الفضل بن عياض(ت187هـ)

شخصيات صوفية

 الفضل بن عياض(ت187هـ)

 

أسمه ونسبه ومولده ونشأته:

الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشير التميمي اليربوعي  الخرساني ،أبو علي الزاهد ، إمام الحرمين ، من كبار التابعين  وزهّادهم وعّبادهم ، وأحد الأولياء العاملين في زمانهم  ، ولد بسمرقند ، ونشأ بأبيورد([1]).

وكان مولده في العقد الأول من القرن الثاني للهجرة عام 107هـ ، ويحكى الإمام الذهبي أنه قدم الكوفة وهو شاباً ([2]) ،وكتب الحديث بها ، ثم تحول  إلى مكة فسكنها ومات بها عام 187هـ ، وقد بلغ من العمر ثمانين سنة كما يحكى صاحب الكواكب الدرسة في تراجم السادة الصوفية([3])  .

ويقول صاحب اعلام النبلاء ، أن الفضيل بن عياض  كان يقول  عن نفسه "بلغت الثمانين أو جزئها "([4])

مكانته وثناء العلماء عليه :

لا     أن الإمام الفضيل قد بغ مكانته رفيعة ، لذا أجمعت امصادر على الإشادة بفضله وبعلمه وعمله ، ولما لا وهو أحد العلماء العاملين الزاهدين في عصره ، وقد بلغت شهرته في علم الرواية مكانة كبيرة ، فقيل "إنه كان من أعاظم أئمة المحدثين"([5]) .

هذه المكانة التي وظل إليها الإمام الفضيل جعلت  ثناء جُل العلماء عليه يقول عنه الذهبي "هو الإمام القدوة"([6])

أما  ابن كثير جعله أنه كان من أئمة الرواية ([7]).

بل إن عبارات الثناء على الفضيل لكل من أتى من بعده قد كثرت فهو الثقة المأمون ، وهو الإمام الثقة ، وهو الصدوق ، وهو العابد الورع كثير الحديث ، وهو العالم الرباني ، وهو شيخ الحرم ، وشيخ الحجاز ، بل هو شيخ الإسلام .... ([8]).

وكان الناس يأتون إلى مجلسه لينهلوا من علمه ، ودماثة خلقه ، وقد أشتهر بكونه معلم الخير، ولذا يروى أنه قال يوماً وهو في مجلسه :" أن لي دعوة مستجابة ما صيرتها إلا في الإمام " ، قيل له : وكيف ذلك يا أبا علي ؟ قال : " متى ما صيرتها في نفسي لم تجزني ، ومتى صيرتها في الإمام فصلاح الإمام صلاح العباد والبلاد " ، قيل : وكيف ذلك يا أبا علي ؟ فسر لنا هذا ، قال : " أما صلاح البلاد : فإذا أمن الناس ظلم الإمام عمروا الخرابات ونزلوا الأرض ، وأما العباد : فينظر إلى قوم من أهل الجهل ، فيقول : قد شغلهم طلب المعيشة عن طلب ما ينفعهم من تعلم القرآن وغيره فيجمعهم في دار خمسين خمسين أقل أو أكثر ، يقول للرجل : لك ما يصلحك وعلم هؤلاء أمر دينهم وانظر ما أخرج الله عز وجل من فيهم مما يزكي الأرض فرده عليهم " ، قال : " فكان صلاح العباد " ([9]).

ولما سمع أبن المبارك هذا من الفضيل وكان في مجلسه آنذاك قام فقبل جبهة الفضيل بن عياض وقال له : له في فخر "يا معلم الخير من يحسن هذا غيرك " ([10]).

وعلى هذا نخلص إلى أن الفضيل بن عياض كانت مكانته بين آقرانه مكانة كبيرة ، لا سيما لجميل خلقه ، وكثير عمله .

فجاء من بعد عصره عظيم ذكره على ألسنة غيره من العلماء يصفونه بصفات حميده تجعله من السابقين المتبحرين في فنون العلموم ، العاملين بما يعلمون.

من أخلاق الفضيل بن عياض :

لا شك أن ألأنسان إذا وصل إلى مكانة رفيعة بين اصحابه فسبيله إلى ذلك ما يتحلى به من أخلاق حميده أتصف بها الفضيل ؛ ولذا جاءت أقواله ، وأفعاله  ، مفعمة بدهاثة خلقه.

فها هنا يقول عن التواضع كما يثقل صاحب طبقات  الصوفية ، لما سأله إبراهيم بن الأشعث فقال " ما التواضع ؟ قال : " أن تخضع للحق وتنقاد له ، ولو سمعته من صبي قبلته منه ، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته منه " ([11]).

ولما سئل الفضيل عن الصبر تراه يقول :"إن لا تثبت"([12]).

ويجمع صاحب حلية الأولياء  بعض من أخلاقه –أعني الفضيل- في عباده له يحكيها الأصفهاني قائلاً " خرج الفضيل يوماً إلى أصحابه وهو يقول :" إنما سمي الصديق لتصدقه، وإنما سمي الرفيق لترفقه، ليس في السفر وحده، بل في السفر والحضر، قلنا: يا ابا علي فسر لنا هذا، قال: أما الصديق فإذا رأيت منه أمرا تكرهه فعظه ولا تدعه يتهور، وأما الرفيق فإن كنت أعقل منه فارفقه بعقلك، وأن كنت أحلم منه فارفقه بحلمك، وأن كنت أعلم منه فارفقه بعلمك، وأن كنت أغنى منه فارفقه بمالك " ([13]).

بل كانت عباراته وأقواله تدل على خوفه الشديد من الله تعالى لذا يقول :"من خاف الله لا يضره شئ ، ومن خاف غيره لم ينفعه شئ ، وترك يقول ترك العمل من أجل الناس رياء ، والعمل لأجلهم شرك"([14]).

أما الحديث عن زهد الفضيل فالحديث حوله يطول ، وقد نص الإمام النووي : أن ألأئمة المعاصرين أجمعوا على صلاحه وزهده وورعه.

وقال عنه الذهبي هو زاهد العصر من غير نزاع ([15]).

وإنك لتجد أقواله في الزهد كثيرة لا يمكن حصرها في هذ المقام نذكر منها:

لما قيل له ما الزهد في الدنيا؟ قال :القنع وهو الغنى([16]) ، ولما سئل عن أصل الزهد ؟ قال أصل الزهد؟ قال "أصل الزهد الرضا عن الله تعالى بما قسم لنا ، وما حجب عنا ، وقال : زهادة العبد في الدنيا على قدر رغبته في الآخرة ([17]).

ومن أقواله " جُعِل الشر كله في بيت ، وجعل مفتاحه حب الدنيا ، وجعل الخير كله في بيت ، وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا "  ([18]).

وكان يقول -الفضيل-: "علمت أن الدنيا تفارقني اضطرارياً ففارقتها اختيارياً ، وقال ايضاً " و أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي لا أحاسب بها في الآخرة ، لكنت أقذرها كما يقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها ، أن تصيب ثوبه" ([19]).

ومما يدل على زهد الفضيل بن عياض شهادة خادمة لإبراهيم بن الأشعث لما سمعته يخاطب ربه بأن يزهده في الدنيا إذ يقول "اللهم زهدنا في الدنيا ، فإنه صلاح قلوبنا وأعمالنا ، وجميع طلباتنا ، ونجاح حاجاتنا " ([20]).

وعلى الرغم من زهد الفضيل بن عياض في الدنيا وإقباله على الآخرة .

إلا أنه لم يكن متواكلاً على غيره لمدة بمؤنة عيشه ، ذلك لأنه كان يعمل سقاء ، وقد ذكر الشعراني "كان يسقي على الدوام ، وينفق من ذلك على نفسه وعياله"([21]).

وعلى هذا يتبين لنا أن زهد الفضيل بن عياض ليس زهداً للإنعزال عن الحياة ، والإنعكاف في زاوية من زواياها ، دون سعي على الرزق ، بل كان زهده ألا يجعل الدنيا أكبر همه ولا مبلغ علمه ولا تملكه.

أما عن ورع الفضيل بن عياض ، فقد كان من أورع الناس ، وقد ذكر بن المبارك أنه كذلك يقول "أورع من رأيت فضيل بن عياض " ([22]).

ولما سئل الفضيل بن عياض ما الورع ؟ قال : اجتناب المحارم ، ثم قال "أشد الورع في اللسان؛ لأن التعبير كله باللسان لا بالعمل".

ويرى الفضيل ايضاً ؛ أن الورع هو طلب الحلال ، اجتناب المحارم ، فمن كان مذلك فهو من أنصار الله ، فقال "إن لله عبادا يحيي بهم البلاد ، وهم أصحاب السنة ، ومن كان يعقل ما يدخل جوفه من حله كان من حزب الله تعالى  " وقال أيضاً :" من عرف ما يدخل جوفه كتبه الله صديقاً، فانظر عند من تفطر يا مسكين" ([23]).

ومن ثم نجد أن أقوال الفضيل بن عياض تدلنا على حاله مع ربه وأنه ما كان يرجو إلا رضاه سبحانه عز وجل.

ومن أقواله على هذا تراه يقول :" عاملوا الله عز وجل بالصدق في السر، فإن الرفيع من رفعه الله، وإذا أحب الله عبداً أسكن محبته في قلوب العباد"

ويقول أيضاً " ما تزين الناس بشيء أفضل من الصدق ، والله عز وجل يسأل الصادقين عن صدقهم فكيف بالكذابين"([24]).

ومن خلال ما سبق ذكره عن الفضيل بن عياض ندرك قيمة المتصوفين أمثال الفضيل الذي يمثل أحد أئمة السلف الصالح.

بل ويحكي مؤرخي التصوف أنه كان مستجاب الدعاء يقولعبد الله بن محمد الهباري يقول: اعتل فضيل بن عياض فاحتبس عليه البول، فقال: بحبي إياك لما أطلقته، قال: فبال.

ويحدث هارون بن سوار عن دعائه المستجاب فيقول:" هلك حمار لفضيل بن عياض وكان له حمار يستقي عليه الماء فيأكل من فضله ، قال : فقيل له : قد هلك الحمار، فقعد في المحراب ، قال : ثم قال : قد أخذنا عليه بمجامع الطرق قال فجاء الحمار فوقف على باب المسجد "([25])..

ومن خلال ما سبق ذكره يتبين لنا في جلاء ووضوح أنه يطول بنا المقام ، والكلام عقيب ذكر الفضيل بن عياض ، وسرد مقامه ، وحاله بين العارفين الزاهدين.

بل أن هذا قليل من كثير للفضيل بن عياض في سرد أقواله ، والتعرف على بعض أفعاله ، إلا أنها تبين لنا في إشادة موجزة تصوف الفضيل بن عياض في زهده ، وورعه ، وتقواه ، وخوفه وغير ذلك مما ذكرناه.

 

[1] ) راجع : طبقات الصوفية . محمد بن الحسين السلمي صـ6 تحقيق نور الدين شربية ،القاهرة، جماعة الأزهر للنشر والتأليف ط سنة 1372هـ / 1953م ، وشذرات الذهب  في أخبار من ذهب / عبد الحي بن العماد الحنبلي  ، ج1 صـ316 ، طبعة دار الفكر ، بيروت سنة 1979م، سير أعلام النبلاء ، للذهبي جـ8 صـ421، إشراف شعيب ارناؤوط، طبعة مؤسسة ارسالة ، بيروت سنة 1406هـ /1986م ، لسان الميزان للعسقلاني جـ7 صـ337 ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت طبعة سنة 1406هـ 1986م.

[2] )  شذرات الذهب ، جـ  صـ 318

[3] )  ج1 صـ150 طبعة الأنوار القاهرة سنة 1357هـ / 1978م.

[4] )  سير أعلام النبلاء للهبي جـ  8 صـ 442

[5] )  البداية والنهاية ابن كثير جـ10 ص199 ، مكتبة المعارف بيروت سنة 1401هـ / 1981م.

[6] )  تذكرة الحفاظ للذهبي جـ1 صـ245 ، دار الكتب العلمية بيروت عن طبعة حيدر آباد سنة 1375هـ / 1955م.

[7] )  البداية والنهاية  ج10 ص199

[8] )  لسان الميزان ابن حجر العسقلاني جـ7 صـ 337، تذكرة الحفاظ جـ 1 صـ 245 ، الجواهر المضيئة ، ابن أبي الوفا جـ1 صـ 409 ، دائرة المعارف  النظامية  سنة 1322هـ ، سير أعلام النبلاء جـ8 صـ 421.

[9] )   حلية الأولياء ، وطبقات الأصفياء  أبو نعيم الأصفهاني جـ 8 صـ 91 ، 92 ، دار الكتاب العربي للطباعة ، بيروت طبعة سنة 1400هـ /1980م

[10] )   المصدر السابق نفس الصفحة.

[11] )   طبقات الصوفية ، لسلمى/ ص16 ، حلية الأولياء ، للأصبهاني جـ8 صـ 91.

[12] )   مختار الصحاح ، للرازي صـ40 ، تحقيق لجنة من العلماء ، دار الفكر لطباعة ، بيروت سنة 1401هـ /1981م.

[13] )   حلية الأولياء جـ 8 صـ 112

[14] )   حلية الأولياء جـ 8 صـ 84 ، الرسالة القيشيريه صـ 47 ، طبقات الصوفية للمناوي جـ 1 ص 394.

[15] )   تهذيب الأسماء واللغات للنووي صـ 503 تحقيق فرديناند وستنفلد طبعة سنة 1842م ، دول الإسلام للذهبي صـ106 ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت سنة 1405/1985

[16] )    حلية الأولياء جـ8 صـ91

[17] )    المصدر السابق جـ 8 صـ89

[18] )    طبقات السلمي صـ13

[19] )    الرسالة القشيرية ص9 ، البداية والنهاية جـ1 ص199 ، وقارن في ذلك الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية جـ 1 ص150 مطبعة الأنوار القاهرة سنة1357هـ /1978م.

[20] )     حلية الأولياء ، للأصبهاني جـ8 ص109

[21] )     الطبقات الكبرى للشعراني جـ 1 ص76 المطبعة الشرقية القاهرة سنة 1299هـ

[22] )      تهذيب بن حجر جـ8 صـ295

[23] )      حلية الأولياء جـ 8 صـ 91 ،104 ، أعلام النبلاء جـ8 صـ 434 ، طبقات الشعراني  جـ 1 صـ 76

[24] )      حلية الأولياء جـ 8 صـ 88، الكواكبي ، جـ1 ص149

[25] )      الكواكب الدرية جـ1 146 ، الحلية جـ8 صـ109 ، الجواهر المضية ، ج1 ص409

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المزيد في هذه الفئة

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة