تقاليد لابدّ من تغييرها

كتاب : قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة
تأليف : الإمام محمد الغزالي

تقاليد لابدّ من تغييرها 

 


أغلب البيوت يستقبل رمضان بقلق لأن ميدان التجارة يغزوه الكساد، وميدان الزراعة يغزوه الجفاف، والأسعار جانحة إلى الغلاء! وتقاليد المسلمين جعلت شهر الصيام شهر الطعام، وجعلت النفقة فيه أربى من غيرها فى سائر الشهور.. 

ما العمل؟ لنكن صرحاء ولنقل: إن على المسلمين تغيير تقاليدهم القائمة على الإسراف! ويجب أن تعود صبغة العبادة لشهر العبادة، وأن يبرز فى الصيام معنى الجهاد والقدرة على مقاومة شتى الرغبات !. 

كنت أحب ممن صرعتهم عادة " التدخين " أن ينتهزوا الفرصة فينسلخوا عن هذه العادة إمّا بإرادة قاهرة ناجحة، وإما بتدرج مقرون بالعزم!!.. كنت أحب ممن يغلبهم الفتور فى الدراسة أو فى الإنتاج أن يتعودوا القراءة والتدبر والإجادة المثمرة لكل عمل... 

إن البيت الإسلامى يقوم على إعداد الطعام لأهله، وليست مهمته أن يكون عادات البطنة والتشبّع، أو أن يدخل فى منافسات مادية سفيهة لتقديم الأشهى والأغلى. 

والظروف السياسية والعسكرية التى تمر بأمتنا تفرض علينا ألواناً من التقشف لا ألوانا من اللذات. 

كان البيت الإسلامى فى تاريخه الأول ينشئ الأخلاق الزاكية والعبادات الوضيئة ويرعى أصول الفضائل حتى تزهر كما ترعى الأرض الطيبة البذور الجيدة حتى تصير حبوباً وفواكه.

وكان الفتيان والفتيات يشبُّون على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وقول الحق ورعاية العهود والأمانات فكان البيت- بهذه الوظيفة- الرافد الأول لمجتمع راشد طاهر يأمر بالمعررف وينهى عن المنكر.. 

وكان الطفل يتعلم فى سنينه الأولى كيف يصلى مُؤْتَما بأهله، فإذا اشتدّ عوده بدأ يصوم! والمرحلة الأولى فى العمر هى أساس ما بعدها من مراحل، ولذلك يقول الشاعر: 



إذا المرء أعيته المروءة ناشئا .. فمطلبها كهلا عليه شديد! 



وعلم الأخلاق يفيدنا أن الصفات الحميدة لا تولد فى الإنسان فجأة، ولا توجد كاملة. 
 والبيت المتخصص فى تقديم العَلَفِ للأجساد إنما يخرج حيوانات، أما البيت الذى يحرس الشرف والطاعة والأدب فهو ينشئ بشراً سوياً.. 

ما أجمل أن ترى فى الوجوه الحياء النبيل وفى الألسنة الأدب الجم، وفى المسالك كلها تقوى الله والتزام حدوده.. وما أجمل أن تلمح الترفع، والابتعاد عن المزالق، كما يقول الشاعر: 



وأُعرض عن مطاعمَ قد أراها .. فأتركها، وفى بطنى انطواء! 
فلا وأبيك ما فى العيش خير! .. ولا الدنيا إذا ذهب الحيـاء! 
يعيش المرء ما استحيى بخير .. ويبقى العود ما بقىَ اللحـاء! 



وفى شهر الروحانية والجهاد وتلاوة القرآن أريد أن أذكر بضعة أحاديث فى قيام الليل أحتاج قبل سردها إلى تمهيد طويل.. 

كنا ونحن طلاب فى المراحل الابتدائية والثانوية نذاكر دروسنا بحماس ورغبة، وتقاضانا ذلك أن نسهر جزءاً من الليل نجدد ما نخاف نسيانه ونؤكد ما استحضرناه، فينا من يخاف الرسوب وفينا من يريد التفوق . 

ولكن للنوم سلطاناً يميل بالرؤوس بين الحين والحين. فماذا نصنع؟ كان كثيرون يذهبون تحت صنابير الماء البارد ليطردوا النوم من الجفون، ويعودوا أشد نشاطا!. 

وأستحضر الآن هذه العهود وأقول: لو وجدْتُ موجهين مهرة لحفظت فى تلك الأيام كتاب كذا أو ديوان فلان! إن التحصيل فى أيام اليفاعة زاد يبقى طول العمر!. 

وفى عباد الله من يتأهب للقاء الله بكنوز من الباقيات الصالحات تتحول يوم القيامة إلى نور يسعى بين يديه وعن يمينه ولعل التهَّجَد بالقرآن الكريم فى طليعة تلك الصالحات!!. 

وفى حديث سلمان الفارسى قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد".. 

غير أن قيام الليل يحتاج إلى تعاون بين الزوجين كليهما لا ليتناوبا بل ليتشاركا!!. فعن أبى هريرة وأبى سعيد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا ركعتين جميعا كتبا فى الذاكرين والذاكرات ". 

وهذا مسلك لا يحسنه إلا بيت مؤمن، سكن اليقين والخشوع قلوب أهله وحفزهم إلى مغالبة النعاس !. 

إن هذه الركعات قد تحفظ مستقبل الأولاد! فقد كان عبد الله بن مسعود يصلى من الليل، وابنه الصغير نائم، فينظر إليه قائلا: من أجلك يا بنى! ويتلو وهو يبكى قوله تعالى: " و كان أبوهما صالحا.."...

وقد ذكر القرآن الكريم حال أولئك المتهجدين الساهرين وما أُعدَّ لهم فى بلاد الأفراح فقال: " تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ". 

على أن هذا القيام المنشود تعترضه صعاب، ولحظات استرخاء وفتور، وقد بيّن الرسول الكريم أن الزوجين يستطيعان الانتصار على لذة الرقاد ببعض الماء!!. 

وقبل أن أذكر الحديث أؤكد أن هذا لا يصلح لكل بيت، ولا بين أى زوجين!! إنه عمل أساسه قبل كل شىء الرغبة السابقة فى القيام، والاتفاق فى النهار عليه، وعلم كل من الزوجين بأن صاحبه سوف يسرّ بالصحو لمناجاة الله، والتضرع إليه.. 

هل أذكر الحديث بعد هذه المقدمة؟ ليكن، ولو أنى أذكره على وجل خوفا من سخط مدمنى النوم! يقول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ : "رحم الله رجلا قام من الليل فصلى، وأيقظ امرأته فإن أبت نضخ فى وجهها الماء! ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها، فإن أبَى نضخت فى وجهه الماء"!. 

وفى رواية أخرى "ما من رجل يستيقظ من الليل فيوقظ امرأته فإن غلبها النوم نضخ فى وجهها الماء، فيقومان فى بيتهما، فيذكران الله عز وجل ساعة من الليل إلا غُفِر لهما". 

هذه البيوت التى صنعها صاحب الرسالة العظمى هى التى غيّرت وجه العالم، ونقلته نقلة هائلة من الحضيض إلى الأوج.. أين من هذه البيوت المنيرة بيوت تسهر على أحفال التلفاز اللاهية الساهية، ثم ترتمى فى فرشها كأنها جثث لا حراك بها، فلا تستيقظ إلا لأكل جديد أو سعى بليد؟. 

إن رمضان يقبل الآن وتقبل معه هموم النفقات المطلوبة للولائم المنصوبة! وأحفال التسلية لحل ألغاز البطالة! والتسكع على أفاريز المدنية الصاخبة بالآثام!!. 

إن أمتنا تعانى من هزائم علمية وخلقية وصناعية وتجارية، فهل نصحو من الخدر الذى جمَّد أفكارنا وأطرافنا، وألقى بنا وراء قوافل الأمم السائرة؟؟

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة