فى ضرب الزوجات

كتاب : قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة
تأليف : الإمام محمد الغزالي

فى ضرب الزوجات


يملكنى الغضب والأسى عندما أجد رجال الحديث النبوى ضعفاء الوعى بالقرآن الكريم! يقرؤون على الناس الحديث غير شاعرين بقربه أو بعده من هذه الآيات القرآنية. 

فى الجزء الثالث من تيسير الوصول إلى جامع الأصول جاء عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "لا يسأل الرجل: فيم ضرب امرأته "؟ أخرجه أبو داود. 

قال الشيخ محمد حامد الفقى فى تعليقه على هذا الحديث: وأخرجه النسائى! أى أنه قوّى سند الحديث، وترك المتن وكأنه صحيح لا غبار عليه. 

وهذا الظاهر باطل، فالمتن المذكور مخالف لنصوص الكتاب، ومخالف لأحاديث أخرى كثيرة! وعدوان الرجل على المرأة كعدوان المرأة على الرجل مرفوض عقلاً ونقلاً وعدلاً ولا أدرى كيف قيل هذا الكلام ونسب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ..

إن من قواعد الجزاء الأخروى قوله تعالى : " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * و من يعمل مثقال ذرة شرا يره "فهل الزوجة وحدها هى التى تخرج عن هذه القاعدة فلا يسأل الرجل "فيم ضربها؟ " له أن يضربها لأمر ما فى نفسه، أو لرغبة عارضة فى الاعتداء؟ فأين قوله تعالى: " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف " وقوله : " فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف " وأين قوله عليه الصلاة والسلام: "استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك.. 

ما يقع هو النشوز، ومعنى الكلمة الترفّع والاستعلاء، أى أن المرأة تستكبر على الزوج وتستنكف من طاعته ويدفعها هذا إلى كراهية الاتصال به فى أمسّ وظائف الزوجية، فيبيت وهو عليها ساخط! وقد يدفعه هذا إلى ضربها.!. 

وهناك أمر آخر أفحش أن تأذن فى دخول بيته لغريب يكرهه مع ما فى ذلك من شبهات تزلزل العلاقة الزوجية وتجعلها مضغة فى الأفواه.. ولم أجد فى أدلة الشرع ما يسيغ الضرب إلا هذا وذاك.. 

ومع ذلك فقد اتفقت كلمة المفسرين على أن التأديب يكون بالسواك مثلا ! فلا يكون ضربا مبرحاً، ولا يكون على الوجه! ففى الحديث "... ولا تضرب الوجه، ولا تقبِّح أى لا تقل لها قبَّحك الله " !

ثم قال تعالى فى الزوجات المستقرات المؤديات حق الله وحق الأسرة، " فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا". 

وختام الآية جدير بالتأمل، فقد تضمّن صفتين من صفات الله تعالى هما العلو والكبرياء وهما صفتان تنافيان الإسفاف فى التصرف، والاستئساد على الضعيف،والمسلك البعيد عن الشرف،وفى ذلك كله لفت أنظار الرجال إلى أن تكون سيرتهم مع أهليهم رفيعة المستوى،متسمة بالرفق والفضل،وليس يُتصور مع هذا كله أن يعدو الرجل على امرأته كلما شاء، وأنه لا يسأل عن ذلك أمام الله... 

ومن ثم فالحديث الذى رواه أبو داود والنسائى فى ضرب النساء لا أصل له، مهما تمحّلوا فى تأويله... 

على أن من احترام الواقع ألا نظن النساء كلهن ملائكة، والرجال جميعا شياطين،هذا ضرب من السخف، والانحياز فى الحكم إلى أحد الجانبين ليس من الإنصاف.. 

والأولى أن ندرس العلاقات العائلية بتجرد، وأن نحسب آثار الطباع والأزمات والأحداث الطارئة، وألا نترك لسبب تافه القضاء على الحياة الزوجية.. 

إن انهدام بيتٍ شىء خطير! وقد رأى الإسلام ـ حتى بعد وقوع طلاق ـ أن يجعل كلا الزوجين يواجه الآخر، لعل الذكريات الحلوة تغلب الذكريات المرة، أو لعل الإيلاف يطرد الفراق على نحو ما قال أبو الطيب: 

خُلقت ألوفا، لو رجعت إلى الصبا .. لفارقت شيبى موجع القلب باكياً 

ومن ثم وجب تدخُّل المجتمع لفض الاشتباك على مهل وإعادة المياه إلى مجاريها، وأولى الناس بأداء هذه المهمة أقارب الزوجين، فهمـا أرغب فى الصلح وأبصر بالمصلحة وأقدر على التنفيذ، وهذا هو قوله تعالى:" وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا". 

وقد روى الشافعى بسنده عن على بن أبى طالب ـ رضى الله عنه ـ أنه جاءه رجل وامرأة، مع كل واحد منهما فئام من الناس ـ جماعات ـ قال: ما شأن هذين؟ قالوا: وقع بينهما شقاق! قال على فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها. 

ثم قال للحكمين: تدريان ما عليكما؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما! وإن رأيتما أن تفرّقا فرقتُما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما علىّ فيه وبما لى! . 

وقال الرجل: أما الفرقة فلا..! قال علىٌّ كذبْتَ حتى تقرَّ بمثل ما أقرت به.. 

ومعنى اعتراض الزوج أنه لا يعطى للحكمين حق إيقاع الطلاق باسمه.. أى أن لهما الجمع لا التفريق! ولكن علياً كذّبه! مبيناً أن للحكمين التوفيق أو التطليق أو المخالعة، وهذا هو كتاب الله.. 

والفقهاء يختلفون فى سلطة الحكمين ومداها، ولا ندرس الموضوع هنا،وإنما نشعر بالغرابة لأن الرجل الذى استفحل الشقاق بينه وبين زوجته حتى بلغ ما بلغ لم يفرط فى عقد الزوجية، ورغب فى بقائه.. . 

وشئ آخر نتوقف عنده، أن المجتمع باسم الله تدخل لحسم النزاع، واستدامة العلاقة العائلية! أما اليوم فقد تطلق المرأة فى رطل لحم يعلّق الرجل بقاء امرأته على شرائه !. 

الحق أن قضايا المرأة تكتنفها أزمات عقلية وخلقية واجتماعية واقتصادية،كما أن الأمر يحتاج إلى مراجعة ذكية لنصوص وردت، وفتاوى توورثت وعادات سيئة تترك طابعها على أعمال الناس. 

لابد من دراسة متأنية لما نشكو منه، ودراسة تفرق بين الوحى وما اندسّ فيه، وبين ما يجب محوه أو إثباته من أحوال الأمة

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة