضيلة، فلن يجد بها منـزلاً.

 لما استكبر بها إبليس طرد منها، وقال الله له: "فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين" (الأعراف:13).

 ولما غفل آدم عن حق ربه، ووهنت في الخير عزيمته، أُخرج منها وزوجه وعرفهما الله عز وجل وعرَّف ذريتهما من بعدهما، أن للجنة مستوى خاصاً من الكمال، من فقده لم يبق لها أهلاً.

 فمن بقيت في نفسه أثارة من شر، وأدركه الموت ولم يتطهر منها، حبس على شواطئ الآخرة، ولم يدخل جنة ربه على تلك الحال.

 قال النبي : "يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيُقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبُوا ونُقوا أُذن لهم في دخول الجنة".

 أرأيت؟ لابد من تهذيب وتنقية؟

 لمن لم يستو وينضج ويطب في الدنيا انتظرته جهنم لتكمل له ما نقصه، وتعويض ما فاته. "أيطمع كل امرئ منهم أن يُدخل جنة نعيم، كلا إنا خلقناهم مما يعلمون" (المعارج:38-39).

 لقد خلق الإنسان من أصول، فيها كدر وكثافة وهوان، ومن حمأ مسنون ونطفة أمشاج، وأمامه في الدنيا فسحة من الأجل، ينبغي أن يستغلها في ترشيح نفسه للملأ الأعلى، فيقهر أهواءه، ويمسح أكداره، ويرقق من طينته، ويسمو بطبيعته، ويتعهد روحه بالصقل والتهذيب حتى يطيب ويطهر: فإذا جاءته رسل ربه لتنقله إلى الدار الآخرة، صدق قول الله: "الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون" (النحل:32).

 إن هناك أقواماً تشم في أعمالهم نتن الطين الذي خلقوا منه، وتلمح في أخلاقهم كدره وسواده! هؤلاء ليسوا أصحاب الجنة مهما زعموا وأمَّلوا!!

 يعقد الإسلام صلة وثيقة بين فعل الخير في الدنيا وما يعقبه من سعادة في الآخرة، كما يعقد الصلة نفسها بين اقتراف الشرور، واستحقاق العذاب الأليم.

 وقد يحاول بعض الناس بأساليب ملتوية، وعلل مكذوبة أن يشكك في هذه الصلات القائمة، ولكن هيهات!!

 فالمجرم لابد أن يلقى عقوبته، وأن يواجه الجزاء من جنس العمل. "إن الله لا يُصلح عمل المفسدين، ويُحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون" (يونس:81-82).

 وعندما يتلاوم العصاة يوم القيامة، ويحاول كل فريق منهم إلقاء التبعة على الآخر ليتنصل من الذنب، ويفر من العقاب، عندئذ يقرع آذانهم صوت الحق. "قال: لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد، ما يُبدلُ القول لدي، وما أنا بظلام للعبيد" (ق:28-29).

 والمحسن لا يتخلف عنه الوعد الحق، ولا تنقص مكافأته على صالح عمله ذرة: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم، خالدين فيها وعد الله حقاً وهو العزيز الحكيم" (لقمان:8-9).

 ونحب أن ننبه إلى تلاعب طائفة من أدعياء العلم بالنصوص الواردة، وخبثهم في فصل العلاقة بين العمل وجزائه، والاحتيال بذلك على تحقير مظهر الخير في العمل الطيب، ومظهر الشر في العمل الفاسد ..

 والحيلة التي يتوسلون بها إلى ذلك، إيهام الناس أن الجزاء مرتبط بالمشيئة العليا لا بعمل الإنسان. وأن الفسقة قد ينالهم العفو مهما ارتكبوا، وينشد شاعرهم:

 وإني وإن أوعدته أو عدته .. لَمُخلفُ إيعادي ومُنجزُ موعدي!!

 وأنه يجوز أن يدخل القانتون العابدون نار جهنم ..!! لأن الله لا يسأل عما يفعل.

 وهذا كلام يخالف الحقائق المقررة في دين الله. والغرض منه –كما أسلفنا- إسقاط قيم الأعمال، فلا يرهب أحد ذنباً، ولا يرجو مؤمن حسنة.

 وهذه الفلسفة الحقيرة أدت عملها في إفساد الأمة، وتلويث المجتمع، وإهانة الدين وتعاليمه. والله سبحانه وتعالى يكذب ذلك كله بأسلوب صريح.

 "أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم!؟ ساء ما يحكمون" (الجاثية:21).

 "أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، أم نجعل المتقين كالفجار، كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب" (ص:28-29).

 إن أولي الألباب يوقنون بأن عموم المشيئة لا يعني التسوية بين خائن وأمين، وأن جواز العفو لا يعني إبطال الشرائع وتعطيل القوانين.

 

 

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة