هل يتجهون نحو دين طبيعي؟3

وتحرك عقلي مع هذه الخواطر المتداعية وتساءل : لماذا لفتك هذا العلم المحيط وحده ؟ القضية أكبر من استيعاب السمع والبصر والعلم لذلك كله ! القضية قضية إيجاد وإمداد !

فإن كل حي يتنفس فبقدرة الله وإرادته يعيش، إنه ـ تبارك اسمه ـ قيِّم السموات والأرض ومن فيهن يسوق الرزق لكل فم، ويدير الأجهزة الهاضمة في البشر والدواب والحشرات والزواحف والطيور كي تبقى إلى حين..!



واستطرد عقلي يتابع النظر: إن ذلك ما يقع الآن بيقين، فهل ذلك جديد في الكون الحافل بالحياة والأحياء؟ أم أنني وغيري من الخلائق قطرات فى بحر الوجود الذي انطلق من الأزل، واستمر هديره إلى يوم الناس هذا، وسوف يبقى ما شاء له القائم على كل نفس بما كسبت ، الذي جعل الأرض فراشاً والسماء بناء ، والذي أمات وأحيا ، وأضحك وأبكى ؟!.

نعم فى اللحظة الواحدة قد يقهقه نشوان بالسرور، وقد يحشرج محتضر راحل عن الدنيا.

والمشيئة العليا من وراء الأضداد كلها تعمل، لا يَحدّها زمان ولا مكان. ما أغرب هذا الوجود كله، وما أعظم من أبدعه، وأشرف على مسيرته، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. إننا ـ بما أودع فينا من عقول ـ نستطيع معرفة الله، ونستطيع دراسة عظمته في الكون الذي ذرأه ، لكننا لن نعرف الغيوب. وأول هذه الغيوب المعجزة أن نعرف كُنه الخالق، ذلك مستحيل، إن الكلمة لا تعرف كاتبها، إن القمر الصناعي ـ لو عقل ـ ما يعرف كنه الذي أطلقه.


الشمس تطلع كل صباح في عالمنا الصغير على خمسة مليارات من البشر، كل امرئ منهم يضبط جسمه وفكره ووجدانه، ومشاعره المهتاجة أو الراكدة، وحياته القاصدة أو الصاعدة، طفلا كان أو شيخاً، ذكراً كان أو أنثى.. هذا الرب الكبير، يضبطها جميعاً في آن واحد، مع عوالم أخرى لا ندريها، أفليس من الغرور والتطاول أن يحاول أحد منا معرفة سر هذه الذات؟ 

إن الإيمان ليس لغزاً، والدين ليس بدعاً ولغط الشكاكين ليس إلاّ سخفاً (أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم).


المشكلة الأولى ما يضمه الناس إلى الدين من هوى والدين منه بريء، وما نزال نؤكد أن كل حكم يرفضه العقل، وكل مسلك يأباه امرؤ سوي، وتقاومه الفطرة السليمة يستحيل أن يكون ديناً. وتدبر قوله سبحانه وتعالى: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ، قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد)..


ولما كانت الإنسانية قد بلغت شأوا كبيراً من الارتقاء في عصرنا الحاضر، وكانت الحضارة الغربية ـ بشقيها الصليبي والشيوعي ـ هي سيدة الموقف، وقائدة العالم، فإن صلة هذه الحضارة بالإسلام أهمتني، واستولت على مساحة رحبة من فكري.. 

وقد انتهيت بعد سياحة عقلية بعيدة المدى إلى أن العالم يحتاج إلى دين طبيعي لا تكلف فيه ولا تعسف! دين يوائم العقل لا يخاصمه أبداً، ويتجاوب مع الفطرة فهو منها وهي منه. 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة