حول شفاعة إمام الأنبياء

 

كتاب : عقيدة المسلم 

تأليف : الشيخ محمد الغزالي

حول شفاعة إمام الأنبياء

 

 

 

يلغط عوام المسلمين بأحاديث واردة في شفاعة النبي لبعض العصاة. وتعلق أولئك العوام بأحاديث الشفاعة يخيل إليك أن قوانين الجزاء بطلت، وأن نيران الجحيم توشك أن تتحول برداً وسلاماً على عصاة المؤمنين.

وكثيراً ما يفرط هؤلاء الجهال في الفروض، ويقعون في أوخم الذنوب، ثم يقولون: أمة محمد بخير! وهذا مسلك ساقط. ومحمد أول من يستنكره ويحارب أصحابه، وينذرهم بأنهم أصحاب الجحيم.

فأما الجزاء حق، وأنه يتناول الذرة من الخير والشر، وأنه يعم الناس أجمعين، فذلك صريح القرآن. "فمن يعمل مثقال ذرة خير يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره" (الزلزلة:7-8).

والقول بأن قوانين الجزاء توقف بالنسبة لأتباع نبي ما سخف فارغ، وقد كذّب القرآن الكريم في مواضع شتى مزاعم الأولين والآخرين لما جمحت بهم أمانيهم إلى هذا الوهم الباطل.

ولسنا نرد ما صح من أحاديث الشفاعة، بل نثبتها في مواضعها التي لا تعدوها، حتى لا نحَرِّف الكلم عن مواضعه.

روى الشيخان: قال رسول الله : "إن لكل نبي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، فهي نائلة منكم إن شاء الله، من مات لا يشرك بالله شيئاً".

هل معنى هذا الحديث أن الشفاعة التي يرجوها الرسول تنقذ مرتكبي الفواحش والمناكر ممن ماتوا لا يشركون بالله شيئاً، دون أن يستوفوا جزاءهم؟؟؟

إن الرسول نفسه يردُّ هذا الزعم. وقد روى البخاري حديثاً يصف فيه أهوال الحشر، وأحوال أهل النار، قال النبي فيه:

"يضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلِّم سلِّم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم، قال: فإنه مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل ثم ينجو، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار، أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل آثار السجود، فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ...".

وهذا الحديث يفيد أن من المسلمين الذين يعبدون الله وحده قوماً سيدخلون النار، وأن لهبها سينال ملامحهم، فلا يعرفون إلا بآثار السجود.

وأن رحمة الله فحسب، هي التي تدركهم فتنقذهم مما يعانون من بلاء. ثم تغسل أوضارهم الأولى بماء الحياة لينبتوا –بعد- خلقاً جديداً يصلح للنعيم والرضوان.

فليس للشفاعة هذا النطاق الواسع الذي يبرر به الخطَّاؤون إصرارهم، وما تفيدهم أمانيهم فيها شيئاً.

وقد بين الله سبحانه أن الشفاعة لا تجدي على كافر، ولا على فاسق مُثقلٍ بالخطايا. قال الله تعالى: "واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً، ولا يُقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة، ولا هم ينصرون" (البقرة:123).

وقال كذلك: "ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى" (فاطر:18).

والنفس المثقلة بالخطايا –ولو كانت لرجل من المصلين- لا يفوتها جزاؤها كما رأيت في حديث الرسول ، وهو يصف أمته عند اجتيازها الصراط.

والظاهر أن الشفاعة التي يرجوها النبي الكريم إنما تدرك صنفاً من الناس تأرجحت موازين الحق والباطل في أعماله فهو بين السقوط والنجاح.

ونحن في حياتنا ننظر إلى التلامذة الذين يقتربون من النهاية الصغرى للنجاح نظرة رأفة، ونميل إلى منحهم درجة أو درجتين جبراً لنقصهم.

أما الذين يبتعدون عن المستوى الأدنى للنجاح مسافة بعيدة، فإننا نحكم بسقوطهم فوراً. فلعل الشفاعة المنسوبة للرسول الكريم تنقذ أمثال هؤلاء المقاربين للنجاة وبهذا التفسير يتم الجمع بين النصوص.

وقد يكون المقصود من هذه الشفاعة التنويه بمكانة النبي صلوات الله وسلامه عليه، والإشادة بمنـزلته الكبرى عند الله.

ومثال ذلك في مجتمعنا أنه في مناسبات خاصة –كعيد ميلاد الملك أو جلوسه- يفرج عن طوائف المسجونين ممن قضوا أغلب المدد المحكوم عليهم بها، ويراد إشعارهم بفضل المناسبة التي ستسوق لهم العفو والحرية.

وهذه الحرية الممنوحة بالعفو العام، لا تخدش أصل العقوبة المقررة. ولا يفهم منها أنه لا ضرورة لسن القوانين، وبناء المحاكم، وتعيين القضاة، كما يريد أن يفهم ذلك عوام المسلمين من أحاديث الشفاعة المنسوبة لنبيهم ، والتي تشير إلى أن الله قد يجيب دعاء نبيه وهو جاث بين يدي ربه يسأله الصفح عن الأمم الغفيرة من الأولين والآخرين، التي أدركها حر الموقف المعنت، وألهب عصاتها شواظ من النار المستعرة، فهي تضرع إلى الله أن يرفع غضبه، وتتردد على أنبيائه جميعاً كيما يشاركوهم الرجاء والدعاء.

على أنه مهما بلغت منـزلته عند الله فلن يتجاوز في الله حد الملق والزلفى لمولاه، وما كان لنبي أن يفرض رأياً أو يقرر حكماً: "ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له، حتى إذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير" (سبأ:23).

"يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً" (النبأ:38). فلا كلام إلا بإذن، ولا كلام إلا بصواب، ومرد الأمر لله وحده.

فإذا كان من الناس من يقترف الموبقات المهلكة اعتماداً على شفاعة موهومة فليذكر قول الحق في أهل النار: "ما سلككم في سقر؟ قالوا: لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين، وكنا نكذب بيوم الدين، حتى أتانا اليقين، فما تنفعهم شفاعة الشافعين" (المدثر:42-48).

ونحن بعد هذه المقدمات الواجبة نروي حديث الشفاعة العظمى معتقدين أن قارئه لن يتجاوز به حدوده.

عن أنس أن النبي قال: "يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك –وفي رواية- فيلهمون لذلك. فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا. فيأتون آدم فيقولون: أنت آدم أبو البشر، خلقك الله بيده وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته وعلَّمك أسماء كل شيء، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحيي ربه منها، ولكن ائتوا نوحاً أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. فيأتون نوحاً فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحيي ربه منها، ولكن ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلاً. فيأتون إبراهيم، فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب فيستحيي ربه منها، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه الله وأعطاه التوراة. قال: فيأتون موسى، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه منها، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته. فيأتون عيسى روح الله وكلمته، فيقول: لست هناكم ولكن ائتوا محمداً ، عبداً قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال: قال رسول الله : فيأتون، فأستأذن على ربي –تعالى- فيؤذن لي، فإذا أنا رأيته وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله. فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، قل تُسمع، سل تعطه، واشفع تشفع. فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي، ثم أشفع، فيحدّ لي حداً فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة. ثم أعود، فأقع ساجداًن فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: ارفع يا محمد رأسك، قل تسمع، سل تعطه، اشفع تشفع. فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي ثم أشفع، فيحد لي حداً فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، قال: -فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة- قال فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن (أي من وجب عليه الخلود)".

إن أتباع الدين يجب أن يعرفوا أن الحساب الإلهي لا يغفل الذرة من الخير أو الشر، وأن هذه الدقة تنفي كل تصرف ينطوي على الفوضى، وكيل الجزاء جزافاً.

وقد ندد القرآن الكريم باليهود، لما سرت بينهم هذه الآراء الغريبة، حتى ظن عامتهم أن الجنة حكر لهم ولذرياتهم –لأمر ما- فأقبلوا على ملذات العيش الأدنى ينتهبونها ويقولون –في يقين- سيغفر لنا!!.

"فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب، يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون: سيغفر لنا، وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه، ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق؟؟ -ودرسوا ما فيه- والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون" (الأعراف:169).

والمؤسف أن هذا القطع بين العمل والجزاء رسب في أوهام العامة، فأساؤوا به إلى أنفسهم وإلى دينهم، ثم إن عوج سلوك المنسوبين إلى الدين وقلة فقههم، وسوء ذوقهم، مكن للإلحاد في الأرض، ورفع الثقة من الأديان وممثليها جملة.

والعجب للمسلمين، يصابون بهذه اللوثة وهم يقرأون قول الله: "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءاً يجز به، ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً" (النساء:123).

الجزاء حق، ولقد أكثر القرآن من التذكير، ومن سوق النذير بعد النذير لأن أكثر الناس يذهلهم ما أمامهم عما وراءهم. بل ربما أنكروه وسخروا منه غير عابئين بهذا الغد الزاحف.

ولو عقلوا لعرفوا أن الآخرة هي المستقبل الذي يجب على كل راشد أن يوفر فيه أسباب سعادته، وأن يجعل حاضره من الدنيا تمهيداً له، وأن يجعل سعيه في حياته غراساً لا تنتظر ثمراته القريبة بقدر ما تؤمل عند الله عواقبه المذخورة.

إن نتائج أعمالنا في الدنيا خطيرة جداً. سنقضي سنوات احتواها كتاب مؤجل، ثم تصير الدنيا –بعد أن نتركها كما كانت قبل أن نطرقها- صفراً، إلا مما تزودنا به منها.

ولو كان أكثر الناس وطيد الرجاء في حياة مقبلة ما أرخص عمره، وما احتسب وقته أهون ما لديه من متاع.

"ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل منهما بنون. فكونوا من أبناء الدار المقبلة، ولا تكونوا من أبناء الدار المدبرة، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل".

 

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة