مُنكرُو البعث وَسُخف مزاعمهم

 

كتاب : عقيدة المسلم

تأليف : الشيخ محمد الغزالي

 مُنكرُو البعث وَسُخف مزاعمهم

 

 من العصور الخالية وأقطار الأرض منكوبة بصنف من الناس، يظنون أنهم مربوطون بأعباء الحياة كما تربط الحمير بعربات القمامة، تظل تدور بها حتى يغلبها الإعياء، وتدركها الشيخوخة، فتموت حتف أنفها، أو يطلق عليها الرصاص .. ثم لا شيء!

 يقولون: إن هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر. وهؤلاء كثيراً ما يشغبون على المؤمنين، ويجادلونهم بالباطل، ويحاولون توكيد رأيهم السقيم بالإصرار والحلف !! الحلف بما لا يؤمنون! "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت. بلى. وعداً عليه حقاً؟ ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ليبين لهم الذي يختلفون فيه، وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين، إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون" (النحل: 38-40).

 

ومما يحفظ للمعري في ترجيح حياة المصدِّق بالآخرة، وتقبيح حياة الإلحاد وما يكتنفها من فساد:

 

قال المُنَجِّمُ والطيبُ كلاهما .. لا تحشرُ الأجسادُ قلتُ إليكما

إن صح قولكما فلست بخاسرٍ .. أو صح قولي، فالخسار عليكما!

طهَّرت ثوبي للصلاة، وَقَبلَه .. طهرٌ فأين الطهر من جسديكما؟

وذكرت ربي في الضمائر مؤنساً .. خلدي بذاك، فأوحشا خلديكما

وَبَكَرْتُ في البردين أَبغي رحمةً .. منه، ولا ترعان من برديكما!!

إن لم تَعُدْ بيدي منافع بالذي .. آتي، فهل من عائد بيديكما؟

بُرْد التقي وإن تهلهل نَسْجُه .. خيرٌ بعلمِ الله من بُرديكما!

 

وهذا الكلام من المعري يصف من الموضوع ناحية جانبية فقط. فإن الدين يحفظ القلوب أن تمرض، ويصون الأعراض أن تخدش.

بل يقي الأبدان –بمسلكه النظيف- عوادي شتى تتمخض عنها الشهوات المنطلقة والأهواء العاصفة. لكن هذه الثمار الجميلة ليست الدليل الفذ. ويبدو أنها ذكرت فقط، إغلاقاً لباب الجدل مع السفهاء.

روي أن واحداً من أولئك المنكرين جاء إلى النبي بعظم بال وعرضه عليه، يحسب المغفل أنه سيفحمه إذ يريه العظم ثم يتساءل كيف يتحول هذا إلى بشر سوي؟ "وضرب لنا مثلاً –ونسي خلقه-" (يس:78).

وهذا الاعتراض صفعة للسائل المستبعد، ترده إلى مكانته التي يتطاول فوقها. "قال من يحيي العظام وهي رميم؟ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم .. أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم؟ بل، وهو الخلاق العليم" (يس:78-80).

نعم يحييها المبدع المنفرد في شئون الخلق والإيجاد والتصوير .. ودلائل البعث ترجع –في جملتها- إلى لفت أنظار الناس نحو حقائق بديهية مسلمة، فالذي بدأ الخلق يستطيع –إذا أفناه- أن يعيده.

"ويقول الإنسان أإذا ما متُ لسوف أُخرج حياً؟ أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً" (مريم:66-67).

وهذا الخلق المعاد تتكرر تحت أعيننا صور شتى له كل يوم، بل كل لحظة. فالرجل من حيث لا يشعر تصنع غدد الجنسية ألوف الألوف من الحيوانات المنوية، في واحد منها فقط أساس كامل لبشر كامل.

ولعل هذه الكثرة في إيجاد أصول الحياة يقصد بها إلى الدلالة على أن الموجد على درجة من الغنى في خلق أسباب الحياة، تجعل إنشاء الناس أمراً تافهاً بالنسبة إلى قدرته.

"أفرأيتم ما تمنون؟ أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين، على أن نُبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون، ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون؟" (الواقعة:58-62).

وعن أبي رزين العُقيلي: قلت يا رسول الله، "كيف يعيد الله الخلق وما آية ذلك؟ قال: أما مررت بوادي قومك جدباً، ثم مررت به يهتز خضراً؟ قال: نعم، قال: فتلك آية الله في خلقه، كذلك يحيي الله الموتى!".

والواقع أن الزروع التي تكسو وجه الأرض، وتمشي فيها بالحياة والنماء، ليست مما تصح الغفلة عن دلالته.

إن الفلاح يستودع ظلمات التراب حبة واحدة، أو ساقاً واحداً، فإذا حقله يتحول –باسم الله- إلى جنان يانعة وثمار شهية وحصاد ميمون ..

كيف تحول الكدر والقذر والطين إلى ثمار وأغصان ورياحين؟! "وترى الأرض هامدة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ذلك بأن الله هو الحق، وأنه يحيي الموتى، وأنه على كل شيء قدير، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور " (الحج:5-7).

والمادة الميتة تتحول –في كل غذاء نتناوله- إلى خلايا حية في جسومنا، يسري فيها الشعور، وتنتفض بالحركة

فما معنى استنكار ما يقع شبيهه بيننا أبداً؟ هل النشور إلا هذا؟ ثم ما ظن الإنسان بنفسه؟

إن الأرض ومن عليها خلق صغير متواضع بالنسبة إلى الوجود الضخم الذي يزحم الفضاء البعيد ويزخر به الملكوت الرحيب، وشأن الناس إلى جانب العوالم الأخرى قليل.

"لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (غافر:57). فكيف يُستكثر على من يقيم قصراً منيف الشرفات، سامق العمُد أن يبني كوخاً تافهاً بعد هدمه؟

إن البعث عقيدة فوق الشبهات، فلنتهيأ له بالزاد الطيب، من الهدى والتقى والعفاف.

خطب النبي أول بعثه فقال: "إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعاً ما كذبتكم، ولو غششتُ الناس جميعاً ما غششتكم، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتجزون بالإحسان إحساناً، وبالسوء سوءاً، وإنها لجنة أبداً أو لنار أبداً".

فإذا طلعت عليك شمس يوم من أيام الدنيا بعد نوم مستغرق، فاذكر أن هناك يقظة، سوف تعقب الهجعة المؤقتة في القبر، يساق بعدها أهل الشر إلى سقر، ويساق أهل الخير إلى "مقعد صدق عند مليكٍ مقتدرٍ" (القمر:55).

 

 

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة