دور الإسلام في هداية الخلق

دور الإسلام في هداية الخلق (334)

كيف يهزم الإسلام في معركة لم يدخلها ؟. إن الهزيمة لحقت بالبدع الذميمة والأفهام السقيمة والأوضاع الجامدة والعادات الفاسدة التي أتى الناس بها من عند أنفسهم، وأوهنوا بها الفرد والمجتمع والدولة، وشوهوا بها وجه الحق، وأضاعوا بها الكتاب والسنة.. 

هناك أفكار وتقاليد ومسالك خاصة وعامة تنتشر بين المسلمين ، وتتقيد جمهرتهم بها على أساس أنها تعاليم إسلامية، أو نضح هذه التعاليم ومقتضاها ، والحق أن الإسلام بعيد عنها، أو لعله ينكرها ويعترض مسارها... 

قال حذيفة بن اليمان: كان الناس يسألون عن الخير، وكنت أسأل عن الشر مخافة أن أقع فيه. قلت: يا رسول الله ، كنا في جاهلية وشر حتى أتانا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟. 

كان متوجسا يتساءل فى نفسه: هل سيبقى هذا الخير أم ينهزم، ترى كم يطول أمده؟. 

وأجابه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم : " نعم، سيقع بعد هذا الخير شر". 

ولما كان الأوربيون يتندرون برحلة قام بها محمد في السماء ، ويتخذون من ذلك الخبر مجالاً للهزء والتكذيب فإن " فولتير " يقول : " إن هذه الرحلة لم يتحدث عنها القرآن ، ومن ثم فلا مجال للاستناد إليها في إنكار رسالته . وقد هدم محمد الضلال السائد في العالم على عهده ، وقام بالكفاح المفروض على الإنسان لبلوغ الحقيقة! ولكن يبدو أنه يوجد دائما من يعملون على استبقاء الباطل وحماية الخطأ ! ".

  • فولتير وعقيدة التوحيد:


أما المثال الثاني فمن فكر الفيلسوف الفرنسي " فولتير " الذي تزعم الدعوة في عصره إلى عقيدة التوحيد بعد ما توفر أمداً طويلاً في دراسة العهدين القديم والجديد وبعد ما استبطن حصائل الفلسفة الإنسانية عن الخالق.. لقد انتهت به سياحته العقلية إلى الإعجاب بالإسلام ، وأودع إعجابه هذا في كثير من كتاباته ، وأختار هنا شاهدين من مدارستي الأخيرة له : 

  • مشروع نابليون الإسلامي:


وهذا المرجع منشور في فرنسا ، وافريقية ، وسائر أقطار العالم. يتحدث فيه نابليون عن نفسه فيقول : إنه كان مقتنعاً بأن الإسلام هو أصلح قاعدة لبناء أعظم دولة في التاريخ ، وأن هذا الاقتناع صاحبه لدى إعداد الحملة الفرنسية على مصر .

كانت هذه الحملة. كما يقول ـ تمهيداً لإقامة دولة إسلامية يكون هو على رأسها. ويحكي أنه استقدم معه جيشاً من الخبراء والفنيين ليكونوا الجهاز العقلي المدبر لهذه الدولة، وزودهم بوسائل التحضر الحديث ليعينوه على هدفه البعيد ..

راقبت أناساً يدخلون في الإسلام، ويتركون أديانهم الأولى، وتأملت في البواعث التي تدفعهم إلى ذلك، فرأيتها شتى! قد تكون الاستنارة العقلية، وقد تكون الاستراحة النفسية، وقد تكون أسباباً شخصية أو اجتماعية. 

ولم أر لمشاعر الرغبة والرهبة آثاراً تذكر في اعتناق الإسلام. ذلك أن الهزائم السياسية والاقتصادية التي تحيط بالعالم الإسلامي تجعل ذلك مستبعداً.. 

وصلة الحضارة الحديثة بالعرب أيام صدارتهم لا يمكن إنكارها، فإن أحبار اليهود وآباء الكنيسة جميعاً حرصوا على الالتحاق بجامعات الأندلس، والارتواء من ثقافتها الخصبة.


وقد ترجموا القرآن إلى العبرية واللاتينية، وبقيت هذه التراجم حكراً على الأحبار والحاخامات حتى تمكن رجال الإصلاح الديني في أوربا من الاطلاع على هذه النسخ المترجمة، وكان لها في مناهجهم الفكرية أثر كبير.. 

وتحرك عقلي مع هذه الخواطر المتداعية وتساءل : لماذا لفتك هذا العلم المحيط وحده ؟ القضية أكبر من استيعاب السمع والبصر والعلم لذلك كله ! القضية قضية إيجاد وإمداد !

فإن كل حي يتنفس فبقدرة الله وإرادته يعيش، إنه ـ تبارك اسمه ـ قيِّم السموات والأرض ومن فيهن يسوق الرزق لكل فم، ويدير الأجهزة الهاضمة في البشر والدواب والحشرات والزواحف والطيور كي تبقى إلى حين..!

وأريد أن أمحو هذا التفاوت، وأستبعد أسباب الخصام بين المعنيين، فهما عند التأمل والإنصاف معنى واحد. 

وأساس الصلح في نظري تجريد الإيمان من كل وهم يدمغه البرهان ؛ وتجريد الإنسانية من كل غرور يقطعها عن الوحي. 

وقد رأيت من خبرتي بالإسلام أن الخطب سهل، وأنه مع احترام الفطرة البشرية ـ وهي قاسم مشترك بين الخلائق كافة ـ فإننا سنتفق على كلمة سواء.. 

ترى ما هي أغوار وأبعاد " الإنسانية " التي تراضينا عليها وقبلناها عنواناً وموضوعاً ؟ إنني ـ بتجرد كامل ـ أبحث هذه القضية، ذلك لأني أرى العالم عاد إلى أصله أو حن إلى فطرته عندما رفع شعار هذه الإنسانية.

إن الدين الذي بلغه المصطفون الأخيار من فجر الخليقة إلى الآن هو هذه الإنسانية الراشدة لأنها تسمع صوت العقل، الصالحة لأنها تسمع صوت الضمير أي صوت القلب الطهور الذي يحسن الحسن ويقبح القبيح.

الصفحة 1 من 24

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة