معروف الكرخي (ت 200هـ)

شخصيات صوفية

معروف الكرخي (ت 200هـ)

 

أسمه ونسبه ومولده:

معروف بن الفيروزان ، ويكنى أبو محفوظ.

أما لقبه فالكارخي نسبة إلى الكرخ ببغداد([1])

ويذكر صاحب تاريخ بغداد نسبه قائلاً "سمىّ رجل ولداً له معروفاً ، وكنا بأبي الحسن ، فلما شبَّ قال له : يا بني ، إنما سميتك معروفاً ، وكناه بأبي الحسن ، لأحبب إليك ما سميتك به وكفيتك" ([2])

وكان ابوه صائباً من أهل نهريان من قرى واسط ، وكان في صغره يصلي بالصبيان ويعرض على أبيه الإسلام فيصيح عليه([3]).

إسلام الكرخي

كان أبواه نصرانيين ، فسلموا معروفاً إلى مؤدبهم وهو صبي فكان مؤدب الصبى، يقول له: «ثالث ثلاثة» فيرد معروف فى ثقة: «بل هو الواحد الصمد»، فعنفه لذلك تعنيفاً شديداً، وضربه ضرباً مفرطاً، فهرب منه، وانقطعت أخباره لفترة، تركت فى قلبَى والديه حزناً دفيناً. وكان الأبوان يقولان: ليته يرجع إلينا، على أى دين كان، فنوافقه ،

وأسلم الكرخي على يد علي بن موسى الرضا ، ورجع إلى منزله ودق الباب، قيل: من؟ قال: معروف، فقالا: على أى دين؟، قال: الدين الحنفي، فأسلم أبواه ([4]).

إسلام الكرخي

 ويحكى أن أخاه عيسى قال :" كنتُ أنا وأخى معروف فى الكُتَّاب وكنا نصارى، وكان المعلم يعلم الصبيان أب وابن، فيصيح أخى معروف «أحد أحد»، فيضربه المعلم على ذلك ضرباً شديداً، حتى ضربه يوماً ضرباً عظيماً، فهرب على وجهه. فكانت أمى تقول: لئن ردَّ الله علىَّ ابنى معروفاً لأتبعنه على أى دين كان. فقدم عليها معروف بعد سنين كثيرة فقالت له: يا بُنى على أى دين أنت؟ قال: على دين الإسلام، قالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فأسلمت أمى، وأسلمنا كلنا" ([5])..

والحق أن المتأمل لهذه الروايات الكثيرة المتناقلة لإسلام الكرخي يدرك في جلاء نقاء سريريته ، وتعلقه برب الأرباب منذ صغره ، رغم كون أبوه نصرانين ، إلا أن الله تعالى أراد أن يجعله على الدين الإسلامي ، بل وكان معروف سبباً في إسلام أبوه ودخولهما الإسلام بعد ذلك.

ثناء العلماء على معروف الكرخي

كثر الثناء من الأئمة والحفاظ على الكرخي ، وهذا معروف ومذكور في جل كتب الأئمة والعلماء " يقول إسماعيل بن شداد قال لنا سفيان بن عيينة رجالاً من أهل بغداد ذات يوم: ما فعل ذلك الحبر الذى فيكم ببغداد؟ قالوا: من هو؟ قال: أبو محفوظ معروف. قلنا: بخير. قال: "لا يزال أهل تلك المدينة بخير ما بقى فيهم"([6]).

ويقول السراج حدثنا ابو بكر بن أبي طالب قال دخلت مسجد معروف فخرج وقال حياكم الله بالسلام ، ونعمنا وأياكم بالأحزان ثم أذن فارتعد ووقف شعره ، وأنحنى حتى كاد يسقط عن معروف قال إذا أراد الله بعبد شراً أغلق عنه باب العمل وفتح عليه باب الجدل  ([7]).

أما زيد العميري فيقول :" قال لي ثوبان الراهب : أرني معروفكم هذا الذي تذكرون من فضله ما تذكرون.. ! فأنطلقت وهو معي يريد معروفاً، فتلقانا أبو محفوظ ، وقد نزل من مسجده فسلمت عليه . وقالت : إن هذا جاء ليحدث بك عهداً ويسلم عليك . فقال له معروف : كيف تجدون قدر الاسلام عندكم ، قال : نجده عظيماً. قال معروف : أيها الراهب ، هو والله عند الله  أعظم ، ثم قرأ معروف "  إن الدين عند الله الإسلام" حتى أتم الآية ، ثم قال  أيها الراهب أسلم ، فإن لك حقاً نقلت قدميك لتسلم علينا ، فبكى الراهب ، ثم قال :  : وقع كلامك في قلبي ، ثم أسلم، وانصرفنا ، فلما ولينا يقول لي لاراهب : يا زيد ، ما أرى في الأرض بعد هذا أمرء خير" ([8]).

ولعل هذا النص يبين لنا أن ثناء الناس على معروف الكرخي لم يكن مقتصراً على أقرانه من أهل ديانته ، ولكن تعدي هذا إلى غيرهم من أصحاب الديانات الآخرى ، بل إن حالة مع آية ، وقربه من خالفه ، جعله دعوة للإسلام وللمسلمين ، ليأتي الناس مذعنين ، قائلين لا أله إلا الله ، محمد رسول الله.

هذا ولقد أثنى الإمام أحمد بن حنبل على علم الكرخي فتراه يقول لما سمع البعض ينتقص من علمه ويقول عنه أنه قصير العلم ، فقال الإمام أحمد أمسك عافاك الله – وهل يراد العلم إلا لما وصل إليه معروف"([9]).

وفي غير موضع يقول بن حنبل لأبنه حينما سأله هل كان مع معروف من شئ من العلم ؟ فقال : يا بني ، كان معه رأس العلم ، خشية الله([10]).

هذا ولقد درج ثناء العلماء على معروف الكرخي إلى يومنا هذا ، ولا عجب في ذلك لما له من فيوضات ومناقب كثيرة لذا نعرض على سبيل الإيجاز بعض منها .

بعض مناقب معروف الكرخي:

من يطالع ما كتبه أهل العلم يدرك أن الكرخي كان مستجاب الدعاء ، يقول صاحب الرسالة القشيرية

"كان من المشايخ الكبار مجاب الدعوة يستشفي بقبره , يقول البغداديون : قبر معروف ترياق مجرب وهو من موالي علي بن موسي الرضا رضي الله عنه ، مات سنة مائتين ، وقيل : سنة إحدى ومائتين ، وهو أستاذ السري السقطي , فقال له يوما : إذا كانت لك حاجة إلى الله فأقسم عليه بي" ([11]).

هذا ولقد ذكر الإمام أبو بكر الرازي أنه سمع من عبدالله بن موسى العابد يقول سمعت أحمد بن عباس الشامي ، يقول " خرجت  من بغداد حاجاً ، فاستقبلني رجل في البادية ، رأيت فيه أثر العبادة فقال لي : من أين أقبلت؟  قلت : من بغداد ، رأيت فيها من الفساد ، والفسق ما خفت أن يخسف بأهلها ، فخرجت هارباً ، فقال : لا تخف فإن فيها قبور أربعة من أولياء الله ، هم خزانها من جميع البلايا قلت من هولاء الأربعة ؟ قال : أحمد بن حنبل ، ومعروف الكرخي ، وبشر بن الحارث ، ومنصور بن عمار "  ([12]).

ولعل هذا النص يرشدنا إلى أن معروفاً الكرخي كانت له مناقب بعد موته ، فما أدراك حالة عند ربه قبا موته بل إن محمد بن الحسين يقول سمعت أبي يقول :"رأيت معروفاً الكرخي في النوم بعد موته ، فقلت له : ماذا فعل الله بك ؟ فقال غفر لي فقلت بزهدك وورعك؟ فقال:لا،
بقبولي موعظة ابن السماك،ولزوم الفقر،ومحبتي للفقراء. وموعظة ابن السماك كما يحكيها الكرخي قائلاً :" كنت ماراً بالكوفة. فوقفت على رجل يقال له:ابن السماك وهو يعظ الناس...فقال في خلال كلامه من أعرض عنا لله بكلتيه أعرض الله عنه جملة ..ومن أقبل على الله بقلبه أقبل الله برحمته إليه ، وأقبل بجميع وجوه الخلق إليه، ومن كان مرة و مرة فالله يرحمه وقتاً ما....فوقع كلامه في قلبي، فأقبلت على الله تعالى ، وتركت جميع ما كنت عليه، إلا خدمة مولاي على بن موسى الرضا. وذكرت هذا الكلام لمولاي ، فقال يكفيك بهذه موعظة إن أتعظت " ([13]).

ومما سبق ذكره يتبين لنا أن الكرخي صاحب فضائل ومناقب عديدة كانت أثراً قوياً لكل من أتى من بعده لينهل من طريقه ، ويسير في مسلكه إذا أراد الوصول إلى الله تعالى ومحبته.

من أخلاق الكرخي:

1- زهدة: يقول صاحب حلية الأولياء أن أبن أخت معروف الكرخي ، قال :"قلت لخال معروف ، يا خال آراك تجيب كل من دعاك ، فقال يا بني ، إنما خالك ضيف ينزل حيث ينزل"([14]).

بل أن معروف قيل له وهو  في مرض موته أوص : فقال :"إذا مت فتصدقوا بقميصي ، فإني أريد أن أخرج من الدنيا عرياناً كما دخلتها عرياناً ، ومر معروف بسقاء ، يقول رحم الله من يشرب ، وكان صائماً فتقدم ، فشرب ، فقيل له : ألم تكن صائماً . فقال بلى ، ولكني رجوت دعائه"([15]).

وكان يكثر من قوله إن الدنيا أربعة أشياء الحال والكلام والمنام والطعام ، فالمال يطغى ، وكالكلام يلهي ، والمنام ينسي ، والطعام يسقي.

ويقول : ما أكثر الصالحين ، وأقل الصادقين في الصالحين([16]).

2- كرمه : أما عن كرم الكرخي فكبير وعظيم يقول بعض أصحابه " كنت عند معروف ، وكان قد أعد لإفطاره رغيفا وجزرة كبيرة ، قَالَ : فجاء سائل فسأله ، قَالَ : فطوى الرغيف باثنين فأعطى السائل نصفه ، وأكل هو النصف الآخر والجزرة ، قَالَ : وجاء سائل فسأل فلم يعطه شيئا ، فقال له : ادع بكذا وكذا ، دعاء علمه ، فإنه ما دعا به أحد إلا رزق ، قَالَ : فدعا به السائل فجاءه إنسان فأعطاه شيئا ([17]).

ولعل هذه النصوص وغيرها التي ذكرت في كرم الكرخي تبين لنا إيثاره للبذل والعطاء ، وكريم أصله ، وبذله المال عن طيب خاطر ، ولا شك أن هذا الكرم وزهده في الدنيا وتطلعه إلى ما عند الله.

3- خوفه : أما عن خوف الكرخي ، فيقول يحيى بن جعفر،: "رأيت معروفاً يؤذن فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله، رأيت شعر لحيته وصدغه قائماً كأنه زرع"([18]).

وقد بلغ من خوفه أنه كان يضرب نفسه ويقول يا نفسي كم تبكين؟ أخلصي تخلصي([19]) ،وكان معروف كثير المعاتبة لنفسه ويقول لها "يا مسكين ،كم تبكي وتندب ، أخلص تخلص"

والمتأمل لهذه النصوص يدرج أن الكرخي كان كثير العبادة والعمل ، ولذا نجد من كلامه : إذا أراد الله بعبد خيراً فتح عليه باب العمل ، وأغلق عند باب الجدل ، وإذا أراد به شراً فعكس ذلك"([20]) 

ولما سئل عن صومه وهو في مرض موته قال :"  كان عيسى عليه السلام يصوم كذا قال أخبرني عن صومك قال كان داود عليه السلام يصوم كذا. قال أخبرني عن صومك قال اما أنا فكنت أصبح دهري كله صائما فان دعيت إلى الطعام أكلت ولم اقل اني صائم." ([21]) 

ونلخص مما سبق أن الكرخي كان مثالاً يحتذا به لرجال التصوف السني المعتدل الذي يكون مصدره الكتاب والسنة ، وفعل النبي ، وإتباع صحابته لهذا الفعل .

مما كان له عظيم الأثر في إعتناق الكثير لسجايا الكرخي وعظيم خلقه وصفاته.

 

 

 

[1] )      راجع الطبقات للسلمي صـ 83 ، والرسالة القشيرية جـ1 صـ 60 ، وأبن خلكان جـ5 صـ 231 ، وحلية الأولياء جـ8 ص360 ، وسير أعلام النبلاء جـ9 ص339.

[2] )      تاريخ بغداد ، للخطيب البغدادي جـ13 ص201 وما بعدها تحقيق : مصطفى عبدالقادر عطا ، نشر : دار الكتب العلمية بيروت ،ط1 سنة 1417هـ

[3] )      المصدر السابق نفس الجزء ونفس الصفحة ، وقارن في ذلك : مناقب معروف الكرخي وأخباره ، تأليف : عبدالرحمن بن علي الجوزي ، صـ 50 تحقيق د/ عبدالله البوري نشر دار الكتب العلمية بدون تاريخ

[4] )    وجدير بالذكر بيان أن هذه الحكايةأول من ذكرها أبو عبدالرحمن السلمي ، في الطبقات الصوفية صـ 83 ، وتلقفها من بعده بعض المؤرخين أمثال أبن خلكان جـ5صـ 230 ، واليافعي جـ1 صـ 460 ، نقلاً عن مناقب معروف الكرخي ، أبن الجوزي صـ52.

[5] )    صفة الصفوة تأليف جمال الدين أبو الفرج الجوزي ج1 ص 469 تحقيق أحمد بن علي ، نشر : دار الحديث  القاهرة ، طـ سنة1421هـ /2000م

[6] )    حلية الأولياء جـ8 ص366 ، سير أعلام النبلاء جـ9 ص340

[7] )    الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر ، تأليف الشيخ برهان الدين ابراهيم بن علي ، ويليه النور السافر في مناقب سيدي عدي بن مسافر تأليف الشيخ الحافظ نصر بن عبدالله بن نصر العسقلاني صـ222، تحقيق أحمد فريد المزيدي ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ، بدون تاريخ.

[8] )    مناقب معروف الكرخي وأخباره ، عبد بن علي الجوزي صــ84،85

[9] )    صيد الخاطر صـ66 ، وينظر الكواكب الدرية جـ1 صـ 268

[10] )    تاريخ بغداد ، للخطيب جـ 13 صـ201

[11] )    الرسالة القشيرية جـ1 صـ42

[12] )    نقلاً عن مناقب معروف الكرخي وأخباره صـ147 ،148

[13] )    الرسالة القشيرية جـ1 صـ42، 43

[14] )    حلية الأولياء للأصفهاني جـ8 صـ364

[15] )    الرسالة القشيرية جـ1 صـ43-44

[16] )    طبقات الصوفية  عبد الرحمن السلمي صـ80-85

[17] )    نقلاً عن مناقب معروف الكرخي وأخباره ، صـ 97 - 98

[18] )    صفة الصفوة جـ2 صـ320

[19] )    سيرأعلام النبلاء جـ 9 صـ 341 ، وحلية الأولياء جـ8 صـ 362

[20] )    نقلاً عن التعرف للكلاباذي صـ 25 ، دار المقطم للطباعة ط سنة 2016م

[21] )    تاريخ بغداد جـ13 صـ202

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة