قصة قديمة جديدة2

بلغهم ذلك فجزعوا له وعظم فيه الخطب عليهم، ثم احتدم الأمر وأيقنوا أنهم بإزاء الشرع لا بإزاء القاضي ابن عبد السلام. 

وأفتى الشيخ أن لا يصح لهم بيع ولا شراء ولا زواج ولا طلاق ولا معاملة ، وأنه لا يصح لهم شيء من هذا حتى يباعوا ويحصل عتقهم بطريق شرعي.

ثم جعلوا يتسببون إلى رضاه ، ويتحملون عليه بالشفاعات، وهو مُصِر لا يعبأ بجلالة أخطارهم ، ولا يخشى اتسامه بعداوتهم ، فرفعوا الأمر إلى السلطان ، فأرسل إليه فلم يتحول عن رأيه وحكمه . 

واستشنع السلطان فعله وحنق عليه وأنكر منه دخوله فيما لا يعنيه ، وقبح عمله وسياسته وما تطاول إليه ،وهو رجل ليس له إلا نفسه وما تكاد تصل يده إلى ما يقيمه ، وهم وافرون وفي أيديهم القوة ولهم الأمر والنهي .

وانتهى ذلك إلى الشيخ الإمام فغضب ولم يبال بالسلطان ولا كبر عليه إعراضه، وأزمع الهجرة من مصر، فاكترى حميراً أركب أهله وولده عليها ومشى هو خلفهم يريد الخروج إلى الشام فلم يبعد إلا قليلاً نحو نصف بريد حتى طار الخبر في القاهرة ففزع الناس وتبعوه لا يتخلف منهم رجل ولا امرأة ولا صبي .

وصار فيهم العلماء والصلحاء والتجار والمحترفون كأن خروجه خروج نبي من بين المؤمنين به ، واستعلنت قوة الشرع في مظهرها الحاكم الآمر من هذه الجماهير، فقيل للسلطان: إن ذهب هذا الرجل ذهب ملكك .

فارتاع السلطان فركب بنفسه ولحق بالشيخ يترضاه ويستدفع من غضب الأمة وأطلق له أن يأمر بما شاء وقد أيقن أنه ليس رجل الدينار والدرهم والعيش والجاه أو أنه لبس طيلسان العلماء كما يُلصق الريش على حجر في صورة الطائر . 

ورجع الشيخ وأمر أن يعقد المجلس ويجمع الأمراء وينادي عليهم للمساومة في بيعهم وضرب لذلك أجلاً بعد أن يكون الأمر قد تعالمه كل امرئ في القاهرة ليتهيأ من يتهيأ للشراء والسوم في هذا الرقيق الغالي .

وكان من الأمراء المماليك نائب السلطنة فبعث إلى الشيخ يلاطفه ويسترضيه فلم يعبأ الشيخ به فهاج هائجه وقال: كيف يبيعنا هذا الشيخ وينادي علينا وينزلنا منزلة العبيد ويفسد محلنا من الناس ويبتذل أقدارنا ونحن ملوك الأرض؟

وما الذي يفقد هذا الشيخ من الدنيا فيدرك ما نحن فيه ؟. إنه طالب آخره، إنه يفقد ما لا يملك إلا الله ، فلا جرم ولا يبالي ولا يرجع عن رأيه مادام هذا الرأي لا يمر في منافعه، ولا في شهواته ولا في أطماعه كالذين نراهم من علماء الدنيا، أما والله لأضربنه بسيفي هذا حتى ننتهي منه فما يموت رأيه وهو حي على ظهر الأرض.

ثم ركب النائب في عسكره وجاء إلى دار الشيخ واستل سيفه وطرق الباب فخرج ابنه عبد اللطيف ورأى ما رأى فانقلب إلى أبيه وقال له: انج بنفسك. إنه الموت، وإنه السيف وإنه وإنه . 

فما اكترث الشيخ لذلك ولا جزع ولا تغير بل قال له: يا ولدي ، أبوك أقل من أن يقتل في سبيل الله . وخرج لا يعرف الحياة ولا الموت فليس فيه الرجل الإنساني بل الرجل الإلهي ونظر إلى نائب السلطنة وفي يده السيف فانطلقت أشعة عينيه في أعصاب اليد فيبست ووقع السيف منها . 

وتناوله بروح قوية فاضطرب الرجل وتزلزل وكأنما تكسرَّ من أعصابه فهو يرعد ولا يستقر ولا يهدأ . 

وأخذ النائب يبكي ويسأل الشيخ أن يدعو له ، ثم قال : يا سيدي ما تصنع بنا ؟ قال الشيخ : أنادي عليكم وأبيعكم ـ وفيما تصرف ثمننا ـ في مصالح المسلمين ـ ومن يقبضه ؟ـ أنا. 



وكان الشرع هو الذي يقول " أنا " فتم للشيخ ما أراد ونادى على الأفراد واحداً واحداً واشتط فى ثمنهم لا يبيع الواحد منه حتى يبلغ الثمن آخر ما يبلغ وكان كل أمير قد أعد من شيعته جماعة يستامونه ليشتروه . 

ودفع الظلم والنفاق والتكبر والاستطالة على الناس بهذه الكلمة التي أعلنها الشرع : أمراء للبيع... أمراء للبيع... 

حسناً فعل العز بن عبد السلام، وإن كان لي رأي آخر في شأن المماليك كله. إن تصرفه جميل لأنه قَمَع الغرور ومحا المظالم وأدّب المتطاولين وأعز المنكسرين وأبرز حقيقة الدين، وانتقل بالدعوة الإسلامية من تدريس نواقض الوضوء في المساجد إلى تدريس نواقض العمران والأخلاق والإيمان في دنيا السياسة ، وأرجاء المجتمع .

وعز الدين بن عبد السلام الذي لقِّب بسلطان العلماء أهل لهذا المسلك العالي لأنه رجل أصيل في فقهه ودعوته أمين في اقتدائه بسيد الدعاة الهداة ، محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه . 

ولنعد إلى شأن المماليك. الذي أراه في قضية الرقيق على الإجمال ، أن جمهرتهم أحرار . وأن العصابات التي اختطفتهم وباعتهم كانت تتاجر في أحرار . . 

وهؤلاء الرجال المختطفون قامت لهم دول في مصر، ذات تاريخ أشرف في جملته من تاريخ " بعضهم " من الأشراف أهل النسب. 

إن " قطز " المملوك المؤمن الشجاع الغيور أعظم رجولة وأضخم بطولة من الخليفة العباسي المنتسب لبني هاشم الذي انهزم وقتل في بغداد ذليلاً . 

و " جلّنار " امرأة قطز وشهيدة عين جالوت ، التي قُتِلَتْ مدافعة عن زوجها ـ بطل الإسلام في ذلك اليوم العصيب ـ أشرف وأعزّ من عقيلات قرشيات اختبأن في فرشهن لا يصنعن للإسلام شيئاً . 

إن الحساب الإلهي يجتاز الصفات والمراسم والمظاهر، وينظر إلى النفس البشرية مجردة عن كل هذه الملصقات المجلوبة! وعندما ذكر اليهود أنهم أبناء الأنبياء، قال القرآن الكريم مستنكراً: (فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) . 

النفس الإنسانية وحدها ، مجردة من كل شيء عارية إلا من حقيقتها . هي التي تحاسب ، فإما رسبت ، وإما علت . 

إلا أن العبيد ـ أو بتعبير دقيق المستعبدين ـ كثيراً ما ينسون الماضي ، ويحلو لهم أن يتحولوا فراعنة ، وأن يمارسوا البطش الذي طالما شكوا منه . . وما أغرب رعونات البشر ! 

في ثورات " التحرر " التي اندلعت في الشرق العربي أخيراً ، وصل أبناء العمال والفلاحين إلى قمة السلطة ، ووقع بأيديهم صولجان الملك ! فماذا حدث ؟ لو كان فرعون فى قبره يستطيع الضحك لضحك من أفعال خلفائه أبناء الفلاحين والعمال ؟ كان بطشهم أفتك ، وأنفهم أشمخ، وسيفهم أقطع، ونارهم أحمى وأضرى. 

ولم يكن هناك نموذج آخر للعز بن عبد السلام يذكر الطغاة بماضيهم ويردهم إلى أصولهم ويعظهم بما يقصم غرورهم.

إن العز بن عبد السلام كوى المتفرعنين بأن عرضهم على الشعب المظلوم في صورتهم الأولى ، فرأى الناس أمراء اليوم وعبيد الأمس يباعون في الأسواق ، وتطير عنهم مراسم الاستبداد. 

ترى : أتشهد الجماهير المهيضة مزاداً آخر من هذا النوع الفريد ، يعرض فيه رؤساء للبيع ؟. لا لقد انتهى بيع الرقيق نريد ساحة أخرى يتعرى فيها الطغاة من أسباب البأس ، ويعاملون فيها بما قدموا سِنًّا بِسِنٍّ ، وعيناً بعين ، ونفساً بنفس .

 

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة