×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 390

فهل شريعة الصوم فى الإسلام هى تلك الصورة العارية الجرداء؟ كلا إنها عبادة ذات شطرين، وليس شطرها الأول إلا تمهيداً لشطرها الثانى. إنها شجرة جذعها الصبر، ولكن الله لا يريد للصائم أن يترك هذا الجذع قاحلاً، بل يريد أن ينبت على جوانبه أغصاناً من الشكر وأن يتوهج هامته بأوراق وثمار من الذكر والفكر. وإن من تأمل كلمة التقوى التى عبر عنها القرآن الكريم فى حكمة الصيام يجدها منطوية على شطرين :

فهى فى شطرها الأول كف وانتهاء، وابتعاد واجتناب، لكنها فى شطرها الثانى إقبال واقتراب، وإنشاء وبناء .

 

وإذاً فليس الشأن كل الشأن، فى أن يغلق الصائم منافذ حسه، ويسكت صوت الهوى فى نفسه، فذلك إنما يمثل إغلاق أبواب النيران، ولكن الشأن الأعظم فى أن يكون إغلاق منافذ الحس فتحاً لمسالك الروح، وأن يكون إسكات صوت الهوى تمكيناً لكلمة الحق فتلك هى مفاتيح أبواب الجنان. ومن كان فى شك من أن الجانب الإيجابى، هو الهدف الأخير لشريعة الصوم فليقرأ كتاب الله وسنة رسوله صلوات الله عليه .

والعجب فى هذا التوجيه.أن الإسلام لم يتركه دعوة مرسلة، بل وضع له مناهج معينة ورسم له خططاً مفصلة ذلك انه لما جعل شهر الصوم لإنطلاق الروح من عقالها، فتح فيه للأرواح بابين تتدفق منهما: باباً إنسانياً وباباً رربانياً. فأما انطلاق لروح فى رمضان من الباب الإنسانى، فذلك أنه أرشدنا إلى أن يكون زهدنا فى الطعام والشراب ليس قبضاً وإمساكاً بالحفظ والإدخار بل بسطا وسخاء بالبذل والإيثار. وهذا هو الصوم كما فهمه إمامنا الأعظم صلوات الله عليه فقد كان أجود ما يكون فى رمضان، حتى أنه كان فيه أجود من الريح المرسلة. وما زكاة الفطر فى آخر رمضان، إلا الحلقة  الختامية والمظهر العلنى الجماعى لهذه الحركات النفسية الفردية التى تحولت فيها فضيلة الصبر إلى فضيلة الشكر اتباعاً لإرشاد القرآن الكريم حين يقول: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .

وأما انطلاق الروح فى رمضان من الباب الربانى، فذلك أن الإسلام فتح فيه للطاعة مسالك مسلوكة،ورسم لها سبلا ذللا:

تسبيح وتحميد،تكبير وتمجيد:{وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ }(البقرة:185).

تضرع وابتهال، ودعاء وسؤال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ }(البقرة:186).

(من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)[رواه البخارى ومسلم وأبو داود] .

وما الاعتكاف فى العشر الأواخر من رمضان، إلا نهاية الشوط فى هذا السير، إقبالاً على الله وانقطاعاً بالكليه إليه: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}(البقرة:187).

ألا وإن ذروة الأمر وسنامه فى هذا الجانب الربانى، إنما هو فى مناجاة الله بكلامه وفى مدارسة كتابه، كما كان يفعل الرسول المصطفى من البشر، والرسول المصطفى من الملائكة، إذ كانا يتدارسان القرآن فى رمضان فى كل عام ولأمر ما، نوه الله بهذه الصلة الوثيقة بين رمضان وبين القرآن وجعلها أول المناقب التى اختص بها هذا الشهر المعظم. فقال جلت حكمته: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(البقرة:185) .

فكان ذلك إيماء لنا بأن نجعل لرمضان من القرآن أوفر الحظوظ .

وإذا كان من شان الأمم الحية التى تعنى بتاريخها أن تبتهج وتحتفل بذكرى مولد دستورها فلم يكن بدعاً من الأمر أن يجعل الإسلام شعار رمضان هو الاحتفال بمولد دستوره السماوى الذى ختم الله به الشرائع وأتم به مكارم الأخلاق .

 

 

 

 

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المزيد في هذه الفئة

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة