هل يتجهون نحو دين طبيعي؟1

ترى ما هي أغوار وأبعاد " الإنسانية " التي تراضينا عليها وقبلناها عنواناً وموضوعاً ؟ إنني ـ بتجرد كامل ـ أبحث هذه القضية، ذلك لأني أرى العالم عاد إلى أصله أو حن إلى فطرته عندما رفع شعار هذه الإنسانية.

إن الدين الذي بلغه المصطفون الأخيار من فجر الخليقة إلى الآن هو هذه الإنسانية الراشدة لأنها تسمع صوت العقل، الصالحة لأنها تسمع صوت الضمير أي صوت القلب الطهور الذي يحسن الحسن ويقبح القبيح.



وعندما يكون الدين هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، فما الجديد الذي ينكره الإنسان، وينتصب لمقاومته ؟ نعم ساء عرض الدين فى أعصار طويلة ، وطولب البشر أحياناً بما يخالف الفطرة، وتأباه الطباع القويمة، ولست أقبل هذا الوضع، ومن حق أولي الألباب أن يرفضوا ما يكذبه العقل، وما تتأذى منه الفطرة، لأنه ليس ديناً نازلاً من السماء، وإنما هو نبت سام خرج من الأرض.

إن سير اليهودية وقف لأن ما صحبها من صلف ودعوى يصد عنها، فالله لم يختر شعباً ليدلله ، ويمكنه من رقاب البشر، ذاك فضلاً عما ذكره العهد القديم والتلمود من صفات لله لا تليق به ولا تصدق فيه..

وقد نشب صراع ضار بين النصرانية والعلم زهقت فيه أرواح بريئة لأن آباء الكنيسة جافوا العقل وعطلوا وظائفه وأنكروا امتداده، وما كان عيسى إلا إنساناً نبيلاً يقول للناس : " إن الله ربّي وربكم فاعبدوه، هذا صراط مستقيم ".

ووقع المسلمون فيما وقع فيه من قبلهم كما جاء في الحديث: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: اليهود والنصارى؟. قال: فمن إذن.؟. ". 

ومن المؤسف أن ناساً من المتكلمين في الإسلام أشبهوا كهنة الديانتين السابقتين في ضيق الأفق، ورداءة النظر، ومرض الذوق، وغش العرض، فكانوا بلاء على الإسلام وغطاء على نوره وصداً عن سبيله.

بيد أن الله تأذن بحفظ كتابه وصون وحيه وتجديد دينه ونفي الترهات عنه، ما بقي الليل والنهار.. 

ألا فلنعلم أن ما حكم العقل ببطلانه يستحيل أن يكون ديناً، وقد كان إبراهيم الخليل يشير إلى طبيعة الحق في أصل الإيمان عندما قال لأبيه: " يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا "؟! 

وكان يقيم الإيمان على مهاد اليقين العلمي عندما قال: " يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا".

وفي هذا الاتجاه نفسه من إرساء العقيدة على الصواب المستيقن تقرأ الآية الكريمة ( قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين).

الدين الحق، هو الإنسانية الصحيحة والإنسانية الصحيحة هي العقل الضابط للحقيقة المستنير بالعلم، الضائق بالخرافة، النافر من الأوهام. بيد أن الذكاء الحاد وهو جزء من هذه الإنسانية ما يكمل ويستقيم إلاّ بجزء آخر ينضم إليه ويتحد معه هو القلب النظيف من الكبر والأثرة، الشاكر لأنعُم الله والمعترف بأمجاده والماضي إلى غايته في هذه الحياة على ضوء من أسمائه الحُسْنَى، وهداه القويم..

وأعرف وأنا محزون أن هناك من هبط بمعنى الدين وكاد يجعله والإنسانية نقيضين !. وأن هناك من هبط بمفهوم الإنسانية، فعزلها عن ولي نعمتها، أعني عن ربها الكبير، وحبسها في نطاق الضروريات والمرفهات وحسب !. 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة