الحارث المحاسبي (ت 243هـ)

شخصيات صوفية

الحارث المحاسبي (ت 243هـ)

 

أسمه ونسبه ومولده:

 الحارث بن أسد عبدالله المحاسبي البصري ، وكنيته أبو عبد الله ولد المحاسبي في البصرة بالعراق عام 165هـ تقريباً (781م)

وكان المحاسبي من علماء مشايخ القوم بعلوم الظاهر ، وعلوم المعاملات والإشارات ، له التصانيف المشهورة ، منها كتاب الرعاية لحقوق الله ، وغيره مثل كتاب التوهم ، وكتاب الوصايا.

وقد ذكر السبكي في طبقاته أن المحاسبي من رجال الطبقة الأولى فيمن عاصر الشافعي .

وقد قال جمع من الصوفية إن كتبه تبلغ مأتي مصنف،   وهو بصري الأصل ، وكنه قضي جل حياته ببغداد ، وتوفي بها عام 243هـ ([1]).

 

مكانته وثناء العلماء عليه:

لقد نال المحاسبي من حديث العلماء وثنائهم عليه حظاً كبيراً  لذا تر صاحب الحلية يقول عنه " كان لألوان الحق مشاهدا ومراقبا ولآثار الرسول عليه السلام مساعدا ومصاحبا، تصانيفه مدونة مسطورة وأقواله مبوبة مشهورة وأحواله مصححة مذكورة كان في علم الأصول راسخا وراجحا وعن الخوض، في الفضول جافيا وجانحا وللمخالفين الزائغين قامعا وناطحا وللمريدين والمنيبين قابلا وناصحا وقيل: إن فعل ذوي العقول الأخذ بالأصول والترك للمفضول واختيار ما اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم"([2]).

فلقد وصفه صاحب الحلية في هذا القول بكل صفات تحمل في طياتها مجامع الخير ، وتنفر من رزائل الشر.

ويقول الذهبي "الحارث المحاسبي من الزهاد العارفين ، شيخ الصوفية ، صاحب التصانيف الزهدية ، وله تصانيف للرد على المخالفين من المعتزلة ، والرافضة ، وغيرها ، وكتبة كثيرة الفوائد ، جمة المنافع "([3]).

أما صاحب التذكرة ، فيقول عن المحاسبي " هو سيد الأولياء  ، وعمدة الأتقياء ، هو حاتم ذوي المناقب ، شيخ العالم الحارث المحاسبي –رحمة الله- كان من علماء المشايخ ، وكان مقبول الرأي في العلوم الظاهرة ، والباطنة ، وفي المعاملات ، والإشارات ، وكان مرجع أولياء عصره في كل فن ،... وله هامة عالية جداً ، وكان عظيماً وله سخاوة ومروءة عجيبة ، وكان شيخ مشايخ بغداد في عصره ، وصل في المجاهدة ، والمشاهدة إلى أقصى غاية ، واجتهد في الطريقة "([4]).

أما صاحب التعرف فيجعله ضمن من أبدع في تصانيف المعاملات فيقول بعد أن يعد المحاسبي ضمن من يذكرهم " وهؤلاء هم الأعلام المذكورون المشهورون بالفضل الذين جمعوا علوم المواريث إلى علوم الاكتساب .

سمعوا الحديث وجمعوا الفقه والكلام ، واللغة ، وعلم القرآن تشهد بذلك كتبهم ومصنافاتهم "([5]).

ومما تجدد ملاحظته من ثناء العلماء  على المحاسبي نجد أنه قد جمع بين العلم ، والعمل – أخلاق الصوفية .

أما عن علمه فلكثرة تصانيفه ، ومؤلفاته ، وتعدادها في شتى فنون العلوم ، وهذا على عكس غرار سابقيه ممن عبروا الطريق -الصوفي-ووصلوا إلى الرفيق.

وأما عن عمله وخلقه ، فما ورد عن آثره.

وهنا يجمع المحاسبي بين العلم والعمل في مجال التصوف الإسلامي ليبرهن أن المتصوفة ما كان يستأثر بهم على حساب جانب آخر بين هذا وذاك.

 

حال المحاسبي مع التصوف

أولاً :زهده وورعة: روي أبو النعيم في الحلية بسنده عن الجنيد قال : كنت كثيراً أقول للحارث :" عزلتي أنسي ، وتخرجني إلى وحشة رؤية الناس والطرقات ؟ فيقول لي : " كم تقول لي أنسي في عزلتي ؟ لو أن نصف الخلق تقربوا مني ما وجدت بهم أنسا ، ولو أن النصف الآخر نأى عني ما استوحشت لبعدهم "

ويقول الجنيد : مات أبو الحارث المحاسبي وإن الحارث لمحتاج إلى دانق فضة ، وخلف أبوه مالا كثيرا ، وما أخذ منه حبة واحدة"([6]).

وعن إسحاق بن الإمام ، قال : سألت الحارث بن أسد المحاسبي : ما تفسير "خير الرزق ما يكفي " ؟ قال : " هو قوت يوم بيوم ، ولا تهتم لرزق غد".

وعن جنيد قال سمعت الحارث المحاسبي يقول: "فقدنا ثلاثة أشياء لا نكاد نجدها إلى الممات:حسن الوجه مع الصيانة،وحسن القول مع الديانة،وحسن الإخاء مع الأمانة " ([7]).

 وكذا يقول صاحب القشيرية"أن أبا علي الدقاق كان يقول سمعت المحاسبي يقول: إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة، ضرب على رأس أصبعه عرق فيعلم أنه غير حلال"([8]).

ولقد أذاد المحاسبي في كتاب الوصايا إلى معنى الزهد فقال لما سئل عنه" أختلف الناس في معنى الزهد.

قلت : إنما الجواب عندك؟

قال : هو العزوف عن الدنيا ولذاتها وشهواتها.

قلت: وما معنى العزوف ؟

قال : انصراف النفس

قلت : ما معنى انصراف النفس ؟

هو أن تميل إلى ما دعا الله عز وجل إليه بنسيان ما وقع بها من طباعها..

قلت : اكتشف لي عن هذا ، وزدني في شرح البيان ، لأعرف معنى قولك في الزهد.

قال : الزهد هو:الترك والقلى والبغض ، قال الله عز وجل "وما ودعك ربك وما قلى" أي ما تركك ربك وأبغضك ، ويتفاوت الناس في ترك الدنيا "([9]).

ولما سئل عن الورع أجاب قائلاً "وقوف القلب عند هجومه للفعل ، حتى يفرق بين الحق والباطل "([10]).

ثانياً :محاسبة النفس: سئل المحاسبي وقيل له رحمك الله ، ما معنى المحاسبة؟

فقال : قيام العقل عن حراسة النفوس من خيانتها لتتفقد منها زيادتها من نقصانها.

قلت: زدني في شرح البيان في المحاسبة أجلى من هذا

قال : تقدم بين يدي كل فعل تفعله لم ؟ ولمن ؟ ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻀﻴﺖ ﻓﻴﻪ ، ﻭ ﺍﻥ ﻛﺎﻥ ﻟﻐﻴﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻣﺘﻨﻌﺖ ﻋﻨﻪ ، ﻭ ﻟﻤﺖ ﻧﻔﺴﻚ ﻋﻠﻰ ﺍﺷﺎﺭﺗﻬﺎ ﺍﻟﻰ ﺭﻭﺡ ﺩﻭﺍﻋﻰ ﺍﻟﻬﻮﻯ ﻭ ﻋﺎﻗﺒﺘﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ، ﻭ ﺃﺛﺒﺖ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺟﻬﻠﻬﺎ ، ﻭﺑﻴﻨﺖ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻓﻀﻴﺤﺘﻬﺎ ، ﻭ ﻋﺮﻓﺖ ﺍﻧﻬﺎ ﻋﺪﻭﺓ ﻟﻚ ، ﻟﺴﻮﺀ ﻓﻌﻠﻬﺎ ،ﻭﻣﺎ ﺩﻋﺘﻚ ﺍﻟﻰ ﻣﺎ ﻳﻘﻄﻌﻚ ﻋﻦ ﺧﺎﻟﻘﻬﺎ.

ﻗﻠﺖ : ﻓﻤﻦ ﺃﻳﻦ ﻣﺨﺮﺝ ﺍﻟﻤﺤﺎﺳﺒﺔ ؟

ﻗﺎﻝ : ﻣﻦ ﻣﺨﺎﻭﻑ ﺍﻟﻨﻘﺺ ، ﻭ ﺷﻴﻦ ﺍﻟﺒﺨﺲ ، ﻭ ﺍﻟﺮﻏﺒﺔ ﻓﻰ ﺯﻳﺎﺩﺓ ﺍﻻﺭﺑﺎﺡ ، ﻷﻥ ﺍﻟﺸﺮﻳﻚ ﺍﻧﻤﺎ ﻳﺤﺎﺳﺐ ﺷﺮﻳﻜﻪ ﻣﺨﺎﻓﺔ ﺍﻟﺒﺨﺲ ﻭ ﺍﻟﺨﺴﺮﺍﻥ ﻭﺍﻣﻞ ﺭﺟﺎﺀ ﻛﺜﺮﺓ ﺍﻻﺭﺑﺎﺡ ﻭ ﻛﺜﺮﺓ ﺯﻳﺎﺩﺓ ﺍﻟﺒﻀﺎﻋﺔ"([11]).

بل ويفيض المحاسبي في هذا النص في كتابة المذكور آنفاً لبيان مقام المحاسبة ، وما تقوم عليه ، بل ويسترشد بقول عمر بن الخطاب في قوله حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم .

ثالثاً : المحبة الإلهية : أفرد المحاسبي للمجبة الإلهية  رسالة عنوانها "في المحبة" ذكر صاحب الحلية بعض منها قائلاً على لسان المحاسبي رداً على سؤال سآله بعض أصدقائه فقال " هي حب الإيمان : وذلك أن الله تعالى قد شهد للمؤمنين بالحب فقال «والذين آمنوا أشدّ حباً لله، فنور الشوق من نور المحبة، وزيادته من حب الوداد. فإذا أسرج الله ذلك السراج في قلب عبد من عباده لم يتوهج في فجاج القلب إلا استضاء به وليس يطفئ ذلك السراج إلا النظر إلى الأعمال بعين الأمان ، فإذا أمن على العمل من عدوه لم يجد لإظهاره وحشة السلب فيحل العجب وتشرد النفس مع الدعوى ، وتحل العقوبات من المولى ، وحقيق على من أودعه الله وديعة من حبه فدفع عنان نفسه إلى سلطان الأمان أن يسرع به السلب إلى الافتقاد"([12]).

ويعلق الدكتورابو العلا عفيف على هذا النص فيقول "تظهر مسحة ملامتية واضحة في هذا الشطر الأخير من عبارة المحاسبي ، لأن من أهم أصول الملامتية عدم الأطمئنان إلى الأعمال منها عظمت  وبلغت من الصلاح ، لأن الشعور بلأمان وحسن الظن بالأعمال يولد في النفس العجب ، ويدفعها إلى الدعوى([13]).

ويزيد المحاسبي قوله في المجبة الإلهية في الوصايا فيبين علامة  جب الله للعبد لما يسأل عن هذا فيقول " سألت عن علم رصين ، وخطر جسيم ، غاب عن كثير من أهل العلم فهمه ، نعم يا يا فتى ، إن علامة محبة الله عز وجل للعبد : أن يتولى سياسة همومه ، فتكون جميع همومه هو عز وجل، المسير لها ، فهى الهموم التى لا تعترض عليها حوادث القواطع، ولا سبيل لها إلى التوفيق، فأخلاقه على السماحة ، وجوارحه على الموافقة تصرخ به ، وتعثه بالزجر والتهديد "([14]).

وصاحب القشيرية يحكى قول المحاسبي في المحبة بأنه " ميلك إلى الشيء بكليتك محبة له ، ثم إيثارك له على نفسك ومالك ، ثم موافقتك له شرا وجهرا ، ثم علمك بتقصيرك في حبه "([15]).

ولا شك أن هذه الأقوال في تسبتها للمحاسبي ، بيان على محبته الصادقة لله قولاً وعملاً.

قولاً لبيان الطريق لخلفه من بعده لقصد هذه المحبة وعملاً لرفع منزلته حتى يلقي القبول من ربه .

رابعاً : التوبة : ولما سئل عن بداية الطريق إلى الله عز وجل  قال : الرجوع إلى الله تعالى ، من حيث أراد الله.

قال : التوبة يا فتى ، كما قال سعيد بن جبير في قول عز وجل "فإنه كان للأولين غفور قال يعني الراجعين إلى الله عز وجل قلت : وما معنى التوبة ؟

قال : الندم على ما كان من الفعل القبيح ، والعزم على أن تعود إلى ما كنت عليه من حال الإصرار على العقود ، والفزع من إلى عارض داعي الذنب ، لأن الله عز وجل يقول "ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون" ([16]).

ونستطيع مما سبق ذكره عند المحاسبي أن نقول أنه كان صاحب علم غزير ، ولهذا أعجب الغزالي (ت 505هـ) مع مكانته وقدره بالمحاسبي شيخه وقدره حق قدره ، وقد اطلع الغزالي على مصنفات المحاسبي وقرأها ، ويستشهد  من نصوصها كثيراً  في مؤلفه إحياء علوم الدين .

ولعل هذا ما يسمى بالتأثر والتأثير بين العلمين الكبيرين المحاسبي والغزالي في كونهما متصوفين.

بل إنك تجد شخصية المحاسبي توبة فهو صاحب عبقرية خلاقة ، وهو رجل صريح كما يحكي صاحب الحلية عن الجنيد إذ يقول :" كم تقول أنسي وعزلتي، لو أن نصف الخلق تقربوا مني ما وجدتُ بهم أناساً، ولو أن نصف الخلقالآخرانى علي ما استوحشت لبعدهم" ([17]).

ومن ثم كان المحاسبي أعظم صوفي في القرن الثالث الهجري ، واستاذ الغزالي في معالجة المسائل الصوفية وعرضها وتحليلها ، وتعميق معانيها، والربط بينهما وبين المعاني الدينية الإسلامية ([18]).

 

[1] )     طبقات الصوفية للسلمي جـ 1 صـ58 ، الأعلام للذركلي جـ2 صـ153

[2] )     حلية الأولياء للأصبهاني جـ10 صـ73، 74

[3] )     سير أعلام النبلاء ، جـ 2 صـ153

[4] )     تذكرة الأولياء : فريد الدين العطار ، جـ،1 صـ469 ، ترجمة د/ منال اليمني طبعة 2006م ، نقلاً عن معالم التصوف الإسلامي.

[5] )     التعرف : للكلاباذي صـ31-33

[6] )     حلية الأولياء للأصبهاني  جـ10صـ 75

[7] )     المصدر السابق : نفس الصفحة

[8] )     الرسالة القشيرية جـ 1 صـ 235

[9] )     الوصايا للمحاسبي صــ238 ،239 تحقيق : عبد القادر أحمد عطا دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان : ط1 سنة 1406 هـ /1986

[10] )     المصدر السابق : صـ 

[11] )     الوصايا ، للمحاسبي  صـ 229

[12] )     حلية الأولياء جـ10 صـ76 

[13] )     التصوف والثورة الروحية في الإسلام د / ابو العلا عفيف صـ 217 

[14] )     الوصايا المحاسبي صـ 305 

[15] )     القشيرية جـ2 صـ490 

[16] )     الوصايا للمحاسبي صـ222، 223  

[17] )       الحلية ، جـ 10 صـ74  

[18] )       التصوف والثورة الروحية في الإسلام د / ابو العلا عفيفي صـ 216

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة