هل يتجهون نحو دين طبيعي؟2

وأريد أن أمحو هذا التفاوت، وأستبعد أسباب الخصام بين المعنيين، فهما عند التأمل والإنصاف معنى واحد. 

وأساس الصلح في نظري تجريد الإيمان من كل وهم يدمغه البرهان ؛ وتجريد الإنسانية من كل غرور يقطعها عن الوحي. 

وقد رأيت من خبرتي بالإسلام أن الخطب سهل، وأنه مع احترام الفطرة البشرية ـ وهي قاسم مشترك بين الخلائق كافة ـ فإننا سنتفق على كلمة سواء.. 



فليس مما يليق بدعاة الإنسانية أن يذهبوا بأنفسهم ويستعلوا على هاديهم، ويستغلّوا أخطاء بعض المتدينين ليدّعوا الوحي الإلهيّ جملة، ويكتفوا بمرئياتهم وحدها، وما أكثر هناتها. 


ولم أرَ أقدر من القرآن الكريم على اقتياد الإنسان إلى الحق والرشد، وترشيحه لحسنات اليوم والغد. ولم أعرف أقدر من محمد عليه الصلاة والسلام في حل المشكلات وإنارة الظلمات.


كنت أتابع التجارب الأخيرة لإطلاق الأقمار الصناعية من مكوك الفضاء الأمريكي، وتألمت لأن القمرين ـ وأحدهما اندونوس زاغا عن مدارهما، واتخذا طريقاً يجعل سعيهما في الفضاء سُدًى. 


قلت: لقد بذل العلماء جهودهم، وما يستطيعون أكثر من ذلك. إن الجهد البشري قدَّر وما هدى. أما قدرة الله فشأن آخر. إن الله أعطى كل شيء خَلْقَه ثم هَدَى.


وما نوازن بين الخلق والخالق، فإن ما قد يبلغه العلماء من إبداع هو سنا من إلهام الكبير المتعال، بيد أن ما حدث يلفت النظر إلى عظمة من أطلق الكون في الفضاء فهو يسير في نظامه المرسوم مسخراً دءوباً، يعلو ويدنو، ويشرق ويغرب، وما يتزحزح عن مداره قيد أنملة، ولا يتقدم ولا يتأخر في مساره لحظة عين.


يستحيل أن يخرج شيء على إرادة الله منذ " استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض: ائتيا طوْعاً أو كَرْها قالت أتينا طائعين ". 

في جَوّ التوحيد الذي جعلني القرآن أتنفس فيه تمرّ بي خواطر لعلها جديرة بالتسجيل.. ضمني يوماً مجلس نابض بالتفكير العميق والحوار المخلص، وبينما أنا مشغول به دارت عيني في المكان كله، ووعيت أرجاءه جيداً، وإذا هاتف نفسي يقول لي: إن الصورة التي تراها الآن هنا يراها ربك أوضح وأشمل (أبصر به وأسمع).


وانتابني لون من الخشوع العابر، ثم رحلت عن هذا المكان، وكان سفري بالطائرة وحللت في فندق آخر، وضمني مع آخرين مجلس جديد، وتجدد الهاتف النفسي الأول مع زيادة :

إن الله يراك الآن في هذا المجلس، ويرى الذين حَلّوا بعدك في المجلس السابق، إن رؤيته لم تنقص لا هنا ولا هناك (فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين) .

وتتابعت الهواتف: لماذا استوقفك هذان المجلسان؟ إن الشهود الالهي يشرق على كل مكان قَلّ فيه الناس أو كثروا (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء) . أوَلا تذكر قول العلماء إنه يستوي فى العلم الإلهي يونس وهو فى بطن الحوت ومحمد وهو فى سدرة المنتهى؟ وكذلك تستوي فيه هباءة ترتعش في شعاع الشمس، وحصاة تصهرها الحرارة على بعد ألف ميل في بطن الأرض..!.

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة