الخبراء بحياة الغرب يشكون من مرارة الكفاح الدائر فى أرجائه للحصول على المال والمكاثرة به .

فالأفراد والجماعات منطلقون فى سباق رهيب لإحراز أكبر حظ مستطاع من حطام الدنيا .

وقواهم البدينة والنفسيه تدور كالألة الدائبة وراء هذه الغاية ، وقد احتشدت فيها جميع الخصائص الإنسانية الدنيا والعليا .

إلا أن الألات قد يقطر عليها من الزيت ما يرطب حدة الأحتكاك فى حركتها ، ويمنع الشرر المتولد من إحراقها ، أما أعصاب الناس فى عراك المادة الرهيب فكثيراً ما تفقد هذا العنصر الملطف ، وتمضى مُستثارةً يستبد بها القلق والضيق حتى تشتعل فتأتى على الأخضر واليابس .

وقد كتب "ديل كارنيجى" يصف مشاهد هذا السُعار المادى وما خلفه فى النفوس والجسوم من بلاء فقال : عشت فى نيويورك أكثر من سبع وثلاثين سنة ، فلم يحدث أن طرق أحد بابى ليحذرنى من مرض يُدعى "القلق" ، هذا المرض الذى يسبب فى الأعوام السبعة والثلاثين الماضية من الخسائر أكثر مما سببه الجدرى بعشرة آلاف ضعف ، نعم لم يطرق أحد بابى ليحذرنى أن شخصاً من كل عشرة أشخاص من سكان معرض للإصابة بانهيار عصبى مرجعه فى أغلب الأحوال إلى القلق "

ويقرر الأطباء أن واحداً من كل عشرين أمريكياً سوف يقضى جانباً من حياته فى مصح للأمراض العقلية ، ومن الحقائق المريرة أن واحداً من كل ستة شبان تقدموا للإلتحاق بالخدمة العسكرية فى خلال الحرب العالمية الأخيرة رد على أعقابه لأنه يعانى مرضاً جسيماً أو نقصاً عقلياً ... قال :( وألقى الدكتور "هارولد هابين" الطبيب بمستشفى "مايو" رسالة فى الجمعية الأمريكية للأطباء والجراحين العاملين فى المؤسسات الصناعية قال فيه : " إنه درس حالات 176 رجلاً من رجال الأعمال أعمارهم مُتجانسة فى نحو الرابعة والأربعين ، فاتضح له أن أكثر من ثلث هؤلاء يعانون واحداً من ثلاثة أمراض تنشأ كلها عن توتر الأعصاب ، وهى : أضطراب القلب ، وقرحة المعدة ، وضغط الدم ، ذلك لما يبلغ أحدهم الخامسة والأربعين بعد ، أهذا هو ثمن النجاح ، هل يعد ناجحاً ذاك الذى يشترى نجاحه بقرحة فى معدته ولغط فى قلبه ، وماذا يفيده المرض إذا كسب العالم أجمع وخسر صحته ؟ لو أن أحداً ملك الدنيا كلها ما استطاع أن ينام إلا سرير واحد ، وما وسعه أن يأكل أكثر من ثلاث وجبات فى اليوم ، فما الفرق بينه وبين الفاعل الذى يحفر الأرض ؟

لعل الفاعل أشد استغراقاً فى النوم ، وأوسع استمتاعاً بطعامه من رجل الأعمال ذى الجاه والسطوة .

ويقول الدكتور "و.س.الفاريز " : اتضح أن أربعة من كل خمسة مرضى ليس لعلتهم أساس عضوى البتة ، بل مرضهم ناشئ عن الخوف ، القلق ، والبغضاء ، والأثرة المستحكمة ، وعجز الشخص عن الملائمة بين نفسه والحياة .

على ضوء هذه الصيحات المحزونة نحب أن نذكر بعض أحاديث النبى محمد رسوا الله صلى الله عليه وسلم فى ذم هذا التمالب والترهيب من عقباه ، قال "من جعل الهم هماً واحداً كفاه الله هم دنياه ، ومن تشعبته الهموم لم يُبال الله فى أى أودية الدنيا هلك "[1]

هذا اللون من التوجيه النبوى يقصد به بث السكينة فى الأفئدة ، واستئصال جراثيم الطمع والتوجع التى تُطيل لُغُوب الإنسان وراء الدنيا وتحسره على ما يفوته منها ، وفى ذلك يقول :" من كانت الأخرة همه جعل الله غناه فى قلبه ، وجمع له شمله ، وأتته الدنيا وهى راغمة . ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه ، وفرق عليه شمله ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له "[2] . وقال :" تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم ، فإنه من كانت الدنيا أكبر همه أفشى الله ضيعته ، وجعل فقره بين عينيه . ومن كانت الأخرة أكبر همه جمع الله له أموره ، وجعل غناه فى قلبه . وما أقبل عبد بقلبه على الله عز وجل إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة ، وكان الله إليه بكل خير أسرع "[3]

وفى مواريث النبوة أحاديث كثيرة من هذا النوع الرضى الهادئ ، وهى حكم بالغة إذا سيقت فى مجالها ووضعت فى مواضيعها ، وهى لا تعنى إلا كفكفة الجهود المجنونة فى معركة الخبز ، وضبط عواطف البشر وراء مطالب الحياة ، فلا يكون زحامهم وسباقهم ذريعة إلى غرس الأضغان ، ونسيان الفضائل ، وحرق الصداقات ، ورد الإنسان المهذب الرقيق حيواناً محدود الظفر والناب يحول مناكب الأرض إلى مسبعة متهارشة .

ولكن بعض الزُهاد فهم الأحاديث الآنفة فهماً مقلوباً ، واستخدامها لإبطال أعمال الحياة بدلاً من تهذيبها ، فأساء بذلك إلى الدين والدنيا معاً .

إن من حق الدنيا علينا أن نعمل فيها ، وأن ننال من ضروراتها ومرفهاتها ما يحفظ حياتها ويسعدها ، وقد يكلفنا هذا لبعمل جهداً شاقاً يتصبب معه العرق ويطول فيه العناء ولكن هذا الحق المقرر وهذا الجهد المبذول لبلوغه لا يجوز أن يميلا بنا عن الجادة ، أو يزيغا بنا عن الرشاد .

فالمال إذا طلبناه فلكى ننفقه لا لكى نختزنه ، وإذا أحببناه وحصلناه فلنبذله فيما يحقق مصالحنا ويصون حياتنا .

ومن الحماقة أن يتحول المال إلى هدف مقصود لذاته نذوب فى جمعه المهج وتُرتخص العافية وتتكاثر الهموم وتُجتذب الأمراض !!

قال ابن الرومى :

قَرّب الحرْصُ مَرْكَبَّا لشَقِيٍ                            إنَّما الحرْصُ مَرْكَبُ الأشقياء

مَرْحبَّا بالكفاف يأتي هنيئاً                              وعلى المتْعِبات ذَيْلُ العَفَاء

ضِلَّةٌ لامرئ يُشمِّرفى الجمع                           لعيشٍ مشِمَّرٍ للْفَناء

دائبَّا يَكْنزُ القناطير للوارثِ                             والعمرُ دائبٌ فى انقضاء

جبَّذا كثرة القناطير لو كانت                            لرَبِّ الكنوزِ كَنْزَ بقاء

يَحْسَبُ الحظَّ كله فى يديه                                وهو منه على مَدَى الجوْزاء

ليس فى آجِلِ النعيم له حَظٌّ                               وما ذاق عاجلَ النَّعْماء

ذلك الخائب الشَّقِىُّ وإن كان                             يَرَى أنه من السُّعَداء

حَسْبُ ذى إربة ورأىٍ جَلىّ                              نَظَرَتْ عَيْنُهُ بلا غُلَواء

صِحَّة الدين والجوارح والعرْض                        وإحْرَازُ مُسْكَة الحَوْباء

تلك خيرٌ لعارف الخير مَّما                              يجمع الناسُ من فُضُول الثَّراء

ولها من ذوى الأصَالة عُشَّاق                           وليسوا بتابعى الأهواء

ليس للمُكْثر الُمنَغَّصِ عيشٌ                                 إنما عَيْشُ عائشٍ بالهناء

وللإسلام تعاليم طيبة فى موقف الإنسان من دنياه ، إنه يتجه ابتداء إلى القلب فيغرس فيه العفاف والترفع ، ويُكره إليه الجشع والشراهة والتطلع .

إن لعشق المال ضراوة تفتك بالضمائر والأبدان ، وتورث المذلة والهوان ، وانظر ما يعقبه الحبُ الشديد للمال والقلق البالغ من فواته ... يقول "ديل كارنيجى" : من الحقائق المعروفة أنه عندما تهبط قيمة الأسهم فى البورصة ترتفع نسبة السكر فى البول والدم بين المضاربين !!

أى علاج لهذه الحال أكرم من قول محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن هذا المال خَضِر حُلْو ، من أخذه بسخاوة نفس بُورك له فيه ، ومن أخذه باستشراف نفس لم يُبارك له فيه ، وكان كالذى يأكل ولا يشبع ..."[4]

إن المال كالفاكهة الجميلة اللون ، الشهية المذاق وميل الطباع إلى اقتناء هذا الخضر الحلو معروف ، بيد أن من الناس من يظل يطعم حتى تقتله التُخمة ومنهم من يختطف ما فى أيدى الآخرين إلى جانب نصيبه المعقول .

ومنهم من يدخر ويجوع . ومنهم من يشغله القلق خشية الحرمان ، ومن يشغله القلق طلب المزيد .

وأفضل الناس من يأخذونه بسماحة وشرف ، فإذا تحول عنهم لم يشيعوه بحسرة أو يرسلوا وراءه العبرات لأن بناءهم النفسى يقوم وحده بعيداً عن معايير المكاثرة ورذائل النهم والتوسع ... قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ياأيها الناس إن الغنى ليس عن كثرة العرض ، ولكن الغنى غنى النفس . وإن الله عز وجل يؤتى عبده ما كتب له من الرزق ، فأجملوا فى الطلب ، خذوا ما حل ودعوا ما حرم "[5]

والإجمال فى الطلب - كما رأيت- لا يعنى القعود أبداً .

إن الطلب الجميل تكسب الحلال فى سماحة ورفق ، وأطراح الحرام فى زهادة وأنفة ، ثم تجئ بعد ذلك بقية تعاليم الإسلام القائمة على الإيمان بالله ، والتصديق بلقائه ، وإيثار ما عنده ، ومعرفة قدر الدنيا بالنسبة إلى الأخرى .

ثم معرفة قدر الله جل شأنه بالنسبة إلى ما عداه .

إن هذه معرفة تنفى الأحزان عن صاحبها وتذر فى فؤاده ثقة تغمر يومه وغده بالراحة والرضا : الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ {28} الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ {29}[6]

أجل طوبى لهم ، إنهم سعداء بيقينهم وإخلاصهم وإستقامتهم على النهج الذى رسمه الإسلام لهم ." طوبى لمن طاب كسبُه ، وصلحت سريرته ، وكرمت علانيته ، وعزل عن الناس شره . طوبى لمن عمل بعلمه ، وأنفق الفضل من ماله وأمسلك الفضل من قوله ..."[7]

إن جماهير غفيرة من الرجال الذين تظلهم حضارة الغرب محرومون من هذه الوداعة .

يقول "ديل كارنيجى" :( لقد أثبت الإحصاء أن القلق هو القاتل فى أمريكا ، ففى خلال سنين الحرب العالمية الأخيرة قُتل من أبنائنا نحو ثلث مليون مقاتل . وفى خلال هذه الفترة نفسها قضى داء القلب على مليونى نسمة .

ومن هؤلاء الاخيرين مليون نسمة كان مرضهم ناشئاً عن القلق وتوتر الأعصاب ... نعم إن مرض القلب من الأسباب الرئيسية التى حدت بالدكتور "أليكس كاريل " إلى أن يقول : إن رجال الأعمال الذين لا يعرفون كيف يكافحون القلق يموتون يموتون مبكرين .

وقلما يمرض الزنوج فى أمريكا أو الصينيون بأمراض القلب ، فهؤلاء أقوام يأخذون الحياة مأخذاً سهلاً ليناً . وإنك لترى أن عدد الأطباء الذين يموتون بالسكتة القلبية يزيد عشرين ضعفاً على عدد الفلاحين الذين يموتون بالعلة نفسها ، فإن الأطباء يحيون حياة متوترة عنيفة ويدفعون الثمن غالياً ).

أجل فإن القلق والهم يحطمان العمالقة ، ويُذبلان الوجوه الطافحة بالحياة ولذلك يقول الشاعر :

والهمُّ يخترم الجسيم نحافةً         ويُشيب ناصية الصبى ويُهرمُ

وقد كنتُ أعجب كيف أن فلاناً امتلكه الحزن إثر كارثة عصبية ، فإذا بعض أضراسه قد سقط من فمه ، ثم أدركت بعد كشوف الطب الحديث أن الأزمات النفسية العاتية شديدة الوطأة على الجسم ، وأنها تحول العصارات الهاضمة إلى سموم ، فلا تستفيد المعدة من أغنى الأطعمة بالغذاء ، وأنها تفتت جير الأنسان ، وتزلزلها من مستقرها العتيد .

وقد قرأنا كيف أن بكاء يعقوب على أبنه أفقده بصره ، وكيف أن الغم بلغ مداه بالسيدة عائشة -  عندما تطاول عليها الأفاكون – فظلت تبكى حتى قالت :" ظننت أن الحزن فالق كبدى "

وقد أدرك الموجهون خطر الأحزان على كيان الأمم وإنتاجها ، فتألفت فى (ألمانيا) منذ سنين جماعة جعلت شعارها : القوة فى السرور . وإنه لخير للأمم أن تستقبل الحياة ببشر وأمل كى تستفيد من وقتها ومالها ، ومن حقها على قادتها أن يجنبوها القنوط والتشاؤم والاستكانة ، فإن هذه المشاعر الباردة تطويها فى أكفان الموت قبل أن تموت :

لَيْسَ مَنْ ماتَ فاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ       إنَّمَا المَيْتُ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ
إنَّمَا المَيْتُ مَنْ يَعِيشُ ذَلِيلاً          كاسَفاً بالُهُ قليلَ الرَّجاءِ

وما أظن عاقلاً يزهد فى البشاشة أو مؤمناً يجنح إلى التشاؤم واليأس ، وربما غلبت المرء أعراض قاهرة فسلبته طمأنينته ورضاه ، وهنا يجب عليه أن يتشبث بالعناية العليا كى تنقذه مما حل به ، فإن الاستسلام لتيار الكآبة بداية انهيار شامل فى الإرادة يطبع الأعمال كلها بالعجز والشلل .

ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه أن يستعينوا بالله فى النجاة من هذه الآفات . قال أبو سعيد الخدرى : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ذات يوم فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو اُمامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
 " يا أبا اُمامة مالي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة ؟ " . قال : هموم لزمتني وديون يا رسول الله .
 قال صلى الله عليه وسلم : " أفلا اُعلمك كلاماً إذا قلته أذهب الله همك وقضى عنك دينك " قال : بلى يا رسول الله .
 قال : " قل إذا أصبحت وإذا أمسيت : اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال " .[8]
 وقال أبو اُمامة : ففعلت ذلك فأذهب الله همي وقضى عني ديني .

وبديهى أن تريد كلمات معينة ليس إلا مفتاحاً لأحوال نفسية جديدة تتغير بها حياة الرجل ، ثم تستقيم بعدها خطاه وتلاحقه عناية الله . وقد رأيت أن النبي صلى الله عليه وسلم استغرب قعود الرجل في المسجد، فرده إلى الميدان مزودًا بدعاء يفتتح به نهاره، ويبتدئ به أعماله بعيدًا عن أغلال الضيق النفسي والشلل الفكري، وبذلك يأمن "غلبة الدين، وقهر الرجال".

وعن شداد بن أوس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن نقول: "اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، وأسألك عزيمة الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك لسانًا صادقًا، وقلبًا سليمًا، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأسألك من خير ما تعلم، وأستغفرك مما تعلم؛ إنك أنت علام الغيوب[9]".

وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: "اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا. ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا. واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا"[10]. إن هذه الأدعية –كما أشرنا إلى ذلك في بعض كتبنا- أشبه بالأناشيد الحماسية، التي تثير عواطف الركب السائر، فهي ليست جؤار القاعدين، ولا أماني الهامدين، بل هي أمداد دافقة من الحق والضياء واليقين؛ يتغلب بها البشر على مشكلات العيش ومضايق الأيام.

ثم هي تحديد للمعاني التي يصح التمسك بها والتقلب في جوها، وهي معان قوامها عقد العزم على العمل في ظل الإيمان والعافية والعدالة، وفي ظل الكبرياء على مشاغل الدنيا ومحرجاتها الجمة.

وبهذا المنهج يطيب المرء روحًا وبدنًا، ويكتمل دينًا ودنيا. وبعض الناس يتصور أن الدعاء موقف سلبي من الحياة؛ أليس عرض حاجات وانتظار إجابة؟!.

ويوم يكون الدعاء كذلك لا يعدو ترديد أماني، وارتقاب فرج من الغد المجهول، فإن الدعاء يكون لغوًا، ولا وزن له عند الله. إن الدعاء أولًا تحديد وجهة، ورسم مثل أعلى، فإبراهيم عليه السلام عندما قال: ( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ )[11] ، كان بهذا الدعاء يجعل إقامة الصلاة منهج حياة، ومشغلة إنسان.

أين منه أولئك الذين يضيقون بالصلاة، ولا يأتونها إلا وهم كسالى؟!

وعباد الرحمن عندما قالوا: ( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا )[12] ، كانوا بهذا النداء ينشدون في المجتمع البشري الأسرة المستقرة، والبيت السعيد، كما كانوا ينشدون لأنفسهم السبق في مجال التقوى، والتقدم في كل خير. وبديهي أن ينضم إلى ذلك ما يحقق المثل المرسوم من عمل يقرب، وخطوات موصلة.

على أن من أهل الدين من ظلم حقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر، فظن أن هذا الإيمان يعترض الحياة الصحيحة، كما يعترض ظل الأرض ضوء القمر ليلة الخسوف.

إن وظيفة هذا الإيمان لديهم أن يجيء إلى الحياة البهجة، فيرمي جوانبها بالقتام والوحشة، فما تصفو الدنيا لمؤمن، أو بتعبير أدق: إن مقتضى الإيمان اجتذاب البأساء والضراء، والكبد والنكد إلى حياة الأفراد والجماعات!!.

وهذا خطأ كبير، وظلم للدين جسيم، فإن نبي الإسلام –وهو أزكى من عبد الله- لم يفهم الحياة هذا الفهم، ولم يحمل الإسلام هذا العبء.. كيف وهو القائل: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر".

ولماذا يحسب الألم والهوان والقلق من لوازم اليقين، أو تحسب وسائل لمرضاة الله، مع أن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم كان يكرهها كلها، ويستجير بالله منها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء!!.

إن من الصحابة –رضوان الله عليهم- من وقع في هذا الغلط، وحسب أن التعرض العمد للضر كفارة للخطايا، فأفهمهم النبي السمح صلى الله عليه وسلم أن الأمر أيسر من ذلك؛ روي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلًا من المسلمين قد خفت، فصار مثل الفرخ –هزالًا-.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل كنت تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟".

قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله!! لا تطيقه –أو لا تستطيعه- أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار".

قال: فدعا الله له فشفاه.

وسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يقول: اللهم إني أسألك الصبر.

فقال: "سألت الله البلاء فسله العافية".

وقال مطرف بن عبد الله: "لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر، لأن مقام العوافي أقرب إلى السلامة، فلذلك أختار الشكر على الصبر لأن الصبر حال أهل البلاء".

قال الدكتور زكي مبارك: "وصاحب هذا الكلام يرى العافية من أبواب السلامة، أي سلامة النفوس، لأن البلاء قد يعرض النفس للجزع والارتياب، وتعريض النفس للفتنة غير مأمون العواقب. أما العافية فتحفظ توازن النفس، وتجعل الرجل قادرًا على صالح الأعمال.

والحق أن الإنسان يكابر حين يرحب بالمصائب، لأنه أسير لنظام الأعصاب في أغلب الأحيان. ومن الخير له أن يسأل الله العافية، وأن يتجنب التعرض للامتحان، فقد يضعف عن مواجهة ما يشتهي من المصاعب، ويعرف بعد الانزلاق في هوة المكاره أن العزيمة قد تفتر أو تخون.

وعند التأمل ترى النعم والعوافي تزيد في الصلة الروحية بين الإنسان وبين ربه، والفرق بعيد بين الحالين: حال الطمأنينة، وحال الاحتساب، فالمطمئن ينظر إلى ربه نظر المدين، وهي نظرة كلها ترفق وتخشع. أما الصابر المحتسب فيتعرض للزهو بالصبر على ما يعاني؛ والزهو من أشد آفات النفوس".

وهذا كلام حسن جيد.

ونحن نحب أن نكون عبيد إحسان لا عبيد امتحان.

ولكن هل تجيء الأيام ما نحب؟ ما أكثر العواصف التي تهب علينا، وتملأ آفاقنا بالغيوم المرعدة، وكم يواجه المرء بما يكره، ويحرم ما يشتهي!!

هنا يجيء دور الصبر، الذي يطارد الجزع، والرضا الذي ينفي السخط.

وفي هذا المقام يقول الدكتور زكي: "التسليم لله من أدب النفس، وهو يطرد نوازع شتى يخلقها التفكير في النصيب الحاضر من حظوظ الحياة".

ومن الواضح أن هذا المقام يحتاج إلى رياضة شديدة، لأن الرضا لا يكون إلا بعد تطهير القلب من الوساوس النفسية، وهو بالتأكيد من أسباب الاطمئنان، والطمأنينة أكبر الغنائم في الحياة الخلقية.

وقد يقال: إن الرضا المطلق يبعث على البلادة، ويغري النفس بإيثار الركود! ونجيب: بأنه لا تنافي بين الرضا بالواقع والرغبة في تكميل النفس، وإمدادها بما تحتاج إليه من الأغذية الدنيوية والعقلية والروحية.

فإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ارض بما قسم الله لك؛ تكن أغنى الناس"؛ فلا تجعل الرضا ذريعة القصور والقعود.

بل ارض بيومك، وأمل ما يسرك في غدك.

 

[1]) ) الحاكم

[2]) ) الترمذى

[3]) ) البيهقى

[4]) ) أبو داود

[5]) ) أبو يعلى

[6]) ) الرعد 28،29

[7]) ) الترغيب والترهيب

[8]) ) أبو داود

[9]) )الترمذى

[10]) ) الترمذى

[11] إبراهيم: 40

[12] [الفرقان: 74]

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة