ابو اليزيد البسطامي (ت261 هـ)

شخصيات صوفية

ابو اليزيد البسطامي (ت261 هـ)

 

 

 

أبو يزيد طيفور بن عيسى بن شروسان البِسطامِي، يلقب بـ "سلطان العارفين" اسمه الفارسي "بايزيد" كما عرف كذلك باسم طيفور، كان جده شروسان مجوسيًا وأسلم، وله. ولد سنة 188 هـ في بسطام في بلاد خراسان في محلة يقال لها محلة موبدان.

ويقول صاحب طبقات الصوفية "كان له لأخوان آدم وعلي وكانوا جميعاً زهاداً عباداً أرباب أحوال "([1]).

ويحكي الدكتور عبد الحليم محمود – رحمه الله – عن والد شيخ العارفين نشأته فيقول "نشأ هذا الوالد على الورع ، وشب على التقوى ، وكيف حياته منذ البداية على قواعد الدين ، وحينما أحب أن يتزوج كان لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم شعاره الذي تشبع به [تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك]..

وقد كانت هذه الأم ذات أثر كبير على ابي يزيد وهو يتحدث عنها في إجلال وإكبار شأن هؤلاء الصالحين الذين قرع أساؤهم، وملاء قلوبهم قول الله تعالى [وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا]

وأخلص  أبو يزيد في بره لأمه ، ولعل فيوضات الله على أبي يزيد يرجع الكثير من عواملها لبره لأمه ، فإن الجنة جنة الدنيا ، وجنة الآخرة ، وجنة المعرفة ، وجنة السعادة تحت أقدام الأمهات... أما عن حياة أبي يزيد في بواكيرها الأولى فإننا لا نكاد نعلم عنها شيئاً ، ولكن فطانة ، ونبهاته ، وعبادته كانت لا نكاد نعلم عنها شيئاً " ([2]).

هذا ولقد استرسل الدكتور عبد الحليم محمود  حول نشأة أبي يزيد البسطامي التي كان لها أثر كبيراً في تكوين شخصيته بين آقرانه ، وعلماء عصره.

لكن الحق أننا نقف في هذه الصحيفات بإذاء شخصية كان لها أثراً كبيراً في مجال التصوف في القن الثالث هجري.

أما عن وفاته  فلم يكم لأحد علم بوفاته إلا أنه كان أشاد إلى بعض تلاميذه  جاء لزيارته وأراد أن ينصرف إلى قريته فإستأذن على الخروج فقال له : لا تمشي حتى تصلي الجنازة ، ولم يكن يعلم لارجل ما تلك الجنازة : إلا أنه علم صدق قوله ، فلم يستخبره علمها، فلما أصبح كانت الجنازة جنازة       أبي يزيد رضي الله عنه ويقولون  مات سنة إحدى وستين ومائتين عن ثلاث وسبعين سنة "([3]).

من أقوال البسطامي في التصوف

عن أبي موسى , ، عن أبي يزيد البسطامي ، قال : " ليس العجب من حبي لك وأنا عبد فقير , إنما العجب من حبك لي وأنت ملك قدير "

أما إبراهيم الهروي ، يقول : سمعت أبا يزيد البسطامي ، يقول : " غلطت في ابتدائي في أربعة أشياء : توهمت أني أذكره وأعرفه وأحبه وأطلبه فلما انتهيت رأيت ذكره سبق ذكري ، ومعرفته سبقت معرفتي , ومحبته أقدم من محبتي , وطلبه لي أولا حتى طلبته " .

ويقول يحيى بن معاذ يقول : قال أبو يزيد البسطامي : " لم أزل أجول في ميدان التوحيد حتى خرجت إلى دار التفريد ، ثم لم أزل أجول في دار التفريد حتى خرجت إلى الديمومية ، فشربت بكأسه شربة لا أظمأن من ذكره بعدها أبدا"([4]).

فهذه العبارت التي أشار إليها صاحب الحلية تظهر قول البسطامي في المحبة الإلهية.

أما صاحب القشيرية فنقل عن أبي يزيد البسطامي قوله "المحبة استقلال الكثير من نفسك، واستكثار القليل من حبيبك "([5]).

ولما سئل البسطامي عن علامة العارف تراه يقول :"ألا يفتر من ذكره ولا يمل من حقه ، ولا يستأنس بغيره

وقال ابو اليزيد: إن الله تعالى أمر العباد ونهاهم فأطاعوه فخلع عليهم خلعة ، فاشتغلوا بالخلع عنه، ةأني لا أريد من الله إلا الله "([6]).

ولا يخفى على المتأمل لكل ما سبق ذكره من نصوص عند أبي يزيد البسطامي أنها تنفث عن شعور  داخلي له على وفق تنسق القرآن الكريم يقول شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود " ولأبي اليزيد كلمات في غاية الجمال والنفاسة تعبر عن شعور الحب عنده متمشية مع الجوهر القرآني الكريم إنه يقول " لا يكون العبد محباً لخالقه حتى يبذل نفسه في مرضاته سراً وعلانية ً؛ فيعلم الله من قلبه أنه لا يريد إلا هو ، وقال : من أراده وفقه ، ومن أحبه قربه ".

ويقول البسطامي:

حبك فرض كيف لي بأدائه :: ولست لفرض ما حييت بتارك.

ويقول – وكأنه في ذلك يشرح القرآن :"   أطلب هواه فى خلاف هواك ومحبته فى بغض نفسك فإنه معروف عند مخالفة الهوى محبوب عند بغض النفس "([7]).

ويتحدث ابو يزيد عن الكرمات من حيث تتصدر من أسماء الله سبحانه وتعالى فيقول :

حظوظ كرامات الأولياء على اختلافها تكون من أربعة أسماء:

الأول والآخر والظاهر والباطن، وكل فريق له منها اسم، فمن فني عنها بعد ملابستها فهو الكامل التام- فأصحاب اسمه الظاهر يلاحظون عجائب قدرته، - وأصحاب اسمه الباطن يلاحظون ما يجري في السرائر - وأصحاب اسمه الأول شغلهم بما سبق، - وأصحاب اسمه الآخر متربصون بما يستقبلهم. فكيف يكاشف على قدر طاقته إلا من تولى الحق تعالى تدبيره"([8]).

ومن كلامه في الكرمات كذلك قوله "  نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يرفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة " وقال : "إذا وقفت بين يدي الله يَك فاجعل نفسك كأنك مجوسي تريد أن تقطع الزنار بين يديه"([9]).

ولا يغفل البسطامي عن إبراز جانب الخوف في تصوفه فتراه يقول:" هذا فرحي بك وأنا أخافك، فكيف فرحي بك إذا أمنتك "

ويقول "رب أفهمني عنك فإني لا أفهم عنك إلا بك"([10]).

وهكذا نجد البسطامي تترد عباراته في الزهد والورع، والخوف والمحبة ، وزسائر ما يعتري المتصوفين من أحوال ومقامات.

هذه العباراد التب تتردد على ألسنة المؤرخين ، وجل العلماء من بعده في حقل التصوف والصوفية.

 

موقف العلماء من البسطامي

كان من أقران البسطامي ومعاصريه عدد كبير من متصوفة القرن الثالث الهجري ، كانت وبينه وبينهم لقاءات ومطارحات منهم شقيق البلخي ، وذو النون المصري ، والجنيد ، وغيرهم ، وقد تأثر به الشبلي ، وامتدحه الحلاج وقال عنه ابن عربي : إنه كان قطب الغوث في زمانه ، وشهد السهروردي بولايته في المطارحات"([11])..

غير أن الباحثين من أبي يزيد قد أختلف اختلافاً بيننا ، فالبعض يرى من قوله وحاله  ، أنه الزاهد العابد المحب ، الصوفي الملتزم بأوامر الدين وحدود الشرع يصحح باطنه بالمراقبة والأخلاص ، ويزين ظاهره بالكتاب والسنة.

بينما يرى البعض الآخر أن ما روي عنه من أخبار وأقوال تخرجه عن دائرة الإلتزام بالأحكام الشرعية ، والنظرة السنية الخالصة ، بل وتدخله في دائرة الغلو والإنحراف الفكري المتمثل في دعوته إلى ما يشبه الحلول مثل قوله سبحاني ما أعظ شاني... وغير ذلك .

والحق أن أبا يزيد البسطامي قد ظهر في أقواله ما يدل على تصوفه الإسلامي السني ، وقد بد هذا  واضحاً في زهدة ، وخوفه ، ومحبته لله ، وما ذكرناه آنقا من أقوال تنسب إلى البسطامي تؤكد وجهة نظر القائلين بتصوفه السني .

أما ما ينسب له من شحطات إلى ما يشبه دعوته إلى الحلول وذلك مثل قوله ما أعظم شآني ، وقوله ، لإني أنا الله لا إله إلا انا فاعبدني ، وقوله جزت بحراً وقف الأنبياء عند سواحله مما يدل على فكرته في الفناء .

فلعنا نستشهد بما ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين في دفاعه عن البسطامي إذ يقول " وأما أبو يزيد البسطامي رحمه الله فلا يصح عنه ما يحكى وإن سمع ذلك منه فلعله كان يحكيه عن الله عز و جل في كلام يردده في نفسه كما لو سمع وهو يقول إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني فإنه ما كان ينبغي أن يفهم منه ذلك إلا على سبيل الحكاية " ([12]).

وعلى هذا فالإمام الغزالي بكونه متصوفاً يرد وصمة ما يسميه البعض شطحات عن البسطامي ؛ وذلك لأن قول الرجل وما صح عنه من ذكر يبعده عن هذا ، ولو كان على سبيل الفرض ذكر البسطامي مثل هذه الأقوال فهي لم تصدر منه إلا على سبيل الحكاية عند رب العالمين.

وحينما يصفه بعض الباحثين بمثل هذه الشطحات كما يقول الدكتور / أبو العلا عفيفي " إن ابا يزيد البسطامي يمثل نزعة غالية لا نستطيع أن نصفها بأنها سنية خالصة .

فقد كان هذا الصوفي  الواردث الحقيقي للعقلية الإيرانية القديمة ، ةولذا تجاوز تصوفه الحدود السنية التي ذكرنها ، وكاد يقول  بوحدة الوجود التي لا يمكن التوفيق بينها ، وبين الفكرة الإسلامية في توحيد الله "([13])..

هذا النص يبقى من وجهة نظر قائله وليس حقيقة للرجل ولفكره وتصوفه.

 

[1] )       الرسالة القشيرية جـ1 صـ57 ، صفة الصفوة جـ2 صـ304 ، وطبقات الصوفية للسلمي جـ1 صـ67 ،68 سير أعلام النبلاء جـ3 صـ86

[2] )       سلطان العارفين "ابو يزيد البسطامي"د/ عبد الحليم محمود صــ11ـ21 بإختصار ، طـ2 سنة 261هـ.

[3] )       المصدر السابق صـ29

[4] )     حلية الأولياء جـ10 صـ33 ـ36 ، صفة الصفوة  جت2 صـ304

[5] )     الرسالة القشيرية جـ2 صـ 487

[6] )     طبقات الصوفية جـ1 صـ 72

[7] )     سلطان العارفين د/ عبد الحليم محمود صـ133

[8] )     سلطان العارفين د/ عبد الحليم محمود صـ165

[9] )     حلية الأولياء للأصبهاني جـ10 صـ40

[10] )     الحلية جـ10 صـ38 ، صفة الصفوة جـ2 صـ304 ، طبقات الصوفية جـ1 صـ71 ، سير أعلام النبلاء جـ13 صـ 86

[11] )     نقلاً عن معالم التصوف الإسلامي ، صـ301 وما بعدها.

[12] )     احياء علوم الدين للغزالي جـ1 صـ36

[13] )     التصوف والثورة الروحية في الإسلام د / ابو العلا عفيفي صـ 228 ،229.

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة