ذو النون المصري (ت 245هـ)

شخصيات صوفية

 ذو النون المصري (ت 245هـ)

 

أسمه ونسبه ومولده

ثوبان بن إبراهيم ، يكنى "أبو الفيض" المصري الإخميمي ولقبه"ذو النون" ولد في أخميم في مصر لعام 179هـ الموافق 796م ، وقبل عام 155هـ الموافق 771هم ، ورغم اختلاف المصادر حول تاريخ مولده ، ووفاته ، إلا أنها تكاد تجمع على أصله النوبي ، حيث كان أبو إبراهيم نوبياً نزل بإخميم وأقام بها فنسب إليها ، وكان عبداً اعتقته  قبيلة قريش ، فأصبح موالي لها . وذكر الخطيب البغدادي صاحب "تاريخ بغداد" أن أباه كان مولى لإسحق بن محمد الأنصاري ، وكان له ثلاثة أخوة هم : ذو الكفل ، عبدالباري ، والأهيع.

أما لقبه الذي أشتهر به وهو ذو النون "فيعي صاحب الحوت" وقد لقب به لإحدى كرماته حيث كان يسير ذات يوم على شاطئ النيل فوجد سيدة تبكي بشدة وجزع ، فسألها عما يبكيها فقالت إن ولدها أبتلعه الحوت فلما رأى ذو النون حرقتها على ولدها صلى ركعتين ثم دعا الله أن يظهر الحوت فخرج إليه فشق جوفه وأخرج ولدها حياً سليماً" ([1])    

والمتأمل لحديث لقبه الذي أشتهر به أن أخذناه على صحته ، وعدم تكرانه ، فهو دلاالته على حسن صلته بربه.

أما عن وفاته فقد توفى سنة 245 هـ ، الموافق 859م.

ثناء العلماء على ذي النون المصري

يقول أبو نعيم الأصبهاني في "حلية ألأولياء " عن ذي النون المصري بأنه العلم المضي الحكم المرضي الناطق بالحقائق، الفائق للطرائق، ذو العبارات الوثيقة، والإشارات الدقيقة ، نظر فعبر ، وذكر فازدجر ابو الفيض ([2]).

ومن ثم فالأصفهاني يرفع من شأن ذي النون المصري  في علمه ، وقوله ، وفعله.

ويؤكد على هذا ابن خلكان في وفيات الأعيان فيقول "كان أوحد وقته علماً ، وورعاً ، وحالاً ، وأدباً ، وهو معدود من جملة من دوي الموطأ عن الإمام مالك" ([3]).

ولذلك عده صاحب "سير أعلام النبلاء " فإنه شيخ الديار المصرية ، وفي غير موضع يقول عنه في العبر في خبر من عبر"ذو النون المصري الزاهد أحد مشايخ الطريق ، له مواعظ نافعة وكلام رفيع"([4]).

وقال عنه السلمي : ذو النون هو أول من تكلم في بلده في ترتيب الأحوال ومقامات الأولياء.

ولا يخفى على المتأمل لأقوال العلماء وثنائهم على ذي النون المصري ، أنه قد أحتل مكانة كبيرة بين أقرانه ، ومعاصريه فجاء طيب ذكره على ألسنة ممن جاء من بعده من ألأئمة والعلماء لكثرة علمه وعظيم خلقه.

المحبة الإلهية عند زي النون المصري

لا شك أن ما دار حول ذي النون المصري من دلائل تدل على كرماته ، وخوارق عادته ، فهي ننسب إلى شخصية لها ارتباط وثيق بالمحبة الإلهية.

ويعلل الدكتور أبو العلا العفيفي على هذا فيقول :"وأسلوب ذي النون في المحبة الإلهية أسلوب قوي متأجج العاطفة لا هو بالأسلوب الهادي المنبعث رأساً من تعاليم الدين كأسلوب المحاسبي ، ولا هو بالأسلوب الميتافيزيقي الغامض المتغلغل في أعماق التحليل الصوفي كأسلوب الجنيد ، بل هو أسلوب واضح رقيق جميل  تغلب عليه الشاعرية ، وتتدفق في العاطفة الدينية ولهذا كانت أقواله في المحبة الإلاهية ، أبلغ أثراً في أوساط الصوفية من أقوال غيره.

وقد يقال إن في بعض ما أثر عنه من أقوال في المحبة الإلهية نفحة من نفحات وجدة الوجود ، لأنه لا يرى في الوجود شيئاً إلا رأى الله فيه ، ولكن القول بوجود نظرية في وحدة الوجود في هذا العصر المبكر من عصور التصوف مبالغة لا مبرر لها ، والأولى أن توصف أقوال أمثال ذي النون المصري والجنيد – بل وأبي يزيد البسطامي  - بأنها نفثات قلوب فاضت بالمحبة الإلهية ، واستبدت بها وحدة الشهود لا وحدة الوجود"  ([5]).

وعلى هذا فالدكتور أبو العلا العفيفي يرجع المحبة الإلهية عند ذي النون المصري إلى أسلوبه المفعم بالشاعرية ، والعاطفة الدينية ، ولسنا جاءت أقواله الصوفية أكثر أثراً في هذه المحبة .

بل ولا ينسى الدكتور العفيفي أن يبعد عن ذي النون وحدة الوجود الفلسفية إن كان هناك ثمة إتفاق في وحدة الوجود .

ولذا فهو يري أن ألفضل أن يوصف تصوف  ذي النون المصري بالخواطر القلبية المفعمة بالمحبة الإلهية.

ولعله أستسقى هذه النتيجة لما رأى من قول ذي النون في هذا فيما ينقله صاحب حلية الأولياء فيقول ذي النون في أحد أدعيته:" إلهي ما أصغي إلى صوت حيوان , ولا حفيف شجر , ولا خرير ماء , ولا ترنم طائر , ولا دوي ريح , ولا قعقعة رعد , إلا وجدتها شاهدة بوحدانيتك دالة على أنه ليس كمثلك شيئ وأنك غالب لا تغلب ، وعالم لا تجهل ، وحليم لا تسفه ، وعدل لا تجوز ، وصادق لا تكذب إلهي فإني اعترف لك اللهم بما دل عليه صنعك ، وشهد لك فعلك ، فهب لي اللهم طلب رضاك برضاي ومسرة الوالد لولده يذكرك لمحبتي لك ، ووقار الطمأنينة وتطلب العزيمة إليك لأن من لم يشبعه الولوع باسمك ، ولم يروه من ظمائه ورود غدران ذكرك ، ولم ينسه جميع الهموم رضاه عنك ، ولم يلهه عن جميع الملاهي تعداد آلائك ، ولم يقطعه عن الأنس بغيرك مكنه منك كانت حياته ميتة وميتته حسرة ، وسروره غصة ، وأنسه وحشة"([6]).

ولا شك أن ما نقله صاحب الحلية عن دعاء ذي النون المصري يدلنه في وضوح على ظهور المحبة الإلهية التي تأثر بها ذي النون فظهرت في ثنايا قوله ، بل إنك لتجد فيها العمق الذوقي واضحاً.

  ويرى ذي النون المصري أن الأساس لهذا الحب الإلهي لابد من قيامه على الكتاب والسنة فيقول "من علامات المحب لله عز وجل متابعة حبيب الله صلى الله عليه وسلم في أخلاقه ، وأفعاله، وأوامره ، وسنته، بل سئل ذو النون عن السفلة فقال "من لا يعرف الطريق إلى الله ولا يتعرفه" ([7]).

من أقوال ذي النون المصري

هذا ولقد كان لذي النون المصري أقوالاً أشتهر بها نتذكر منها كما جاء في رسالته صفة المؤمن والمؤمنة  فتراه يقول صفة المؤمن " ﺑﺸﺮﻩ ﻓﻰ ﻭﺟﻬﻪ ﻭﺣﺰﻧﻪ ﻓﻰ ﻗﻠﺒﻪ

 ﺃﻭﺳﻊ ﺷﺊ صدرآ ﻭﺃﺧﻔﻲ ﺷﺊ ﻧﻔﺴﺎ

ﺯﺍﺟﺮ ﻋﻦ ﻛﻞ آفة ﺁﻣﺮ حاضر على كل حسن

 ﻻﺣﻘﻮﺩ ﻭلاﺣﺴﻮﺩ

ولا وثاب  ﻭﻻﺳﺒﺎﺏ

 ﻭلاﻋﻴﺎﺏ ولا مغتاب"

هذا ولقد استرسل ذي النون في ذكر صفة المؤمن في معاني كثيرة ذكرنا بعضعا على سبيل المثال ، ثم تراه يذكر كذلك صفة المؤمنة نذكر منها كذلك كما ينص وهو منقول:

ناظرة في عيبها ,مفكرة في ذنبها ,مقبلة على ربها. 

خفي صوتها,كثير صمتها. 

لينة الجناح,عفيفة اللسان. 

ظاهرة الحياد ،ورعة عن الخناء

واسعة الصدر,عظيمة الصبر. ([8]).

وكذلك ينقل صاحب الحلية بعض أقوال ذي النون :"يقول ذي النون قال: "الأنس بالله نور ساطع، والأنس بالناس غم واقع".


"قيل لذي النون: ما الأنس بالله؟ قال: العِلْم والقرآن".

وقال: تنال المعرفة بثلاث

  • بالنظر في الأمور كيف ديرها.

  • وفي المقادير كيف قدرها

  • وفي الخلائق كيف خلقها([9]).

وسئل ذي النون عن المحبة فقال : أن تجب ما أحب الله ، وتبغض ما أبغض الله ، وتفعل الخير كله ، وترفض كل ما يشغل عن الله ، وأن لا تخاف في الله لومة لائم ، مع العطف لمؤمنين والغلظة للكافرين ، وإتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين ([10]).

ويحكي بن عساكر في (تاريخ دمشق) أن ذو النون كان يقول "الدرجات التي عمل لها أبناء الآخرة سبع درجات أوها التوبة ، ثم الخوف ، ثم الزهد ، ثم الشوق ، ثم الرضا ، ثم الحب ، ثم المعرفة ، ثم قال بالتوبة تطهروا من الذنوب ، وباخوف جازوا قناطر النار، وبازهد تخففوا من الدنيا وتركوها ، وبالشوق  استوجبوا المزيد ، وبالرضا استعجلوا لاراحة ، وبالحب عقلوا النعم ، وبالمعرفة وصلوا إلى الأمل"([11]).

والحق أن المتفطن لأقوال ذي النون المصري يرى فيها رسائل غامرة تفيض بحب الله تعالى.

هذا الحب الذي وجد في قلبه ، قبل أن يوجد على لسانه ، ولا يزال هذا الحب  باقٍ ببقا ءالروح ، ومن ثم فمحبته  لله محبة متجددة ، وهي تتمثل في الأنس بالله.

ولذا تراه يقول :

 

الأنس بالله نور ساطع :-: والأنس بالخلق غم واقع

 

[1] )    راجع الاعلام للزركلي جـ11 صـ 532 ، حلية الأولياء للأصفهاني  جـ9 صـ331 ، ذو النون المصري رائد التصوف الإسلامي د/ مصطفى النشار صـ 21 دار قباء للنشر سنة 2006

[2] )   حلية الأولياء للأصبهاني  جـ9 صـ331

[3] )    وفيات الأعيان ابن خلكان حـ1 صـ315

[4] )    سير أعلام النبلاء للذهبي حـ11 صـ532 وقارن في ذلك ، العبر في خير من غبر للذهبي جـ1 صـ 350 تحقيق أبو هاجر محمد السعيد نشر دار الكتب العلمية – بيروت – بدون تاريخ

[5] )    التصوف الثورة الروحية في الإسلام ، د/ أبو العلا عفيف صـ225 ، نشر مكتبة الأسرة الهيئة العامة المصرية للكتاب سنة 2013م.

[6] )     حلية الأولياء للأصبهاني  جـ9 صــ342

[7] )   نقلاً عن : معالم التصوف الإسلامي تأليف أ.د/ محمد شحاته إبراهيم ، أ.د/ محمد قمر الدولة صـــ298،299، دار الشروق للطباعة طـ سنة 1439 -2018م

[8] )    صفة المؤمن والمؤمنة لذي النون المصري صـ19-30 اعتنى به رمزي سعد الدين دمشقية ، دار البشاير الإسلامية للطباعة والنشر ط سنة 1423، 2002م

[9] )     حلية الأولياء للأصبهاني  جـ9 صـ 377 ، 339

[10] )     حلية الأولياء للأصبهاني  جـ9 صـ 394

[11] )     تاريخ دمشق ز ابن عساكر جـ17 صـ416 تحقيق عمرو بن غرامة ، دار الفكر للطباعة والنشر ، سنة 1415هـ /1995م

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة