ثيـاب النساء

كتاب : قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة
تأليف : الإمام محمد الغزالي

ثيـاب النساء



الملابس لابد منها للإنسان رجلاً كان أو امرأة، فهى كسوة تحتاج إليها صحته، وهى غطاء يوارى ما يستحى أن ينظر الآخرون إليه، ثم هى زينة تستحبها الفطرة دون حرج. 

وفى هذا يقول الله سبحانه وتعالى: " يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير " فالريش ما يكسب صاحبه لوناً من الجمال، وكلا الجنسين يستريح ولكن ما قيمة ثوب وسيم على خلق دميم؟ وما معنى أن يكون المرء قبيح الباطن جميل الظاهر؟ لذلك أوصى القرآن بلباس التقوى ونبه إلى أنه أشرف وأزكى... 

وينصح النبى- صلى الله عليه وسلم- المسلم بهذه النصيحة الجديرة بالدراسة: "كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان، سرف ومخيلة" أى اجتنب الإسراف والخيلاء وكل ما تشاء والبس ما تشاء مما أحل الله لك... 

والأطباء يردّون أغلب الأمراض إلى الإسراف فى المآكل، والجراءة على المحرمات، والواقع أن الاعتدال خير كله، فإذا تجاوزنا ميدان الطعام إلى عالم الملابس رأينا الإسراف والاختيال يفترسان نفقات هائلة وأموالاً طائلة ويختفيان وراء طائفة من الأخلاق الكريهة والمسالك الشائهة.. 

وقد فكرت فى الملابس العسكرية فوجدتها ثابتة على اختلاف الليل والنهار، لا تكاد تتغاير إلا بالرتب المتفاوتة وما يصحبها من شارات، أما الملابس المدنية فقلما تثبت على حال، خصوصا ملابس النساء فإن أشكالها وألوانها لا تنتهى، قد تطول وقد تقصر، وقد تضيق وقد تتسع، وللفصول الأربعة أزياؤها متشابهة وغير متشابهة، وللسهرات ملابس ـ أو شبه ملابس ـ وهناك سباق مسعور بين محالّ الأزياء لتقديم صيحات جديدة تستهوى النساء وترضى غرائزهن، وعند التأمل نجد أن وراء هذا النشاط المحموم الخصلتين الكريهتين: الإسراف والخيلاء..!!. 

من حق المرأة أن تكون جميلة المظهر، بعد أن تكون تامة العقل كريمة الشمائل، هل "السارى " الهندى الذى يكشف قدراً من البطن والظهر يكفل هذا الجمال؟ هل الفستان الأوروبى! الذى يكشف أدنى الفخذين، وينحسر ـ عند الجلوس ـ عن أواسطهـا يكفل هذا الجمال؟ الحق يقال أن حائكى هذه الملابس لا يوفرون للمرأة كرامتها، ولا يرجون لها وقاراً وإنما يهيجون ضدها غرائز السوء.. 

ويبدو أن الحضارة الحديثة تقصد إلى هذا قصداً، فقد كنت أسير على أحد الشواطئ فوجدت رجلاً وامرأة يسيران جنباُ إلى جنب! هو يلبس سراويل كاملة "بنطلون طويل " وهى تلبس ما يكشف عن نصف أفخاذها " شورت " لماذا هذا الاختلاف؟ أيراد به خير للمرأة؟ 

إن تعرية المرأة حيناً، وحشرها فى ملابس ضيّقة حينا آخر، عمل لم يشرف عليه علماء الأخلاق وإنما قام به تجار الرقيق، ولكى نوفر تربية شريفة للجنسين يجب أن نعترض هذا الموكب الساخر من الكاسيات العاريات.. 

وقد قلنا: إن من حق المرأة أن تتجمَّل، ولكن ليس من حقها أن تتبرج! ولا أن ترتدى ثوب سهرة تختال فيه وتستلفت الأنظار بل إن الإسلام رفض ذلك من الرجال والنساء جميعا. قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرّ ثوبه خيلاء" وإنها لطفولة عقلية سخيفة أن يرى امرؤ ما مكانته فى حذاء لامع أو رداء مطرز بالحرير أو الذهب!. 

إذا لم يتحصَّن المرء فى نصاب كبير من العلم أو الخلق فلن يغنى عنه جمال الثياب ولين الإهاب!! وللملابس وظيفتها المقررة، ولا يسوغ أن تكون وسيلة للإغراء المكروه، أو التطاول المعيب، روت عائشة أم المؤمنين " أن أختها أسماء دخلت على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها! وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه " وهذا الحديث له شواهد كثيرة من سنن صحاح وحسان.. 

ورأى النبىُّ ـ صلى الله عليه وسلم شاباً اسمه ضمرة بن ثعلبة معجباً بنفسه وهو يرتدى حلتين فاخرتين من حلل اليمن، فضاق به وقال له: يا ضمرة أترى ثوبيك هذين مدخليك الجنة؟ فأحس الشاب خطأه، وأسرع يقول لرسول الله لئن استغفرت لى لأ أقعد حتى أنزعهما..! فقال النبى: اللهم اغفر لضمرة، فانطلق سريعا حتى نزعهما عنه..". 

إننا لا نحرم زينة الله التى أخرج لعباده، ومن حق كل إنسان أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، وأن يحافظ على هيئته مصونة، ذلك شىء غير التكلف والإسراف وإثارة الفتنة ومحاولة التسامى بقطعة قماش. 

وقد شعرت بأن من النساء من تجمع فى غرفتها سبعين فستانا، وأخبرت بأن بعضهن فى أثناء الأحفال تخرج لتبدل ثوبا بدل ثوب حتى تعرض جسدها فى ألوان شتى! هلا عرضت على الناس ثقافتها وفضائلها بدل هذا الإسفاف!!. 

إن النزوع إلى الترف والسرف أحيا فى عواصم الغرب صناعات كثيرة، وكون ثروات ضخمة، وما تزال بلادنا تعافى تخلّفاً حضاريا مذلاً. 

ومع سيادة الحضارة الحديثة رأيت عادة جديدة لا يقبلها الدين، هى ارتداء النساء ملابس الرجال حتى ليكاد المرء يعجز عن التفريق بين الجنسين! وهذه أحوال مَرَضِية يبرأ منها النساء العظيمات! 

وقد رأيت رئيسة وزراء إنجلترا فى ملابسها النسائية بين قادة العالم، تحمل حقيبة يدها وتتحرك راسخة شامخة، تساندها مواهجها وفضائلها وحدها... إن محاولة محو الفروق الطبيعية بين الجنسين لون من العبث، والتفاوت الذى يستحيل محوه هو التفاوت العلمى وما تستند إليه الشخصية الإنسانية من ملكات وقِيَم، وفى هذا المجال قد تسبق نساء بجدارة وقد يسبق رجال.. ولا علاقة للأقمشة بهذا التفوق.

وقد صح عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسم ـ قوله: "لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال " وفى رواية أخرى "لعن رسول الله المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء". 

وظاهر أن هذا عوج فى السلوك، ولعله مرض نفسىّ يستحق العلاج.. أما السباق العام فى مرضاة الله بالإيمان والعمل ميدان مفتوح للرجال والنساء، يتصدّر فيه الأتقى والأزكى " من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ". 

وأذكر أخيراً طرفة علمية تعليقا على ما شذت به المدنية الحديثة من إنشاء نواد للعراة أو مستعمرات للعراة يشترك فيها طلاب اللذة، أو أصحاب الأهواء المنحرفة، وهى مؤسسات تتغاضى عن سيئاتها الحكومات التى ترحب بالسائحين والسائحات!. 

قال لى أحد المشتغلين بعلوم الأحياء: إن هناك تناقضا كبيراً بين مواضع التلقيح فى عالمى النبات والحيوان! قلت له: كيف؟ قال: فى الحقول والحدائق ترى أماكن التلقيح فى ذوائب الشجر وأوراق الورد، وترى المناظر رائقة، والرياح تميل بها ناقلة عناصر الحياة والبقاء... أما فى عالم الحيوان ـ خصوصا البشر ـ فأماكن التلقيح مطوية مستخفية يتخطاها النظر على عجل واستحياء، وربما كانت ممراً لإفرازات الأجهزة الدنيا فى البدن!!. 

قلت: لعل ذلك ما جعل أبوينا آدم وحواء يسارعان إلى تغطيتها بما استطاعا من الورق " فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ". وقلت: إن الميّالين للعرى من شباب اليوم أقرب إلى الحيوان منهم إلى الإنسان

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة