Print this page

التشدد فى إيقاع الطلاق

كتاب : قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة
تأليف : الإمام محمد الغزالي

 

التشدد فى إيقاع الطلاق 



لا أكترث طويلاً لاختلاف الفقهاء فى العبادات الشخصية! من شاء قرأ وراء إمامه ومن شاء صمت،لكل منهما أجره، وإن كنت أضيق باللغط الذى يحدثه الشافعية عندما يبدؤون قراءة الفاتحة حال ما يقرأ الإمام السورة بعدها..

إننا نكترث للخلاف الواقع فى الدماء والأعراض! فهو خلاف لابد أن تتدخل الدولة لحسمه، تبنِّى مذهب محدّد فيه !!. 

هناك من يرى فسخ الزواج بين عربية وأعجمىّ (!) وهناك من يرى القصاص بين مسلم وغير مسلم، بل هناك شئون دولية خاض فيها الفقهاء تتصل بالحرب والسلام.. 

وأعتقد أن هذه القضايا هى مجال الاجتهاد الجماعى لا الفردى، وهى كذلك مجال الاجتهاد المفتوح أمام وجهات النظر المختلفة، وأظن هذا الخلاف لن تنقضى أسبابه.. 

وعندى أن شئون الأسرة من هذه المجالات المفتوحة،وأن الاختيار الحرّ من شتى المذاهب الاجتهادية أدنى إلى الحق، وأَعْوَد بالنفع على الأمة. وإذا كان الطلاق أبغض الحلال إلى الله فأفضل ما نفعل أن نضيّق الخناق على الآراء التى توقعه لأدنى شبهة. 

هناك فقهاء تحسبهم متربصين لكلمة الطلاق تقال أو تفهم أو تُتَوهم فإذا هم يحكمون على الحياة الزوجية بالموت كأنما يشتهون تمزيق الشمل وبعثرة الكيان الجميع.!. 

وقد سرنى من ابن تيمية ردّه لطلاق البدعة، وبصره الذكىّ بالنصوص وحكمتها،واستغربت من أتباعه أن يتجهَّموا لهذا الجانب الذكى من فقه الرجل.

وكان استبحار ابن حزم فى حفظ المرويات وراء رفضه لكثيرمن أحكام الطلاق التى أفتى بها غيره بيد أن ظاهريته المفرطة أوقعته فى ورطات مضحكة، وأظنها حالت دون الانتفاع بعلمه الغزير، وقدرته المعجبة.. 

إنه رفض الطلقة الواحدة فى الحيض مثلاً، والطلقتين، ولكنه أوقع الطلاق الثلاث،وذاك فى غاية العجب والمخالفة لظواهر النصوص وفحواها.
إنه يرفض طلقة وطلقتين ويقبل ثلاث طلقات . 

الإسلام يريد التريث فى معالجة ما ينشب بين الرجل وامرأته لعل المياه تعود إلى مجاريها، وهذا ما يفهمه كل عاقل من ختام آية الطلاق" لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ". 

وقد قال تعالى فى سورة البقرة: "الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" هناك ثلاثة إمساكات بمعروف، وهناك ثلاثة تسريحات بإحسان،والتسريح الأخير هو الحاسم لعلاقة الزوجية أو ما يسمونه البينونة الكبرى. 

وما يقع الطلاق بهذه الصورة إلا بعد أيام متطاولة أو محاولات فاشلة،أما إمضاء الثلاث بلفظ واحد فى وقت واحد فلون من اللعب بدين الله دفع المؤمنون ثمنه غالياً من سعادتهم واستقرارهم. 

وقد جادل ابن حزم طويلاً فى إمضاء الطلاق الثلاث، ولكن ابن تيمية كان أولى منه بالحق وأبصر بمصلحة الأمة. 

ويعجبنى الحديث المرسل الذى ردَّه ابن حزم "أخبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن رجل طلّق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضبان! ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟؟ فقام رجل فقال يا رسول الله ألا أقتله؟ " وعن أنس بن مالك كان عمر إذا ظفر بمن طلق ثلاثا أوجع رأسه!!. 

ومع ذكرنا عن ابن حزم فإن الرجل خالف جمهرة من الفقهاء أوقعوا الطلاق بطرق ملتوية، وأساليب غامضة،واقرأ معى قوله: " من خيَّر امرأته فاختارت نفسها، أو اختارت الطلاق، أو اختارت زوجها، أو لم تختر شيئاً فكل ذلك سواء، لا شئ فيه، ولا تحرم عليه، ولو اختارت الطلاق ألف مرة.. وكذلك لو ملّكها أمر نفسها أو جعل أمرها بيدها.. الخ. 

ويقول ابن حزم... "ومن قال لامرأته أنت علىَّ حرام، أو زاد على ذلك كالميتة والخنزير، فهذا كله باطل وكذب ولا تكون عليه حراما. وهى امرأته كما كانت نوى بذلك طلاقا أو لم ينو!! 

ونتساءل علام اعتمد الرجل فى هذا الحكم؟ يجيب ابن حزم: إن الله يقول لنبيه: " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ؟ " فأنكر الله تعالى عليه تحريمه ما أحلّه له !. 

وفى الآية الأخرى: " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب " فمن قال لامرأته الحلال له بحكم الله هى حرام فقد كذب وافترى،

وللتحريم طرق حددها الشارع فلا نقبل طرقاً أخرى اخترعها الناس لقول النبى عليه الصلاة والسلام "من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" أى فهو مردود عليه،قال: وتحريم الحلال إحداث حدث ليس فى أمر الله عز وجل فيجب أن يزد.. الخ. 

قال: " ولا يقع الطلاق إلا بلفظ من ثلاثة ألفاظ: هى الطلاق، أو السراح، أو الفراق، وما يشتق من هذه المصادر!!". 

وهذا التحديد حسن! كل قيد يوضع لاستبقاء الزوجية فنحن نرحب به وقد توسع العلماء فى ألفاظ حقيقية أو مجازية للإجهاز على عقد الزوجية. 

وهذا التوسع ينافى اتجاه الشارع إلى إعطاء فرص للإصلاح، ولا مساغ لتلقّف كلمة من هنا أو من هناك لهدم البيت وتشريد من فيه... 

من المتناقضات الباعثة على الحزن، أن المسلم ينفق أوقاتا وأموالا فى الخطبة والمهر والأثاث والهدايا والعرس قد تكون ألوف الجنيهات فى أيام طوال. 

ثم بعد ذلك كله يقول عليه الطلاق إن عاد إلى التدخين، ثم يدخن وتذهب امرأته فى سيجارة وينهار بيت أنفق فى إقامته الكثير!!. 

لقد رفض ابن حزم جميع أنواع الطلاق المعلق،واضطر المشرع فى مصر من ستين سنة خلت إلى التدخل لوقف هذا البلاء،فوضع هذه المادة: " لا يقع الطلاق غير المنجَّز إذا قصد به الحمل على فعل شىء أو تركه لا غير".

وجاء فى المذكرة الإيضاحية لهذه المادة "إن المشرع أخذ فى إلغاء اليمين بالطلاق برأى بعض علماء الحنفية والمالكية والشافعية، وأنه أخذ فى إلغاء المعلق الذى فى معنى اليمين برأى على بن أبى طالب وشريح القاضى وداود الظاهرى وأصحابه ". 

وأستطيع أن أضم إلى ذلك رفض الطلاق الذى ليس عليه إشهاد، فالشاهدان لابد منهما لقبول العقد، والرجعة، والطلاق، على سواء.. وخير لنا نحن المسلمين أن نقتبس من تراثنا ما يصون مجتمعنا، ويحميه من نزوات الأفراد. 

أما الزهد فى هذا التراث كله فهو الذى فتح الطريق لمحاولات تنصير قوانين الأسرة.

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع