دور الإسلام في هداية الخلق

دور الإسلام في هداية الخلق (279)

الخبراء بحياة الغرب يشكون من مرارة الكفاح الدائر فى أرجائه للحصول على المال والمكاثرة به .

فالأفراد والجماعات منطلقون فى سباق رهيب لإحراز أكبر حظ مستطاع من حطام الدنيا .

وقواهم البدينة والنفسيه تدور كالألة الدائبة وراء هذه الغاية ، وقد احتشدت فيها جميع الخصائص الإنسانية الدنيا والعليا .

إلا أن الألات قد يقطر عليها من الزيت ما يرطب حدة الأحتكاك فى حركتها ، ويمنع الشرر المتولد من إحراقها ، أما أعصاب الناس فى عراك المادة الرهيب فكثيراً ما تفقد هذا العنصر الملطف ، وتمضى مُستثارةً يستبد بها القلق والضيق حتى تشتعل فتأتى على الأخضر واليابس .

وقد كتب "ديل كارنيجى" يصف مشاهد هذا السُعار المادى وما خلفه فى النفوس والجسوم من بلاء فقال : عشت فى نيويورك أكثر من سبع وثلاثين سنة ، فلم يحدث أن طرق أحد بابى ليحذرنى من مرض يُدعى "القلق" ، هذا المرض الذى يسبب فى الأعوام السبعة والثلاثين الماضية من الخسائر أكثر مما سببه الجدرى بعشرة آلاف ضعف ، نعم لم يطرق أحد بابى ليحذرنى أن شخصاً من كل عشرة أشخاص من سكان معرض للإصابة بانهيار عصبى مرجعه فى أغلب الأحوال إلى القلق "

ويقرر الأطباء أن واحداً من كل عشرين أمريكياً سوف يقضى جانباً من حياته فى مصح للأمراض العقلية ، ومن الحقائق المريرة أن واحداً من كل ستة شبان تقدموا للإلتحاق بالخدمة العسكرية فى خلال الحرب العالمية الأخيرة رد على أعقابه لأنه يعانى مرضاً جسيماً أو نقصاً عقلياً ... قال :( وألقى الدكتور "هارولد هابين" الطبيب بمستشفى "مايو" رسالة فى الجمعية الأمريكية للأطباء والجراحين العاملين فى المؤسسات الصناعية قال فيه : " إنه درس حالات 176 رجلاً من رجال الأعمال أعمارهم مُتجانسة فى نحو الرابعة والأربعين ، فاتضح له أن أكثر من ثلث هؤلاء يعانون واحداً من ثلاثة أمراض تنشأ كلها عن توتر الأعصاب ، وهى : أضطراب القلب ، وقرحة المعدة ، وضغط الدم ، ذلك لما يبلغ أحدهم الخامسة والأربعين بعد ، أهذا هو ثمن النجاح ، هل يعد ناجحاً ذاك الذى يشترى نجاحه بقرحة فى معدته ولغط فى قلبه ، وماذا يفيده المرض إذا كسب العالم أجمع وخسر صحته ؟ لو أن أحداً ملك الدنيا كلها ما استطاع أن ينام إلا سرير واحد ، وما وسعه أن يأكل أكثر من ثلاث وجبات فى اليوم ، فما الفرق بينه وبين الفاعل الذى يحفر الأرض ؟

لعل الفاعل أشد استغراقاً فى النوم ، وأوسع استمتاعاً بطعامه من رجل الأعمال ذى الجاه والسطوة .

ويقول الدكتور "و.س.الفاريز " : اتضح أن أربعة من كل خمسة مرضى ليس لعلتهم أساس عضوى البتة ، بل مرضهم ناشئ عن الخوف ، القلق ، والبغضاء ، والأثرة المستحكمة ، وعجز الشخص عن الملائمة بين نفسه والحياة .

على ضوء هذه الصيحات المحزونة نحب أن نذكر بعض أحاديث النبى محمد رسوا الله صلى الله عليه وسلم فى ذم هذا التمالب والترهيب من عقباه ، قال "من جعل الهم هماً واحداً كفاه الله هم دنياه ، ومن تشعبته الهموم لم يُبال الله فى أى أودية الدنيا هلك "[1]

هذا اللون من التوجيه النبوى يقصد به بث السكينة فى الأفئدة ، واستئصال جراثيم الطمع والتوجع التى تُطيل لُغُوب الإنسان وراء الدنيا وتحسره على ما يفوته منها ، وفى ذلك يقول :" من كانت الأخرة همه جعل الله غناه فى قلبه ، وجمع له شمله ، وأتته الدنيا وهى راغمة . ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه ، وفرق عليه شمله ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له "[2] . وقال :" تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم ، فإنه من كانت الدنيا أكبر همه أفشى الله ضيعته ، وجعل فقره بين عينيه . ومن كانت الأخرة أكبر همه جمع الله له أموره ، وجعل غناه فى قلبه . وما أقبل عبد بقلبه على الله عز وجل إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة ، وكان الله إليه بكل خير أسرع "[3]

وفى مواريث النبوة أحاديث كثيرة من هذا النوع الرضى الهادئ ، وهى حكم بالغة إذا سيقت فى مجالها ووضعت فى مواضيعها ، وهى لا تعنى إلا كفكفة الجهود المجنونة فى معركة الخبز ، وضبط عواطف البشر وراء مطالب الحياة ، فلا يكون زحامهم وسباقهم ذريعة إلى غرس الأضغان ، ونسيان الفضائل ، وحرق الصداقات ، ورد الإنسان المهذب الرقيق حيواناً محدود الظفر والناب يحول مناكب الأرض إلى مسبعة متهارشة .

ولكن بعض الزُهاد فهم الأحاديث الآنفة فهماً مقلوباً ، واستخدامها لإبطال أعمال الحياة بدلاً من تهذيبها ، فأساء بذلك إلى الدين والدنيا معاً .

إن من حق الدنيا علينا أن نعمل فيها ، وأن ننال من ضروراتها ومرفهاتها ما يحفظ حياتها ويسعدها ، وقد يكلفنا هذا لبعمل جهداً شاقاً يتصبب معه العرق ويطول فيه العناء ولكن هذا الحق المقرر وهذا الجهد المبذول لبلوغه لا يجوز أن يميلا بنا عن الجادة ، أو يزيغا بنا عن الرشاد .

فالمال إذا طلبناه فلكى ننفقه لا لكى نختزنه ، وإذا أحببناه وحصلناه فلنبذله فيما يحقق مصالحنا ويصون حياتنا .

ومن الحماقة أن يتحول المال إلى هدف مقصود لذاته نذوب فى جمعه المهج وتُرتخص العافية وتتكاثر الهموم وتُجتذب الأمراض !!

قال ابن الرومى :

قَرّب الحرْصُ مَرْكَبَّا لشَقِيٍ                            إنَّما الحرْصُ مَرْكَبُ الأشقياء

مَرْحبَّا بالكفاف يأتي هنيئاً                              وعلى المتْعِبات ذَيْلُ العَفَاء

ضِلَّةٌ لامرئ يُشمِّرفى الجمع                           لعيشٍ مشِمَّرٍ للْفَناء

دائبَّا يَكْنزُ القناطير للوارثِ                             والعمرُ دائبٌ فى انقضاء

جبَّذا كثرة القناطير لو كانت                            لرَبِّ الكنوزِ كَنْزَ بقاء

يَحْسَبُ الحظَّ كله فى يديه                                وهو منه على مَدَى الجوْزاء

ليس فى آجِلِ النعيم له حَظٌّ                               وما ذاق عاجلَ النَّعْماء

ذلك الخائب الشَّقِىُّ وإن كان                             يَرَى أنه من السُّعَداء

حَسْبُ ذى إربة ورأىٍ جَلىّ                              نَظَرَتْ عَيْنُهُ بلا غُلَواء

صِحَّة الدين والجوارح والعرْض                        وإحْرَازُ مُسْكَة الحَوْباء

تلك خيرٌ لعارف الخير مَّما                              يجمع الناسُ من فُضُول الثَّراء

ولها من ذوى الأصَالة عُشَّاق                           وليسوا بتابعى الأهواء

ليس للمُكْثر الُمنَغَّصِ عيشٌ                                 إنما عَيْشُ عائشٍ بالهناء

وللإسلام تعاليم طيبة فى موقف الإنسان من دنياه ، إنه يتجه ابتداء إلى القلب فيغرس فيه العفاف والترفع ، ويُكره إليه الجشع والشراهة والتطلع .

إن لعشق المال ضراوة تفتك بالضمائر والأبدان ، وتورث المذلة والهوان ، وانظر ما يعقبه الحبُ الشديد للمال والقلق البالغ من فواته ... يقول "ديل كارنيجى" : من الحقائق المعروفة أنه عندما تهبط قيمة الأسهم فى البورصة ترتفع نسبة السكر فى البول والدم بين المضاربين !!

أى علاج لهذه الحال أكرم من قول محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن هذا المال خَضِر حُلْو ، من أخذه بسخاوة نفس بُورك له فيه ، ومن أخذه باستشراف نفس لم يُبارك له فيه ، وكان كالذى يأكل ولا يشبع ..."[4]

إن المال كالفاكهة الجميلة اللون ، الشهية المذاق وميل الطباع إلى اقتناء هذا الخضر الحلو معروف ، بيد أن من الناس من يظل يطعم حتى تقتله التُخمة ومنهم من يختطف ما فى أيدى الآخرين إلى جانب نصيبه المعقول .

ومنهم من يدخر ويجوع . ومنهم من يشغله القلق خشية الحرمان ، ومن يشغله القلق طلب المزيد .

وأفضل الناس من يأخذونه بسماحة وشرف ، فإذا تحول عنهم لم يشيعوه بحسرة أو يرسلوا وراءه العبرات لأن بناءهم النفسى يقوم وحده بعيداً عن معايير المكاثرة ورذائل النهم والتوسع ... قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ياأيها الناس إن الغنى ليس عن كثرة العرض ، ولكن الغنى غنى النفس . وإن الله عز وجل يؤتى عبده ما كتب له من الرزق ، فأجملوا فى الطلب ، خذوا ما حل ودعوا ما حرم "[5]

والإجمال فى الطلب - كما رأيت- لا يعنى القعود أبداً .

إن الطلب الجميل تكسب الحلال فى سماحة ورفق ، وأطراح الحرام فى زهادة وأنفة ، ثم تجئ بعد ذلك بقية تعاليم الإسلام القائمة على الإيمان بالله ، والتصديق بلقائه ، وإيثار ما عنده ، ومعرفة قدر الدنيا بالنسبة إلى الأخرى .

ثم معرفة قدر الله جل شأنه بالنسبة إلى ما عداه .

إن هذه معرفة تنفى الأحزان عن صاحبها وتذر فى فؤاده ثقة تغمر يومه وغده بالراحة والرضا : الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ {28} الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ {29}[6]

أجل طوبى لهم ، إنهم سعداء بيقينهم وإخلاصهم وإستقامتهم على النهج الذى رسمه الإسلام لهم ." طوبى لمن طاب كسبُه ، وصلحت سريرته ، وكرمت علانيته ، وعزل عن الناس شره . طوبى لمن عمل بعلمه ، وأنفق الفضل من ماله وأمسلك الفضل من قوله ..."[7]

إن جماهير غفيرة من الرجال الذين تظلهم حضارة الغرب محرومون من هذه الوداعة .

يقول "ديل كارنيجى" :( لقد أثبت الإحصاء أن القلق هو القاتل فى أمريكا ، ففى خلال سنين الحرب العالمية الأخيرة قُتل من أبنائنا نحو ثلث مليون مقاتل . وفى خلال هذه الفترة نفسها قضى داء القلب على مليونى نسمة .

ومن هؤلاء الاخيرين مليون نسمة كان مرضهم ناشئاً عن القلق وتوتر الأعصاب ... نعم إن مرض القلب من الأسباب الرئيسية التى حدت بالدكتور "أليكس كاريل " إلى أن يقول : إن رجال الأعمال الذين لا يعرفون كيف يكافحون القلق يموتون يموتون مبكرين .

وقلما يمرض الزنوج فى أمريكا أو الصينيون بأمراض القلب ، فهؤلاء أقوام يأخذون الحياة مأخذاً سهلاً ليناً . وإنك لترى أن عدد الأطباء الذين يموتون بالسكتة القلبية يزيد عشرين ضعفاً على عدد الفلاحين الذين يموتون بالعلة نفسها ، فإن الأطباء يحيون حياة متوترة عنيفة ويدفعون الثمن غالياً ).

أجل فإن القلق والهم يحطمان العمالقة ، ويُذبلان الوجوه الطافحة بالحياة ولذلك يقول الشاعر :

والهمُّ يخترم الجسيم نحافةً         ويُشيب ناصية الصبى ويُهرمُ

وقد كنتُ أعجب كيف أن فلاناً امتلكه الحزن إثر كارثة عصبية ، فإذا بعض أضراسه قد سقط من فمه ، ثم أدركت بعد كشوف الطب الحديث أن الأزمات النفسية العاتية شديدة الوطأة على الجسم ، وأنها تحول العصارات الهاضمة إلى سموم ، فلا تستفيد المعدة من أغنى الأطعمة بالغذاء ، وأنها تفتت جير الأنسان ، وتزلزلها من مستقرها العتيد .

وقد قرأنا كيف أن بكاء يعقوب على أبنه أفقده بصره ، وكيف أن الغم بلغ مداه بالسيدة عائشة -  عندما تطاول عليها الأفاكون – فظلت تبكى حتى قالت :" ظننت أن الحزن فالق كبدى "

وقد أدرك الموجهون خطر الأحزان على كيان الأمم وإنتاجها ، فتألفت فى (ألمانيا) منذ سنين جماعة جعلت شعارها : القوة فى السرور . وإنه لخير للأمم أن تستقبل الحياة ببشر وأمل كى تستفيد من وقتها ومالها ، ومن حقها على قادتها أن يجنبوها القنوط والتشاؤم والاستكانة ، فإن هذه المشاعر الباردة تطويها فى أكفان الموت قبل أن تموت :

لَيْسَ مَنْ ماتَ فاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ       إنَّمَا المَيْتُ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ
إنَّمَا المَيْتُ مَنْ يَعِيشُ ذَلِيلاً          كاسَفاً بالُهُ قليلَ الرَّجاءِ

وما أظن عاقلاً يزهد فى البشاشة أو مؤمناً يجنح إلى التشاؤم واليأس ، وربما غلبت المرء أعراض قاهرة فسلبته طمأنينته ورضاه ، وهنا يجب عليه أن يتشبث بالعناية العليا كى تنقذه مما حل به ، فإن الاستسلام لتيار الكآبة بداية انهيار شامل فى الإرادة يطبع الأعمال كلها بالعجز والشلل .

ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه أن يستعينوا بالله فى النجاة من هذه الآفات . قال أبو سعيد الخدرى : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ذات يوم فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو اُمامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
 " يا أبا اُمامة مالي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة ؟ " . قال : هموم لزمتني وديون يا رسول الله .
 قال صلى الله عليه وسلم : " أفلا اُعلمك كلاماً إذا قلته أذهب الله همك وقضى عنك دينك " قال : بلى يا رسول الله .
 قال : " قل إذا أصبحت وإذا أمسيت : اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال " .[8]
 وقال أبو اُمامة : ففعلت ذلك فأذهب الله همي وقضى عني ديني .

وبديهى أن تريد كلمات معينة ليس إلا مفتاحاً لأحوال نفسية جديدة تتغير بها حياة الرجل ، ثم تستقيم بعدها خطاه وتلاحقه عناية الله . وقد رأيت أن النبي صلى الله عليه وسلم استغرب قعود الرجل في المسجد، فرده إلى الميدان مزودًا بدعاء يفتتح به نهاره، ويبتدئ به أعماله بعيدًا عن أغلال الضيق النفسي والشلل الفكري، وبذلك يأمن "غلبة الدين، وقهر الرجال".

وعن شداد بن أوس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن نقول: "اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، وأسألك عزيمة الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك لسانًا صادقًا، وقلبًا سليمًا، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأسألك من خير ما تعلم، وأستغفرك مما تعلم؛ إنك أنت علام الغيوب[9]".

وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: "اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا. ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا. واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا"[10]. إن هذه الأدعية –كما أشرنا إلى ذلك في بعض كتبنا- أشبه بالأناشيد الحماسية، التي تثير عواطف الركب السائر، فهي ليست جؤار القاعدين، ولا أماني الهامدين، بل هي أمداد دافقة من الحق والضياء واليقين؛ يتغلب بها البشر على مشكلات العيش ومضايق الأيام.

ثم هي تحديد للمعاني التي يصح التمسك بها والتقلب في جوها، وهي معان قوامها عقد العزم على العمل في ظل الإيمان والعافية والعدالة، وفي ظل الكبرياء على مشاغل الدنيا ومحرجاتها الجمة.

وبهذا المنهج يطيب المرء روحًا وبدنًا، ويكتمل دينًا ودنيا. وبعض الناس يتصور أن الدعاء موقف سلبي من الحياة؛ أليس عرض حاجات وانتظار إجابة؟!.

ويوم يكون الدعاء كذلك لا يعدو ترديد أماني، وارتقاب فرج من الغد المجهول، فإن الدعاء يكون لغوًا، ولا وزن له عند الله. إن الدعاء أولًا تحديد وجهة، ورسم مثل أعلى، فإبراهيم عليه السلام عندما قال: ( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ )[11] ، كان بهذا الدعاء يجعل إقامة الصلاة منهج حياة، ومشغلة إنسان.

أين منه أولئك الذين يضيقون بالصلاة، ولا يأتونها إلا وهم كسالى؟!

وعباد الرحمن عندما قالوا: ( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا )[12] ، كانوا بهذا النداء ينشدون في المجتمع البشري الأسرة المستقرة، والبيت السعيد، كما كانوا ينشدون لأنفسهم السبق في مجال التقوى، والتقدم في كل خير. وبديهي أن ينضم إلى ذلك ما يحقق المثل المرسوم من عمل يقرب، وخطوات موصلة.

على أن من أهل الدين من ظلم حقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر، فظن أن هذا الإيمان يعترض الحياة الصحيحة، كما يعترض ظل الأرض ضوء القمر ليلة الخسوف.

إن وظيفة هذا الإيمان لديهم أن يجيء إلى الحياة البهجة، فيرمي جوانبها بالقتام والوحشة، فما تصفو الدنيا لمؤمن، أو بتعبير أدق: إن مقتضى الإيمان اجتذاب البأساء والضراء، والكبد والنكد إلى حياة الأفراد والجماعات!!.

وهذا خطأ كبير، وظلم للدين جسيم، فإن نبي الإسلام –وهو أزكى من عبد الله- لم يفهم الحياة هذا الفهم، ولم يحمل الإسلام هذا العبء.. كيف وهو القائل: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر".

ولماذا يحسب الألم والهوان والقلق من لوازم اليقين، أو تحسب وسائل لمرضاة الله، مع أن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم كان يكرهها كلها، ويستجير بالله منها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء!!.

إن من الصحابة –رضوان الله عليهم- من وقع في هذا الغلط، وحسب أن التعرض العمد للضر كفارة للخطايا، فأفهمهم النبي السمح صلى الله عليه وسلم أن الأمر أيسر من ذلك؛ روي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلًا من المسلمين قد خفت، فصار مثل الفرخ –هزالًا-.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل كنت تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟".

قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله!! لا تطيقه –أو لا تستطيعه- أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار".

قال: فدعا الله له فشفاه.

وسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يقول: اللهم إني أسألك الصبر.

فقال: "سألت الله البلاء فسله العافية".

وقال مطرف بن عبد الله: "لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر، لأن مقام العوافي أقرب إلى السلامة، فلذلك أختار الشكر على الصبر لأن الصبر حال أهل البلاء".

قال الدكتور زكي مبارك: "وصاحب هذا الكلام يرى العافية من أبواب السلامة، أي سلامة النفوس، لأن البلاء قد يعرض النفس للجزع والارتياب، وتعريض النفس للفتنة غير مأمون العواقب. أما العافية فتحفظ توازن النفس، وتجعل الرجل قادرًا على صالح الأعمال.

والحق أن الإنسان يكابر حين يرحب بالمصائب، لأنه أسير لنظام الأعصاب في أغلب الأحيان. ومن الخير له أن يسأل الله العافية، وأن يتجنب التعرض للامتحان، فقد يضعف عن مواجهة ما يشتهي من المصاعب، ويعرف بعد الانزلاق في هوة المكاره أن العزيمة قد تفتر أو تخون.

وعند التأمل ترى النعم والعوافي تزيد في الصلة الروحية بين الإنسان وبين ربه، والفرق بعيد بين الحالين: حال الطمأنينة، وحال الاحتساب، فالمطمئن ينظر إلى ربه نظر المدين، وهي نظرة كلها ترفق وتخشع. أما الصابر المحتسب فيتعرض للزهو بالصبر على ما يعاني؛ والزهو من أشد آفات النفوس".

وهذا كلام حسن جيد.

ونحن نحب أن نكون عبيد إحسان لا عبيد امتحان.

ولكن هل تجيء الأيام ما نحب؟ ما أكثر العواصف التي تهب علينا، وتملأ آفاقنا بالغيوم المرعدة، وكم يواجه المرء بما يكره، ويحرم ما يشتهي!!

هنا يجيء دور الصبر، الذي يطارد الجزع، والرضا الذي ينفي السخط.

وفي هذا المقام يقول الدكتور زكي: "التسليم لله من أدب النفس، وهو يطرد نوازع شتى يخلقها التفكير في النصيب الحاضر من حظوظ الحياة".

ومن الواضح أن هذا المقام يحتاج إلى رياضة شديدة، لأن الرضا لا يكون إلا بعد تطهير القلب من الوساوس النفسية، وهو بالتأكيد من أسباب الاطمئنان، والطمأنينة أكبر الغنائم في الحياة الخلقية.

وقد يقال: إن الرضا المطلق يبعث على البلادة، ويغري النفس بإيثار الركود! ونجيب: بأنه لا تنافي بين الرضا بالواقع والرغبة في تكميل النفس، وإمدادها بما تحتاج إليه من الأغذية الدنيوية والعقلية والروحية.

فإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ارض بما قسم الله لك؛ تكن أغنى الناس"؛ فلا تجعل الرضا ذريعة القصور والقعود.

بل ارض بيومك، وأمل ما يسرك في غدك.

 

[1]) ) الحاكم

[2]) ) الترمذى

[3]) ) البيهقى

[4]) ) أبو داود

[5]) ) أبو يعلى

[6]) ) الرعد 28،29

[7]) ) الترغيب والترهيب

[8]) ) أبو داود

[9]) )الترمذى

[10]) ) الترمذى

[11] إبراهيم: 40

[12] [الفرقان: 74]

إذا دهمتك شدة تخاف منها على كيانك كله ، فما عساك تصنع ؟

تدع الروع ينهب فؤادك ، والعواصف الجائحة ترمى بك فى مكان سحيق ؟ أم تقف مطمئنا وتحاول ان تتلمس بين هذ الضوائق مأمناً يهديك إليه الفكر الصائب؟

 يقول ديل كارنيجى :

  • سل نفسك : ما هو أسوأ ما يمكن أن يحدث لى ؟
  • ثم هيئ نفسك لقبول أسوأ الاحتمالات .
  • ثم اشرع فى إنقاذ ما يمكن إنقاذه .

وهذه خطة يوصى العقل والدين معاً باتباعها . وفى أدب العرب ذخائر لا تحصى من شجاعة الرجال فى استقبال المحن ، ومن حرصهم على الخروج منها مخرجاً لا يخدش المروءة ولا الشرف .

ولا بأس أن نذكر هنا أبيات ثابت بن زهير الملقب " تأبط شرا" :

إذا المرء لــــم يحتل وقد جد جده            أضاع وقاســـى أمره وهو مُدبر

ولكن أخو الحزم الذى ليس نازلاً            به الخطب إلا وهو للقصد مُبصِر                                                                                                                                                                                                                

فذاك قريع الدهر ما عاش حـول             إذا سُــد منه منخر جـــاس منخر

"وتأبط شراً" فى هذه النصائح يشرح ما قاله المهندس الأمريكى " ويليس كاريير " : (إن شر آثار القلق تبديده القدرة على التركيز الذهنى ، فنحن عندما نقلق تتشتت أفكارنا ، ونعجز عن حسم المشكلات واتخاذ قرار فيها ، ولو أننا قسرنا أنفسنا على مواجهة أسوأ الاحتمالات وأعددناها لتحمل أى النتائج لاستطعنا النفاذ إلى صميم الواقع ، ولأحسنا الخلاص منه )

ولا شك أن الرجل الذى يضبط أعصابه أمام الأزمات ، ويملك إدارة البصر فيما حوله هو الذى يظفر فى النهاية بجميل العاقبة .

وتأمل فى قول قَطَرى :

أقول لها وقد طارت شعاعاً              مـــن الأبطال ويحك لن تُراعى

فإنك لـــــو طلبت بقاء يوم               على الأجل الذى لك لن تُطاعى

وقول الآخر :

أقول لها وقد جشأت وجاشت                   مكانك تُحمدى أو تستريحى

إن هذه الأبيات تصوير حسن لموقف الرجولة من النوازل العصبية .

ماذا يجديك أن تفقد رشدك إذا هددتك أو دهمتك أزمة ؟

هذا الشاعر عندما أحس المنايا تقترب منه أعمل فكرة بقوة : أيسلم سيقانه للريح طلباً للنجاة ؟ كلا إن الفرار لن يرجئ أجلاً حان ، إنه لن يجلب إلا المعرة ، فليبق إذن فى مكانه فالبقاء ــ إن قتل ــ أروح للنفس ، وإن عاش أدعى للحمد .

وعندما يبقى الفكر يقظاً على هبوب الأخطار ، وعندما يظل المرء رابط الجأش يقلب وجوه الرأى ابتغاء مخلص مما عراه ، فإن النجاح لن يخطئه .

ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنما الصبر عند الصدمة الأولى "

وقد يتوقع الإنسان بعض النوازل المخوفة ، ويستبد به القلق فى انتشارها وكأنما هى الموت أو أشد .

وربما لم يهنأ له طعام ولا أرتسم على فمه ابتسام من تفكيره المشدود إلى ما يتوقع .

والناس من خوف الفقر من فقر ، ومن خوف الذل من ذل !!

وهذا خطأ بالغ . فالمؤمن الراشد يفترض أن أسوأ ما يقلقه قد وقع بالفعل ، ثم ينتزع مما يتبقى له ــ بعد هذا الأفتراض ــ عناصر حياة تكفى ، أو معانى عزاء تشفى على نحو ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم :" لتِعزَّ المسلمين فى مصائبهم المصيبةُ فىَّ ، إنَّهم لن يُصابوا بمثلى " .

أجل فقد كانت حياته لهم بركةً مما تُعوض ، ثم حُمَّ القضاء وذهب ، فكل مُصاب بعده هين .

إن الإنسان يتخوف فقدان ما ألف ، أو إن الإنسان يتخوف فقدان ما ألف ، أو وقوع ما يفدح حمله ، وكلا الأمرين ـ بعد حدوثه ــ يُستقبل دون عناء جسيم .

أعرفُ رجلاً قُطعت قدمه فى جراحه أجريت له ، فذهبت إليه لأواسيه وكان عاقلاً عالماً وعزمت أن أقول له :( إن الأمة لا تنتظر منك أن تكون عداءً ماهراً ، ولا مصارعاً غالباً ، أنما تنتظر منك الرأى السديد والفكر النير ، وقد بقى هذا عندك والحمد لله ) .

وعندما عدته قال لى : ( الحمد لله لقد صحبتنى رجلى هذه عشرات السنين صحبة حسنة ، وفى سلامة الدين ما يُرضى الفؤاد ) .

وقد نقل لنا ديل كارنيجى هذه  النصائح : ( أعدوا أنفسكم لتقبل الحقيقة فإن التسليم بما حد ث هو الخطوة الأولى   

فى التغلب على المصائب . وهذه الحكمة "لوليم جيمس" فسرها الفيلسوف الصينى "لين يوتانغ" بقوله : إن طمأنينة الذهن لا تتأتى إلا  مع التسليم بأسوأ الفروض ، ومرجع ذلك ـ من الناحية النفسية ـ أن التسليم يحرر النشاط من قيوده . قال : ومع ذلك فإن الأولوف المؤلفة من الناس قد يحطمون حياتهم فى سورة غضب ، لأنهم يرفضون التسليم بالواقع المر ، ويرفضون إنقاذ ما يمكن إنقاذه ، وبدلاً من أن يحاولوا بناء آمالهم من جديد يخوضون معركة مريرة مع الماضى وينسافون مع القلق الذى لا طائل تحته .

والتحسر على الماضى الفاشل والبكاء المجهد على ما وقع فيه من آلام وهزائم هو فى نظر الإسلام بعض مظاهر الكفر بالله والسخط على قدره .

ومنطق الإيمان يوجب نسيان هذه المصائب جملة ، واستئناف حياة أدنى إلى الرجاء وأحفل بالعمل والإقدام .

وفى هذا يقول الله عز وجل يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {156}[1]

وفى ضوء هذه الأية تُدرك قول القائل :

فــإنْ تَكُن الأيام فينا تبـــــــدَّلت                               ببُؤْسَــــىِ ونُعْمَى والحوادث تَفْعَلُ

فمــا ليَّنَتْ منَّا قنَــاةَ صَــــــليبَة                                ولا ذلَّلَتْنا للَّتــــى لـيــس تَـــــجْمُلُ

ولكنْ رَحَــــلْنَاها نُفُوسَّا كريمةً                                تَحـــــمَّلُ مـــــا لاَ يُسْتطاعُ فتَحْملُ

وَقَيْنَا بحسن الصَّبْر منَّا نفُوسَنا                               فَصَحَّت لنا الأعراضُ والنّاس هُزَّلُ

إن الينبوع الذى تسيل منه مخايل الرجولة الناضجة هو الذى تسيل منه معانى اليقين الحى .

وإذا وجدت الصبر يساوى البلادة فى بعض الناس فلا تخلطن بين تبلد الطباع المريضة وبين تسليم الأقوياء لما نزل بهم .

وأول معالم الحرية الكاملة ألا يضرع الرجل لحاجة فقدها .

وعندها يكون المرء عبد رغبة تنقصه فتلك ثغرة فى رجولته وهى بالتالى ثُلْمة فى إيمانه .

والإيمان الحق يجعل الرجل صُلْب العود لا يميل مع كل ريح ولا ينحنى مع آى خلة . وإذا أحصينا الرجال الذين لا يأخذهم الدهش أمام المفاجأت عرفنا أن لهم من أنفسهم ما يهون عليهم أى مفقود وما يسليهم عن كل فائت ، وبهذا الشعور يمكنهم أن يقتحموا كل حصار تضربه عليهم الليالى الكوالح .

إن الرجل العربيد الهجام على لذائذ الحياة ـ متعسفاً أو متلطفاً فى اقتناصها ربما تصيبه النازلة من نوازل الدهر فيلقاها فى غير مبالاة ، أو يقول قول امرئ القيس (اليوم خمر وغداً أمر) .

وفى الحياة أناس يلوذون بالاستخفاف والسخرية من كل شئ فإذا صوبت الأحداث لهم سهماً مس جوانبهم كما تمس القذيفة الطائشة أطراف رجل مشغول عنها بأمر نفسه .

وحالات هؤلاء لا تجعل مثلاً يُحتذى فى تحمل الشدائد بجلد أو مرح .

وكل ما تدل عليه أن الحساسية بالآلام تتفاوت تفاوتاً واسعاً بين الناس وإن الاستغراق فى حال ما طيبة أو خبيثة ـ يخفف من حدة الشعور بالأذى .

ومن ثم وجب على الطلاب الكمال وأهل المروءة أن يتحصنوا بُمثُلهم العليا ، وأن يلتمسوا السلوى فى ظلها .

وأن يجدوا فى ذلك عزاء لا يجده الشطار والفجار فى الرضى بمآربهم الدنيا .

ولقد قص علينا "ديل كارنيجى " قصة رجل أصابته قرحة فى أمعائه بلغ من خطورتها أن الأطباء حددوا له أوان وفاته ، وأوعزوا إليه أن يجهز كفنه . قال : وفجأة اتخذ "هانى" ـاسم المريض ـ قراراً مدهشاً .إنه فكر فى نفسه إذا لم يبق لى فى هذه الحياة سوى أمد قصير ، فلماذا لا أستمتع بهذا الأمد على أكمل وجه ، لطالما تمنيت أن أطوف حول العالم قبل أن يدركنى الموت ، فها هو ذا الوقت الذى أحقق فيه أمنيتى . وابتاع تذكرة السفر ، فارتاع أطباؤه وقالوا له : إننا نحذرك إنك إن أقدمت على هذه الرحلة فستدفن فى قاع البحر ، لكنه أجاب : كلا ، لن يحدث شئ من هذا ، لقد وعدت أقاربى ألا يُدفن جثمانى إلا فى مقابر الأسرة . وركب هانى السفينة وهو يتمثل بقول الخيام :

  إنعَمْ أقصى النعيم بما ملكت يداك

قبل أن توسد اللحد فلا شئ هناك

سوى تراب من تحتك وتراب من أعلاك

فلا شراب ولا غناء ولا نهاية بعد ذاك

وبدأ الرجل رحلة مشبعة باللهو والاستخفاف . وأرسل خطاباً لزوجته يقول فيه " لقد شربت النبيذ على ظهر السفينة ودخنت السيجار ، وأكلت ألوان الطعام كلها ، حتى الدسم المحظور منها ، وتمتعت فى هذه الفترة بما لم أتمتع به فى ماضى حياتى " ثم ماذا ؟ ثم يزعم "ديل كارنيجى " أن الرجل صح من علته وأن الأسلوب الذى سار عليه أسلوب ناجح فى قهر الأمراض ومغالبة الآلام .......

لقد أيقن الرجل أن ساعته حانت فلم تفزعه رهبة الموت ، وبنى مسلكه عقب تكشف مصيره على انتهاز كل لحظة للعب من المتع الميسرة ، فإذا هو بما عراه من سرور مذهل يتغلب على القرحة المعوية ويستعيد عافيته الأول .

ونحن لا ننكر آثار الانتعاش النفسى فى هزيمة الصعاب ، ونعترف بإرتفاع القوى المعنوية من الاستهانة بالتعب ، واستطالة على العوائق وانتصار فى أغلب معارك الحياة .

بيد أننا نلفت النظر إلى الغلط الشنيع فى فهم الموت على أنه عدم محض وسوق أبيات الخيام السابقة لحفز الشهوات على التهام ما يمكنها من الحياة قبل أن تنتهى هذه الحياة ولا تعود ... هذه أكذب فرية يشيعها المبطلون فى أرجاء العالم .

والحق الذى كان يجب على المنتسبين للأديان كافة أن يفقهوا وأن يقفوا عنده هو أن الموت مرحلة تتلوها حياة أضخم من حياتنا هذه وأعمق إحساساً وأرحب آفاقاً .

حياة تعد حياتنا هذه لهواً وعبثاً إلى جانبها ، ولذلك يعبر القرآن عنها بلفظ أكبر فى مبناه ليكون أوسع فى معناه فيقول :

وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ {64}[2]

إن الشعور بأن الموت بداية فناء مطلق وهم يشيع للأسف بين الكثيرين وهو الذى يخامر المنتحرين عندما يقررون مغادرة الحياة .

إنهم معذبون بالأحساس السارى فى أعصابهم بحملهم الغم والكرب ، فما الذى يريحهم من هذا الإحساس ؟ الموت الذى يتوهمونه ضياعاً وانقطاعاً وفراغاً من كل شعور !!.

فكيف إذا علموا بالحقيقة المرة ووجدوا أنفسهم التى يريدون إزهاقاً ما تزال باقية لم يتغير منها إلا الإرهاب الذى احتواها حينا ، ثم عريت عنه دون أن ينقص وعيها أو يقل حسها ؟

إن ما بعد الموت طور آخر من أطوار الوجود الإنسانى يتسم بزيادة الوعى وحدة الشعور .

قيل : إن أبا حامد الغزالى لما أحس دُنُوَّا أجله قال لبعض أصحابه : ائتنى بثوب جديد .

فقال له : ما تريد به ؟

قال أبو حامد : سألقى به الملك !!

فجاءوه بالثوب ، فطلع به الى بيته وأبطأ على أصحابه ، فلم يَعُدْ .

فذهب إليه أصحابه يستطلعون نبأه ‘ فإذا هو ميت ، وإذا عند رأسه ورقة كتب فيها هذه الأبيات :

قُـــــــــــــل لإخوان رأونى ميِّتا                                 فــــــــرَثَوْنى وبــــكَوا لى حَزَنا ..

أتظـــــــــــــــــنونى بأنى مَيْتُكُم                                  ليــــس [3] هذا الميت والله أنا ..

أنا فى الصُّور [4] وهذا جسدى                                 كــــــان بيتى وقميصـــى زمنا

أنـــــــــــا عصفور وهذا قفصى                                 طــــــرت عنـــه وبقى مُرتهنا

أنــــا دُرٌ قد حــــــــــواه صَدَف                                  لامتــــــــحانى فنفيت المـــحنا [5]

أحمدُ الله الـــذى خلصـــــــــنى                                   وبنــى لى فـــى المعالى سَكَنا

كنت قبـــــــل اليوم أناجى ملاْ                                    فحـــــــــييت وخلعت الـــكفنا

وأنـــــــــــــا اليوم أناجى ملأ                                      وأرى الله جـــــــهازاً عَــــلَنَّا [6]

قـــــــــــــد تَرحَّلْتُ وخلَّفتكُمُو                                     لستُ أرضى دارَكم لى وطنا [7]

لا تظنُّوا المـــــــوت موتَّا إنَّه                                     كحَيــــــــاة وهو غايات الُمنَى ...

وهذه الأبيات سواء صحت نسبتُها للغزالى أم لم تصح ، فهى صورة صحيحة للفكر الدينى عما دار وراء الموت .

ولقد قرأت لأحد الماديين أنه رأى صرصاراً يموت ـ لعله ضربة عابرة ـ فتمثل مستقبل البشرية كلها فى نهايته التافهة إنها هكذا تنقضى ويحتويها ظلام العدم والنسيان !!

أما أبيات الخيام التى تصور الميت جثة التى تصور الميت جثة تحتها تراب وفوقها تراب ، ثم لا شئ بعد فهى ليست إلا تخليطا فى تخليط .

وأىُّ امرئ يبنى حياته على هذا الزعم فهو يبنيها على الخرافة وقد يتلذُّ بعيشه على أوسع نطاق وقد يكون غرامه فى ملاقاة الدنيا بخيرها وشرها مثار نجاح وتأمل ، ولكنا لا يجوز أن نُخدع بهذه الصورة الباطلة .

فالنهج الأقوم أن يكون مصدر طاقتنا المادية والمعنوية هو الحق وحده .

وماذا على المريض المصاب بقرحة الأمعاء لو أنه حسب الموت نُقلةً من بلد إلى بلد ، فلم يرَ فيه وحشة مروعة ولا طلاماً مهولاً .

وماذا عليه لو تحمل نبأ العلة التى أصابته بطمأنينة وتسليم لأنه يؤمن بالله ولا يحزن من لقائه وإن اقترب موعده ؟

وأقترب إلى الحقيقة من أبيات الخيام الآنفة أبيات الشاعر "محمد مصطفى حمام " التى يقول فيها [8] :

علمتنى الحياةُ أنَّ (حياتى)

قد أرى بعده نعيماً مقيماً

إنما كانت امتحاناً طويلا

أو أرى بعده عذاباً وبيلا

علَّ خوفى من الحساب كفيل

لى بالصفح يوم أرجو الكفيلا

وعد الله من ينيب ويخشى

بطشه رحمة وصَفْحَّا جميلا

وبحسبى وَعْدٌ من الله حقٌ

إنه كان وعدُه مفعولا

 

 

الواقع أن الجزع والجبن والتحسر وشتى العواطف التى تنتاب الناس بإزاء الموت تعود إلى فهمه على أنه انتقال من وجود إلى عدم ، ومن ضياء إلى ظلام ، ومن إيناس إلى وحشة .

فهل يدرى هؤلاء أن هذه الحياة الدنيا بما فيها ومن فيها ستكون ذكريات حافلة مثيرة وأن يوماً لابد منه سوف يقدم ليتلاقى فيه الصالحون فيقول بعضهم لبعض :

قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ {26} فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ {27} إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ {28}[9]

أما حديثهم عن الملحدين والجحدة فإليك نبأه :

فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ {50} قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ {51} يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ {52} أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ {53} قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ {54} فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ {55} قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ {56}[10]

 

[1]) ) الآية :156 من سورة آل عمران

[2]) ) العنكبوت الأية 64

[3]) ) يرفض أن تكون الشخصية الإنسانية هى تلك الجثة البالية .

[4]) ) يعنى البرزخ بين الحياتين وما كان الجسد قبلاً إلا ملبساً خُلع .

[5]) ) بالموت تنتهى فترة الاختبار وتبدأ سعادة السعداء .

[6]) ) رؤية روحية بداهة لا كما يتبادر إلى الذهن .

[7]) ) المجئ إلى الدنيا ثم تركها مشيئة إلهية خالصة ، ولكن فى الكلام معنى الاستبشار بما لقى .

[8]) ) من قصيدة نثبت بقيتها فى موطن آخر .

[9]) ) الطور : 26،28

[10]) ) الصافات : 50،56

 

الشيخ محمد الغزالى

من أخطاء الإنسان أن ينوء فى حاضره بأعباء نستقبله الطويل .

والمرء حين يؤمل ينطلق تفكيره فى خط لا نهاية له ، وما أسرع الوساوس والأوهام إلى أعتراض هذا التفكير المرسل ، ثم إلى تحويله هموماً جاثمة ، وهواجس مقبضة .

لماذا تخامرك الريبة ويخالجك القلق ؟ عش فى حدود يومك فذاك أجدر بك وأصلح لك .

ولقد ساق " ديل كارنيجى " عدداً من التجارب التى خاضها رجال ناجحون ، رجال لم يتعلقوا بالغد المرتقب ، بل انغمسوا إلى الأذقان فى حاضرهم وحده يواجهون مطالبه ويعالجون مشكلاته ، فأمنوا بهذا المسلك الراشد يومهم وغدهم جميعاً ، ثم أهدوا لنا خلاصات تجاربهم فى هذه الكلمات :( ليس لنا أن نتطلع إلى هدف يلوح لنا باهتاً من بعد ، وإنما علينا أن ننجز ما بين أيدينا من عمل واضح بين )

وهى نصيحة للأديب الإنجليزى : توماس كارليل

ويزيد عليها دكتور :أوسلر ، فيأمر طلبته فى جامعة :ييل ، أن يبدأو يومهم بالدعاء المأثور عند السيد المسيح : خبزنا كفافنا أعطنا اليوم .

وذكرهم بأن هذا الدعاء كان من أجل خبز اليوم فحسب .

إنه لم يحزن على الخبز الردئ الذى حصل عليه أمس ولم يصح : ياإلهى عم الجفاف ونخشى ألا نجد القوت فى الخريف القادم !!

أو ترى كيف أطعم نفسى وأولادى لو فقدت وظيفتى ؟!

إنه لم يرتبك مقدماً لهذه الدواهى المتوقعة ، إنه يطلب خبز اليوم وحده ، لأن خبز اليوم وحده هو الذى يمكنك أن تأكله فى ذلك اليوم ..

والعيش فى حدود اليوم ــ وفق هذه الوصايا ــ يتسق مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم :" مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا "[1].

 إنك تملك العالم كله يوم تجمع هذه العناصر كلها فى يديك فاحذر أن تحقرها .

إن الأمان والعافية وكافية يوم واحد قوى تُتيح للعقل النير أن يفكر فى هدوء واستقامة تفكيراً قد يغير به مجرى التاريخ كله ، بله حياة فرد واحد .

إن هذه النعم الميسرة ضمان كبير لصاحبها كى يقطع من الزمن فترة كاملة الإنتاج ، مطردة السير ، مُراحة من العوائق والمثبطات ..

والحق أن استعجال الضوائق التى  لم يحن موعدها حمق كبير ، وغالباً ما يكون ذلك تجسيداً لأوهام خلقها التشاؤم ، ولو كان مصيباً فيما يتوقع فإن إفساد الحاضر بشؤن المستقبل خطأ صِرْف ، والواجب أن يستفتح الإنسان يومه وكأن اليوم عالم مستقل بما يحويه من زمان ومكان . كان الخليل إبراهيم عليه السلام إذا طلع عليه الصباح يدعو : " اللهم هذا خلق جديد فافتحه على بطاعتك واختمه لى بمغفرتك ورضوانك وارزقنى فيه حسنة تقبلها منى وزكها وضعفها لى ، وما عملت من سيئة فاغفره لى ، إنك غفور رحيم ودود كريم " [2]

وكان يقول :" من دعا بهذا الدعاء إذا أصبح فقد أدى شكر يومه "

وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلفتنا إلى صحة هذه الطريقة فى تجزئة الحياة ، واستقبال كل جزء منها بنفس محتشدة وعزم جديد .

فهو إذا أصبح يقول :" أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله ، لا شريك له ، لا إله إلا هو وإليه النشور "[3]

   وإذا أمسى قال مثل ذلك وقد يدعو :" اللهم إنى أصبحت منك فى نعمة وعافية وستر ، فأتمم نعمتك على وعافيتك وسترك فى الدنيا والأخرة "[4]

وإذا أمسى دعا بمثل ذلك .

وبعض الناس يستهين بما أولاه الله من سلامة وطمأنينة فى نفسه وأهله ، وقد يزدرى هذه الآلاء العظيمة ، ويضخم آثار الحرمان من حظوظ الثروة والتمكين . وهذه الإستهانة غمط للواقع ومتلفة للدين والدنيا . روى أن رجلاً سأل عبد الله بن عمرو ابن العاص : ألست من فقراء المهاجرين ؟ فقال له عبد الله : ألك امرأة تأوى إليها ؟ قال : نعم ، قال : ألك مسكن تسكنه ؟ ، قال : نعم ، قال : فأنت من الأغنياء .. قال : فإن لى خادماً ، قال فأنت من الملوك .[5] .

إن الأكتفاء الذاتى وحسن أستغلال ما فى اليد ، ونبذ الاتكال على المُنَى هى نواة العظمة النفسية وسر الإنتصار على الظروف المعنتة .

والذين لا يشكون الحرمان ـ لأنهم أُوتوا الكثير ـ قلما ينتفعون بما أوتوا إذا هم فقدوا الطاقة النفسية على استغلال ما معهم والإفادة مما حولهم . هذه حقيقة يؤكدها النبى الكريم مطلع كل صباح فيقول :" ما طلعت شمس قط إلا بُعث بَجَنْبَتَيها ملكان يُسمعان أهل الأرض إلا الثقلين : ياأيها الناس ، هلموا إلى ربكم ، فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى . ولا غربت شمس قط ، إلا وبُعث بجنبيها ملكان يناديان : اللهم عجل لمنفق خلفاً وعجل لممسك تلفاً "[6]

آخر هذا الحديث وعد للكرام بالعوض ووعيد للبخلاء بالمقت .

وأوله مقارنة قد تحسب تفضيلاً للقلة على الكثرة .

والحقيقة أنها تفضيل للقلة الكافية على الكثرة الملهية

أما الكثرة التى تغنى صاحبها ثم يبقى فيها فضل يسع الحاجات ويسد الحقوق فإنها بمنزلة أسنى من القلة المحصورة . ولم يتعرض لها الحديث هنا ، كل ما عُنى به هذا الأثر النبوى تحريض المؤمنين على الكرم ، والجراءة فى البذل ، دون خشية من إملاق ، أو تبرم بكفاف . وهذا الفقه فى معالجة الحياة يورث المؤمنين شجاعة هائلة .

واسمع قول "أبى حازم" : ( إنما بينى وبين الملوك يوم واحد )

أما أمس فلا يجدون لذته .

وأنا وهم من غدٍ على وجل .

وإنما هو اليوم . فما عسى أن يكون اليوم ؟!

هذا الفقير الصالح يتحدى الملوك . إن لذائذ الماضى تفنى مع أمس الذاهب ، ما يستطيع أحد إمساك بعضها .

والغد فى ضمير الغيب يستوى السادة والصعاليك ، فى ترقبه .

فلم يبق إلا ليوم الذى يعيش العقلاء فى حدوده وحدها .

وفى نطاق اليوم يتحول إلى ملك من يملك نفسه ويبصر قصده .

فما وجه الهوان ؟ وما مكان التفاوت ؟!

على أن العيش فى حدود اليوم لا يعنى تجاهل المستقبل ، أو ترك الإعداد له ، فإن اهتمام المرء بغده وتفكيره فيه حَصافة وعقل .

وهناك فارق بين الإهتمام بالمستقبل والإغتمام به ، بين الاستعداد له والاستغراق فيه ، بين التيقظ فى استغلال اليوم وبين التوجس المربك المحير مما قد يفد به الغد .

إن الدين فى حظره للإسراف وحبه للاقتصاد إنما يؤمن الإنسان على مستقبله بالأخذ من صحته لمرضه ومن شبابه لهرمه ، ومن سلمه لحربه . كان سفيان الثورى من كبار التابعين ، وكانت له ثروة حسنة ، وكان يشير إليها ويقول لولده : لولا هذه لتمندل بنا هؤلاء ـ يقصد بنى أمية ـ

يعنى أن غناه حماه من حكام زمنه ، فلم يحتج إلى مداهنتهم أو تملقهم .

والواقع أن ذلك مسلك يعين على بلوغه إحسان العيش فى حدود اليوم ، فإن الحاضر المكين أساس جيد لمستقبل ناجح ، ومن ثم يجب نبذ القلق .

قال الشاعر :

سهرت أعين ونامـت عيون                  فى شؤون تكون أو لا تكون

إن رباً كفاك بالأمس ما كان                 سيكفيك فى غــــــد ما يكون

أتدرى كيف يُسرق عمر المرء منه ؟ يذهل عن يومه فى ارتقاب غده ، ولا يزال كذلك حتى ينقضى أجله ، ويده صفر من أى خير .

كتب "ستيفن ليكوك " يقول : (ما أعجب الحياة )!!

يقول الطفل : عندما أشبُ فأصبح غلاماً .

ويقول الغلام : عندما أترعرع فأصبح شاباً .

ويقول الشاب : عندما أتزوج . فإذا تزوج قال : عندما أصبح رجلاً متفرغاً ، فإذا جاءته الشيخوخة تطلع إلى المرحلة التى قطعها من عمره ، فإذا هى تلوح وكأن ريحاً باردة اكتسحتها اكتساحاً ... إننا نتعلم بعد فوات الأوان أن قيمة الحياة فى أن نحياها ، نحيا كل يوم منها وكل ساعة .

فى هؤلاء الذين ضيعوا أعمارهم سُدى وتركوا الأيام تفلت من أيديهم لُقًى ،

يقول الله تعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ[7]

ويقول : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا {46}[8]

 

 

[1]) ) الترمذى

[2]) ) الإحياء

[3]) )الترمذى

[4]) ) أبو داود

[5]) ) مسلم

[6]) ) الترغيب والترهيب

[7]) ) الآية :55 من سورة الروم

[8]) ) الآية : 46 من سورة النازعات

 

الشيخ محمد الغزالى

كثيراً ما يحب الإنسان أن يبدأ صفحة جديدة فى حياته ، ولكنه يقرن هذه البداية المرغوبة بموعد مع الأقدار المجهولة ، كتحسن فى حالته أو تحول فى مكانته .

وقد يقرنها بموسم معين ، أو مناسبة خاصة كعيد ميلاد أو غرة عام مثلاً .

وهو فى هذا التسويف يشعر بأن رافداً من روافد القوة المرموقة قد يجئ مع هذا الموعد ، فينشطه بعد خمول ويُمنَيه بعد إياس .

وهذا وهم فإن تجدد الحياة ينبع قبل كل شئ من داخل النفس .

والرجل المقبل على الدنيا بعزيمة وبصر لا تخضعه الظروف المحيطة به مهما ساءت ، ولا تصرفه وفق هواها إنه هو الذى يستفيد منها ويحتفظ بخصائصه أمامها كبذور الأوهار التى تُطمر تحت أكوام السبخ ثم تشق الطريق إلى أعلى مستقبلة ضوء الشمس برائحتها المنعشة !! لقد حولت الحمأ المسنون والماء الكدر إلى لون بهيج وعطر فواح ... كذلك الإنسان إذا ملك نفسه وملك وقته واحتفظ بحرية الحركة لقاء ما يواجه من شئون كريهة إنه يقدر على فعل الكثير دون انتظار أمدادٍ خارجية تساعد على ما يريد .

أنه بقواه الكامنة وملكاته الدفونة فيه والفرص المحدودة أو التافهة المتاحة له يستطيع أن يبنى حياته من جديد .

لا مكان لتريث إن الزمن قد يفد بعون يشد به أعصاب السائرين فى طريق الحق أما أن يهب المقعد طاقة على الخطو أو الجرى فذاك مستحيل .

لا تعلق بناء حياتك على أمنية يلدها الغيب فإن هذا الإرجاء لن يعود عليك بخير .

الحاضر القريب الماثل بين يديك ونفسك هذه التى بين جنبيك والظروف الباسمة أو الكالحة التى تلتف حواليك هى وحدها الدعائم التى يتمخض عنها مستقبلك . فلا مكان لإبطاء أو أنتظار ، قال صلى الله عليه وسلم :" إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسئ لبنهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل "[1]

ثم إن كل تأخير لإنفاذ منهاج تجدد به حياتك وتصلح به أعمالك لا يعنى إلا إطالة الفترة الكابية التى تبغى الخلاص منها وبقاءك مهزوماً أمام نوازع الهوى والتفريط .

بل قد يكون ذلك طريقاً إلى أنحدار أشد وهنا الطامة :

وفى ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " النادم ينتظر من الله الرحمة . والمعجب ينتظر المقت واعملوا عباد الله أن كل عامل سيقدم على عمله ولا يخرج من الدنيا حتى يرى حسن عمله وسوء عمله وإنما الأعمال بخواتيمها "

والليل والنهار مطيتان فأحسنوا السير عليهما إلى الأخرة . وإخذروا التسويف فإن الموت يأتى بغتة . ولا يغترن أحدكم بحلم الله عز وجل ، فإن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله . ثم قرأ :

فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ {7} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ {8}[2]

ما أجمل أن يعيد الإنسان تنظيم نفسه بين الحين والحين وأن يرسل نظرات ناقدة فى جوانبها ليتعرف عيوبها وآفاتها وأن يرسم السياسات القصيرة المدى والطويلة المدى ليتخلص من هذه الهنات التى تُزرى به .

فى كل بضعة أيام أنظر إلى أدراج مكتبى لأُذهب الفوضى التى حلت به من قصاصات متناثرة وسجلات مبعثرة وأوراق أدت الغرض منها .

يجب أن أرتب كل شئ فى وضعه الصحيح وأن يستقر فى سلة المهملات ما لا معنى للأحتفاظ به .

وفى البيت إن غرفه وصالاته تصبح مشعثة مرتبكة عقب أعمال يوم كامل . فإذا الأيدى الدائبة تجول هنا وهناك لتنظف الأثاث المغبر وتطرد القمامة الزائدة وتعيد إلى كل شئ رواءه ونظامه .

ألا تستحق حياة الإنسان مثل هذا الجهد ؟ . ألا تستحق نفسك أن تتعهد شئونها بين الحين والحين لترى ما عراها من اضطراب فتزيله ، وما لحقها من إثم فتنفيه عنها مثلما تُنفى القمامة عن الساحات الطهور ؟!

ألا تستحق النفس بعد كل مرحلة تقطعها من الحياة أن نعيد النظر فيما أصابها من غُنْم أو غُرْم ؟ وأن نُرجع إليها توازنها واعتدالها كلما رجتها الأزمات ، وهزها العراك الدائب على ظهر الأرض فى تلك الدنيا المائجة ؟

إن الإنسان أحوج الخلائق إلى التنقيب فى أرجاء نفسه وتعهد حياته الخاصة والعامة بما يصونها من العلل والتفكك .

ذلك أن الكيان العاطفى والعقلى للإنسان قلما يبقى متماسك اللبنات مع حدة الإحتكاك بصنوف الشهوات وضروب المغريات ... فإذا تُرك لعوامل الهدم تنال منه فهى آتية عليه لا محالة ، وعندئذ تنفرط المشاعر العاطفية والعقلية كما تنفرط حبات العقد إذا انقطع سلكه ... وهذا شأن مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا {28}[3]  كما يقول الله عز وجل .

وكلمة "فُرُط" هذه ينبغى أن نتأمل فيها . فالعامة عندنا يسمون حبات العنب الساقطة عن عنقودها أو حبات البلع الساقطة عن عُرجونها "فرطا" .

وانتزاع حبات الأذرة من كيزانها المتراصة تمهيداً لطحنها تُشتق تسميته من المادة نفسها .

والنفس الإنسانية إذا تقطعت أواصرها ، ولم يربطها نظام يُنسق شئونها ويركز قواها ، أصبحت مشاعرها وأفكارها كهذه الحبات المنفرطة السائبة لا خير فيها ولا حركة لها .

ومن ثم نرى ضرورة العمل الدائم لتنظيم النفس وإحكام الرقابة عليها .

والله عز وجل يُهيب بالبشر ــقُبيل كل صباح ــ أن يُجددوا حياتهم مع كل نهار مقبل .

فبعد أن يستريح الأنام من عناء الأمس الذاهب ، وعندما يتحركون فى فُرشهم ليواجهوا مع تحرك الفلك يومهم الجديد .

فى هذه الآونة الفاصلة تستطيع أن تسأل : كم تعثر العالم فى سيره ؟ كم مال مع الأثرة ؟ كم اقترف من دنية ؟ كم أضلته حيرته فبات محتاجاً إلى المحبة والحنان ؟

فى هذه اللحظة يستطيع كل امرئ أن يجدد حياته ، وأن يعيد بناء نفسه على أشعة من الأمل والتوفيق واليقظة .

إن صوت الحق يهتف فى كل مكان ليهتدى الحائرون ويتجدد البالون . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيقول : هل من سائل فيُعطى ؟ هل من داع فيستجاب له ؟ . هل من مستغفر فيغفر له ؟ .. حتى ينفجر الفجر "[4]

فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله فى تلك الساعات فكن .

إنها لحظة إدبار الليل وإقبال النهار وعلى أطلال الماضى القريب أو البعيد يمكنك أن تنهض لتبنى مستقبلك .

ولا تؤودنك كثرة الخطايا فلو كانت رُكاماً أسود كزبد البحر ما بالى الله عز وجل بالتعفية عليها إن أنت اتجهت اليه قصداً وانطلقت إليه ركضاً .

إن الكنود القديم لا يجوز أن يكون عائقاً أما أوبة صادقة ..

قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ {53} وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ

وفى حديث قدسى عن الله عز وجل :" ياابن آدم إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى . ياابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك ولا آبالى . ياابن آدم لو أتيتنى بقراب الأرض خطايا ثم لقيتنى لا تشرك بى شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة "[5]

وهذا الحديث وأمثاله جرعة تُحيى الأمل فى الإدارة المخدرة ، وتُنهض العزيمة الغافية وهى خجلى لتستأنف السير إلى الله ولتجدد حياتها بعد ماضٍ ملتوٍ مستكين [6]

لا أدرى لماذا لا يطير العباد إلى ربهم على أجنحة من الشوق بدل أن يُساقوا إليه بسياط من الرهبة ؟ إن الجهل بالله وبدينه هو علة هذا الشعور البارد ، أو هذا الشعور النافر ــ بالتعبير الصحيح ــ مع أن البشر لن يجدوا أبر بهم ولا أحنى عليهم من الله عز وجل .وبره وحنوه غير مشوبين بغرض ما ، بل هما من آثار كماله الأعلى وذاته المنزهة .

وقصة الإنسان تشير إلى أن الله خلقه ليكرمه لا ليهينه ، وليسوده فى العالمين ، لا ليؤخر منزلته أو يضع مقداره :

وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ {10}  وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ [7]

ووظيفة الدين بين الناس أن يضبط مسالكهم وعلائقه على أسس من الحق والقسط حتى يحيوا فى هذه الدنيا حياة لا جور فيها ولا جهل ..

فالدين للإنسان ــ كالغذاء لبدنه ــ ضرورة لوجوده ومتعة لحواسه .

والله عز وجل بشريعته مع الوالد ضد عقوق الولد ومع المظلوم ضد سطوة الظالم ومع أى امرئ ضد أن يصاب فى عرضه أو ماله أو دمه .

فهل هذه التعاليم قسوة على البشر ونكال بهم ؟ أأليست محض الرحمة والخير ؟

وإذا كلف الله أبناء آدم بعد ذلك ببعض العبادات اليسيرة ليحمدوا فيها آلاءه ويذكروا له حقه ، فهل هذه العبادات المفروضة هى التى يتألم الناس من أدائها ويتبرمون من إيجابها ؟

الحق أن الله لم يرد للناس قاطبة إلا اليسر والسماحة والكرامة ولكن الناس أبوا أن يستجيبوا لله وأن يسيروا وفق ما رسم لهم ، فزاغت بهم الأهواء فى كل فج وطفحت الأقطاء بتظالمهم وتناكرهم .

ومع هذا الضلال الذى خبطوا فيه فإن منادى الإيمان يهتف بهم أن عودوا إلى بارئكم . إن فرحته بعودتكم إليه فوق كل وصف . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل فى أرض دوية مهلكة ، معه راحلته ، عليها طعامه وشرابه ، فوضع رأسه فنام نومه ، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فطلبها ، حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله ، قال : إلى مكانى الذى كنت فيه فأنان حتى أموت ... فوضع رأسه على ساعده ليموت ، فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه ، فالله أشد فرحاً بتوبة المؤمن من هذا براحلته "[8]

ألا يبهرك هذا الترحاب الغامر . أترى شروراً يعدل هذه البهجة الخالصة ؟

إن أنبل الناس عرقاً وأطهرهم نفساً قلما يجد فؤادا يتلهف على لقائه بمثل هذا الحنين . فكيف بخطاء أسرف على نفسه وأساء إلى غيره ؟ إنه لو وجد أستقبالاً يستر عليه ما مضى لكان بحسبه ذلك الأمان المبذول ليستريح ويشكر .

أما أن يفاجأ بهذه الفرحة ، وذلك الأستبشار فذاك ما يثير الدهشة .

لكن الله أبر بالناس وأسر بأوبة العائدين إليه مما يظن القاصرون !! وطبيعى أن تكون هذه التوبة نقلة كاملة من حياة إلى حياة ، وفاضلا قائماً بين عهدين متمايزين ، كما يفصل الصبح بين الظلام والضياء .

فليست هذه العودة زورة خاطفة يرتد المرء بعدها إلى ما ألف من فوضى وإسفاف .

وليست محاولة فاشلة ينقصها صدق العزم وقوة التحمل وطول الجلد ، كلا كلا إن هذه العودة الظافرة التى يفرح الله بها هى أنتصار الإنسان على أسباب الضعف والخمول وسحقه لجراثيم الوضاعة والمعصية وانطلاقه من قيود الهوى والجحود ثم استقراره فى مرحلة أخرى من الإيمان والإحسان والنضج والاهتداء .

هذه هى العودة التى يقول الله فى صحابها :

وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى {82}[9]

إنها حياة تجددت بعد بلى ، ونقلة حاسمة غيرت معالم النفس ، كما تتغير الأرض الموات بعد مقادير هائلة من المياه والمخصبات .

إن تجديد الحياة لا يعنى إدخال بعض الأعمال الصالحة أو النيات الحسنة وسط جملة ضخمة من العادات الذميمة والأخلاق السيئة فهذا الخلط لا ينشئ به المرء مستقبلاً حميداً ولا مسلكاً مجيداً .

بل إنه لا يدل على كمال أو قبول ، فإنه القلوب المتحجرة قد ترشح بالخير والأصابع الكزه قد تتحرك بالعطاء .

واللهى عز وجل يصف بعض المطرودين من ساحته فيقول أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى {33} وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى {34}[10] وبقول فى المكذبين بكتابه :

وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ {41} وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ {42} تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ {43}[11]

فالأشرار قد تمر بضمائرهم فترتر صحو قليل ثم تعود بعد ذلك إلى سباتها .

ولا يسمى ذلك أهتداء ، إن الأهتداء هو الطور الأخير للتوبة النصوح .

إن البعد عن الله لن يثمر إلا علقماً ومواهب الذكاء والقوة والجمال والمعرفة تتحول كلها إلى نقم ومصائب عندما تعرى عن توفيق الله وتحرم من بركته .

ولذلك يخوف الله الناس عقبى هذا الاستيحاش منه والذهول عنه .

قد تكون سائراً فى طريقك فتقبل عليك سيارة تنهب الأرض  نهباً وتشعر كأنها موشكة على حطم بدنك وإتلاف حياتك فلا ترى بداً من التماس النجاة وسرعة الهرب ... إن الله يريد إشعار عباده تعرضهم لمثل هذه المعاطب والحتوف إذا هم صدفوا عنه ويوصيهم أن يلتمسوا النجاة ــ على عجل ــ عنده وحده : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ {50} وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ {51}[12]

وهى عودة تتطلب – كما رأيت ـ أن يجدد الإنسان نفسه ، وأن يعيد تنظيم حياته ، وأن يستأنف مع ربه علاقة أفضل ، وعملاً أكمل ، وعهداً يجرى على فمه هذا الدعاء :" اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت ، خلقتنى وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك على ، وأبوء بذنبى فاغفر لى ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت "[13].

 

[1]) ) مسلم

[2]) ) الزلزلة ، أية 7،8

[3]) ) الكهف آية 28

([4] ) مسلم

[5]) ) الزمر :53--54

([6]) إقرأ مبحث الخطيئة والمتاب من كتابنا "عقيدة المسلم "

[7]) )الأعراف : 10،11

[8]) ) البخارى

[9]) ) الآية : 82 من سورة طه

[10]) ) النجم 33-34

[11]) ) الحاقة 41-43

[12]) ) الذاريات : 50-51

[13]) ) البخارى

 

الشيخ محمد الغزالى

أحبُ أن ألفت الجاهلين بالإسلام والقاصرين فى فقهه إلى الخاصة الأولى فى هذا الدين ، وهى أنه دين الفطره .

فتعاليمه المنوعة فى كل شأن من شئون الحياة هى نداء الطبائع السليمة والأفكار الصحيحه ، وتوجيهاته المبثوثه فى أصوله مُتنفس طلق لما تنشده النفوس من كمال وتستريح من قرار .

وقد شُغِفْتُ من أمد بعيد ببيان المشابه بين تراث الإسلام المطمور ، وبين ما تنتهى إليه جلةُ المفكرين الأحرار فى أغلب النواحى النفسيه والإجتماعيه والسياسية ، وأحصيتُ من وجوه الاتفاق ما دل على صدق التطابق بين وحى التجربة ووحى السماء .

أجل .فكما تتحد الإجابة السديدة على فم شخصين أُلقى إليهما سؤال واحد ، اتحد منطق الطبيعة الإنسانية الصالحة ــ وهى تتحسس طريقها إلى الخير ــ مع منطق الآيات السماوية ، وهى تهدى الناس جميعاً إلى صراط مستقيم .

ولعل احترامى للإسلام وبقائى عليه يرجعان إلى ما لمسته بيدى من تجاوبه مع الفطرة الراشدة ، فلو لم يكن ديناً من لَدُن عالم الغيب والشهادة ما وسعنى ولا وسع غيرى أن يخترع أفضل منه فى إقامة صلاته بالله وبالناس .

ولك أن تشك فى هذا الزعم وتحسبه تطرف رجل جامد ، لكن من حقى أن أضع بين يديك مقانات شتى لتنظر فيها ثم تحكم بعدها كيف تشاء .

وكلمة نظرة تتسع لدلالات متباينة ، فقد تختلف طبيعتى وطبيعتك فى الحكم على شئ واحد ، تذهب أنت إلى تحسينه ، وأذهب إلى تقبيحه ، وقد تجنح فيه إلى أقصى اليمين ، وأجنح فيه إلى أقصى اليسار .

فهل هناك ضوابط تمنع هذا التناقض الخطير ؟

الجواب أن كلمة فِطْرة إذا أُطلقت لا يصح أن يراد بها إلا الفطرة السليمة ، فإن كل خلل يلحق الطبيعة لأى سبب لا يجوز أن يُحسب منها ، ولا أن يُحسب عليها .

خذ مثلاً الجنين .. المفروض أن ينزل من بطن أمه سوى الأعضاء والمشاعر .

فلو حدث أن وُلد أعمى لعلة فى أحد أبويه . فإن هذا العمى عَرَض غريب على الطبيعة التى يجب أن توجد كاملة .

ومن ثم فإن هذا لا يغض من جعل البصر أصلاً يُقاس عليه ويُطرح ما عداه .

وما يقال فى عالم الحيوان كذلك فى عالم النبات ، فالمفروض أن تُجنى الثمار وهى نقية من كل عيب يجيؤها من عدْو الحشرات والديدان .

وعلى الزُرَاع أن أن يستجيدوا البذور ، ويستكملوا الوسائل حتى يحصدوا غراسهم كما شاء الله لها نقاءً وجمالاً .

وكل تشويه يعترض عظمة الفطرة وروعتها فهو شذوذ ينبغى أن يُذاد ويُباد ، لا أن يُعترف به ويُسكت عليه .

والمجتمع الإنسانى يجب أن يسير على هذا الغِرار .

فأصحاب الصحة النفسية والعقلية ، وأصحاب الأمزجه المعتدلة ، والطباع المكتملة هم وحدهم الذين يُسمع منهم ويؤخذ عنهم .

أما المعلولون والمنحرفون ، وذوو الأفكار المختلة والغرائز المنحلة ، فهم كالثمار المعطوبة فى عالم النبات أو الأجنة الشائهة فى عالم الحيوان ، ليسوا أمثلة لسلامة الفطرة ، ولا يجوز أن يُطمأن إلى أحكامهم ولا إلى آرائهم ، ولو بلغت بهم الجراءة أن يزعموا نداء الطبيعة ومنطق الفطرة !!

إن نبىً الإسلام لما قال للسائل عن البر ٍ: "استَفْتِ قلبك " ، لم يقدِم هذا الجواب هدية لمجرم يستبيح الدماء ويغتال الحقوق .

وما أكثر الذين تتسع ضمائرهم للكبائر !!

إنه ساق هذا الجواب النبيل لرجل يتحرج من الإلمام بصغيرة ، رجل سليم الفطرة شفاف الجوهر عاشق للخير ، أراد النبى الكريم أن يريحه من عناء التساؤل والإستفتاء ، فرده إلى فؤاده يستلهمه الرشد كلما تشابهت أمامه الأمور ، ويستريح إلى إجابته وإن أكثر عليه المفتون ..

هذا الرجل وأمثاله من أصحاب القلوب الكبيرة هم موازين العالم ومناراته الهادية .

وعندما تلمح مواريث الأجيال والحضارات المختلفة فى الشرق والغرب ترى أصحاب هذه الفطر الراقية يرسلون الحكمة الغالية والوَصاة الثمينة ، ويصرفون جهودهم لتقويم الأوضاع إذا أعوجت ، وتقليل الأخطاء إذا شاعت .

ولعمرى إن الحياة من غير هؤلاء باطل !! وكم كان جديراً بالعالم أن يؤرخ لهم بدل أن يؤرخ للساسة والقادة من سفاكى الدماء ومذلى الشعوب .

إلى أصحاب هذه الفطر السليمة من كل جنس ولغة نلفت الأنظار لننتفع بهم .

وإلى الدخلاء عليهم من الأدباء المأجورين ، والصحافيين المنحرفين ، وأصحاب الفنون القوادة إلى الخلاعة والعبث نلفت الأنظار كى نحذر على أنفسنا ومستقبلنا .

فقد كثر فى الدنيا من يدعو إلى تعرية الأجسام والأرواح من لباس التقوى والفضيلة باسم أن ذلك عود إلى الطبيعة وتمش مع الفطرة !!

والحق أن دور هؤلاء بين الناس هو دور الجراثيم "الفطرية" فى إعطاب الثمار وإمراض الأبدان ، أى أنهم خطر على الطبيعة الصحيحة والفطرة السليمة .

وإذا شرحنا وظيفة الفطرة السليمة فى تعرُف الحق وتعريفه فيجدر بنا أن ننبه إلى أمر آخر ، هو أن كثرة البضاعة من نصوص السماء لا تُغنى فتيلاً فى نفع صاحبها ، أو فى نفع الناس بما عنده إذا كان مُلتات الطبيعة مريض الفطرة .

ما قيمة المنظار المقرب أو المكبر لدى امرئ فقد بصره ؟! .

إن فقدان البصيرة الواعية اللماحة حجاب طامس دون فهم الحق بَله تفهيمه .

وآفة الأديان جاءت من أن أكثر رجالها لا يصلحون ابتداءً لإدراك رسالتها ، كما لا يصلح المصدور للكر والفر فى ميدان القتال .

وقد رأيت رجالاً حظوظهم من تراث النبيين قليل ، ومحفوظهم من توجيهات السماء لا يذكر ، ومع ذلك فقد كان صفاء فطرتهم هادياً لا يضل فى معرفة الله ، وما يجب له وما يجب على الناس أن يصنعوه كى يحيوا على أرضه أبراراً أتقياء .

وصحيح أن هؤلاء لم يؤدوا المراسيم الدينية بالدقة التى نزلت بها ، وعذرهم أن فُرَصَ الأداء لم تٌتح لهم ، لأن رسالات الله لم تعرض عليهم عرضاً يُغْرى بقبولها والدخول فيها .

ولعل هؤلاء أحسن حالاً وأرجى مالاً من أناس مُكنوا من هدايات الله تمكيناً كاملاً , فبدلاً من أن ترتفع بهم هبطوا بها .

إن التاريخ سجل هزائم كثيرة للطوائف التى تسمى رجال الدين .

وقد أراد بعض الحمقى أن يحول هذه الهزائم إلى نكبة تحيق بالدين نفسه ، وهذا ظلم شنيع فإن انهزام هذه الأمثلة المصطنعة للتدين هو فى حقيقته انتصار للفطرة الإنسانية ، للطبيعة المتمردة على الغباء والجمود والنفاق .

إن هذا الأنتصار يجب أن يكون تمهيداً لفهم الدين كما جاء من عند الله لا لنبذه بعد ما لوثته أيدى الباعة التافهين .

وللدين صورة متسقة تنتظم فيها الملامح والمشاعر والنسب والأضواء ، ولهذه الصورة وضع واحد يبرز فيها "الرأس" وهو عالٍ ، وتبدو الحواس والأطراف كل فى مكانه العتيد لا يعدوه إلى غيره .

وصاحب الفطرة السليمة وحده هو الذين تستقر فى ذهنه صورة الدين على هذا النحو المبين .

أما مع اضطراب البصيره وفساد الذوق فإنك ستجد من يعرض عليك الدين على هذا النحو المبين .

أما مع اضطراب البصيرة وفساد الذوق فإنك ستجد من يعرض عليك الدين مشوشاً مشوهاً ،

يتجاوز فيه الرأس والقدم ، وتنخلع الأطراف والحواس من مكانها لتوضع العين فى اليد بدل مستقرها فى الوجه !!

إن هذه الفوضى فى فقه النصوص ليست إلا ضرباً من تحريف الكلم من مواضعه ، وهو المرض الذى أفسد الديانتين السابقتين اليهودية والنصرانية .

وربما تُعجزنا حماية الدين من أصحاب الفطر العليلة  ، فالحل الوحيد أن يتقدم أصحاب الفطر السليمة ليؤدوا واجبهم .

وبهذا الحل تتحقق فائدتان جليلتان :

أولاهما : أن ينتفع أولئك الأصفياء بما شرع الله لعباده ، فإن العقل مهما سما لن يستغنى عن النقل ، كما أن الذكاء لا يستغنى عن قواعد العلوم وفنون المعرفة .

وأخراهما : أن تنتفع حقائق الدين بمن يُحسن فهمها وعرضها غير مشوبة ولا مضطربة ، فإن الفقه فى الدين حكمة لا يؤتاها كل إنسان ‘ فليتعرض لها من لديهم استعداد خاص .

والإسلام دين لا تحتكر الكلام فيه والإبانة عنه طائفة معينة ، اللهم إلا من تؤهلهم دراساتهم المحترمة وسعتهم الروحية والفكرية لذلك ، وقد رضى الأزهر أن يقوم على رياسة مجلته منذ أنشئت إلى اليوم رجال من هذا النوع الكريم ، ولو لم يكونوا من علمائه الرسميين .

وحسن التصور لحقائق الدين ــ كما وردت ــ لابد أن تكون إلى جانبه ضميمة أخرى هى صدق العمل بها .

فإن علاج مشكلات الناس وأدوائهم لا يقدر عليه إلا رجل حل مشكلات نفسه ، وداوى عللها بالحقائق الدينية التى يعرضها .

وقد تُمارى فى ضرورة ذلك وتقول : رُبَّ حامل فقهٍ ليس بفقيه ... رُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه !!.

وأقول : إنَّ حملة الأدوية التى ينفعون بها ولا بنتفعون منها موجودون فى الحياة فعلاً .

وفى الحياة كذلك أثبت الطب أن هناك من يحمل جراثيم الأمراض ولا يعتل لظروف معقدة فى بدنه ، تجعله ينقل العدوى إلى الأخرين ، ويبقى هو معافى لا تصرعه العلة التى قد يصرع بها غيره !!

على أن الأحوال الشاذة التى توجد فيها قصة "حامل الميكروب " لا تسوغ وجود الجهال الذين يحملون العلم ، والسفهاء الذين ينقلون الرشد .

وقد ندد القرآن أشد التنديد بهذه الدواب الناقلة فقال :    مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {5}[1]

والحق أن المُثُل العليا لا يضيرها شئ كأن يكون نقلتها أول الناس خروجاً عليها إن هذا وحده مطعن يكفى للصد عنها وإهدار الثقة بها .

وفى أيامنا هذه تحولت وثيقة حقوق الإنسان التى وضعتها المحافل الدولية إلى خرافة تحوطها السخرية والزراية ، لأن الدول التى صدقت عليها مزقتها شر ممزق !! لا بل إنها لم تتناولها لتمزقها ، لقد أنفت أن تمد اليد لتناولها فتركتها تسقط تحت الأقدام ، لتلقى مصيرها فى الرغام .

إن الإنسان بفطرته قد يعرف الحقيقة فالحلال بين والحرام بين .

بيد أن هذه المعرفة لا قيمة لها إن لم نحل الحلال ونحرم الحرام وإن لم تقفنا الحدود الفاصلة بين الفضيلة والرذيلة والعدالة والعدوان .

وحملة الفقه الذين لا فقه لهم قد يدلوننا على الحقيقة إلا أنهم لا يستطيعون الآخذ بأيدينا إليها ، بل إن جملة الحقلئق التى يدلوننا عليها محصورة فى نطاق ضيق جداً . فإن تفاصيل الخير وأساليب الانطباع به والمران عليه لا يحسن تصورها ولا تصويرها إلا رجال لهم فى تربية أنفسهم باع طويل أو قصير ، وجهد فاشل أو ناجح . أما النقلة الذين يقومون بدور عربات البضاعة أو دواب الحمل فهم منفيون ابتداء من ميادين التهذيب والتأديب .

إن كتلاً كثيفة من البشر لا تزال بعيدة عن الإسلام ، لأنها تجهل تعاليمه جهلاً مطبقاً ومن ثم فهى لا تطلب إليه سبيلاً ولا تلتمس منه نوراً . والإسلام هو الفطرة التى جاء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يجلو صفحتها ، ويظهر رواءها ويعود بالبشر إليها بعد أن اجتالتهم الشياطين عنها .

ومحمد بن عبد الله بهذا المنهج الزكى يؤيد موسى الذى كفر به اليهود ، ويؤيد عيسى الذى ألحد فى تعاليمه النصارى . ويؤيد كل رجل هجر الخرافات والأوهام وقرر أن يسير إلى الله على ضوء من الإيمان الواضح والعمل الصالح .

وللفطرة [2] فى بلاد الإسلام كتاب يتلى ودروس تُلقى وشعوب هاجعه !!

ولها فى بلاد أخرى رجال ينقبون عن هداياتها كما ينقب المعدنون عن الذهب فى أعماق الصحارى فإذا ظفروا بشئ منه أغلوا قدره واستفادوا منه .

وصدق من قال :" الناس رجلان : رجل نام فى النور ، ورجل استيقظ فى الظلام "

ونتاج الفطرة الإنسانية فى البلاد المحرومة من أشعة القرآن الكريم نتاج واسع الدائرة متفاوت القيمة .

وليس يصعب على من له آثاره من علم بالإسلام الحنيف أن يرى المشابه بين الدلالة الصامتة هناك ، والدلالة الناطقة هنا .

أو بين العنوان المفصول عن موضوعه هنا ، والموضوع الذى فقد عنوانه هناك !!

إن الانحطاط الفكرى فى البلاد المحسوبة على الإسلام يثير اللوعة .

واليقظة العقلية فى الأقطار الأخرى تثير الدهشة .

ولا يحملنا على العزاء إلا أن هذه اليقظة صدى الفطرة التى جاء الإسلام يعلى شأنها أما تخلف المسلمين فسببه الأول تنكرهم لهذه الفطرة السليمة وتخاذلهم عن السير معها .

 

[1]) ) الآية 5 من سورة الجمعه .

[2]) ) اقرأ مقدمة كتابنا (الإسلام والمناهج الاشتراكية )

 

الشيخ محمد الغزالى

الدعوة الإسلامية في القرن الحالي

للشيخ / محمد الغزالي

الفصل الثالث  الدعوة فى ظل الدولة الأموية

الدعوة الإسلامية في القرن الحالي

للشيخ / محمد الغزالي

  • الدعوة وأحوال الدولة الداخلية

الدعوة الإسلامية في القرن الحالي

للشيخ / محمد الغزالي

الفصل الرابع العباسيون والدعوة الإسلامية

الإسلامية في القرن الحالي

للشيخ / محمد الغزالي

الفصل الرابع العباسيون والدعوة الإسلامية

 أحوال الدعوة فى العهد العباسى الأخير

 

الدعوة الإسلامية في القرن الحالي

للشيخ / محمد الغزالي

الفصل الرابع العباسيون والدعوة الإسلامية3

الصفحة 1 من 20

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة