عن التحكّم فى جنس الجنين

كتاب : قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة
تأليف : الإمام محمد الغزالي
عن التحكّم فى جنس الجنين


الله سبحانه وتعالى هو الذى يرزقنا الأولاد، يتولى ذلك بعلمه وقدرته، كما ذكر فى كتابه فهو "... لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور * أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير". 

ومشيئته هى العنوان الدينى للسنن التى يسير عليها الكون وتحكم ما نبصر وما لا نبصر من شئون الحياة والأحياء.. 

وقد اهتدى العلماء فى هذا العصر إلى بعض هذه القوانين التى تضبط الوراثة، وتنشأ عنها الذكورة والأنوثة،ولهم تدخلات سوف نتحدث عنها بيد أننا نقدم بين يديها حديثاً لابدّ منه عن عوج أخلاقى ساد الناس قديما ولا يزال يسودهم إلى الآن.. 

نعم كان الأقدمون يكرهون الأنثى، ويضيقون بمولدها، ويكرهون الزوجة التى تلد البنات! ومازلت أذكر شعرا حفظته وأنا صغير تشكو فيه زوجة هجرها رجلها إلى أخرى لأن الله لم يرزقه منها إلا البنات! قالت المسكينة:
ما لأبى حمزة لا يأتينا؟ .. يذهب للبيت الذى يلينا..! 
غضبان ألاّ نلـد البنينا! .. وليـس ذلك فى أيدينـا! 
وإنما نأخذ ما أعطينا... 

والناس يكرهون الأنثى لضعفها، وهم الذين استضعفوها، وضنّوا عليها بما ينضج مواهبها ويساعدها على إعطاء الثمر الطيب! 

وقد عاصرت أياماً كان تعليم الأنثى فيها جريمة! وكان ذهابها إلى المسجد منكراً! وكان الملتصقون بالدين يبخسون حقوقها المادية والأدبية جهرة!. 

ولا تزال بقايا من أولئك المتدينين الجهلة تظلم الإسلام بسوء الفهم والعرض فى شتى الميادين، ويسلقوننى بألسنة حداد..!. 

الغريب أن إيثار الذكورة على الأنوثة لا يزال شائعاً بين أجيال كثيرة وهو من وراء ما يسمى بالهندسة الوراثية !. 

لقد عرف العلماء بيقين أن الرجل هو الذى يحمل الحيوانات المنوية المذكرة والمؤنثة، وأن المرأة فى هذا المجال قابل لا فاعل، وإن كانت هناك ظروف مكانية وزمانية لا نستطيع شرحها تتدخل فى تغليب أحد النوعين على الآخر.. 

وقد تمت تجارب لتقليل الحيوانات المؤنثة فى ماء الرجل،كما تمت تجارب لتهيئة ظروف خاصة عند المرأة تميل بالإنجاب إلى أحد النوعين، ولم يصل العلماء إلى نتائج حاسمة بعد، ومازالوا يحاولون... 

ولا بأس أن ننقل ما تمت مناقشته فى منظمة الصحة العالمية حول التحكم فى جنس الجنين حيواناً كان أم إنساناً. 

لقد جرت تطبيقات واسعة فى علم الحيوان تمكن فيها العلماء من تحضير كمية كبيرة من السائل المنوى لعدد من الفحول؟ ثم فصل السائل بالتنبيذ إلى قسمين: أحدهما ترجح فيه الحيوانات المنوية المفضية إلى الذكورة، والآخر ترجح فيه الحيوانات المنوية المفضية إلى الأنوثة. 

وباستعمال أحد القسمين فى التلقيح الاصطناعى لإناث الحيوانات أمكن أن يميل ميزان أحد الجنسين عن النسبة الطبيعية التى تقارب (50%) لكل منهما إلى حوالى (70%) فى اتجاه الجنس المطلوب، ولم يتمكن العلم حتى اليوم من الفصل الكامل لنوعى الحيوانات المنوية بعضها عن البعض الآخر لأسباب عديدة ومعقدة. 

والسؤال المطروح هنا: ما هو موقف الشريعة الإسلامية من تطبيق هذه التقنية على البشر؟ وهل يجوز أن تلّبى رغبة الزوجين فى تغليب الحصول على جنين ذكرأو العكس، أو أن يتم تغليب أحد الجنسين على الآخر فى طائفة من الناس؟ 

وبالرغم من وجود صعوبات فى نطاق التطبيق البشرى، وخاصة فى تجميع الكمية الكبيرة من السائل المنوى من الزوج وإجراء التلقيح الاصطناعى بمعرفة الطبيب،وأن يحل هذا محل الجماع الطبيعى الذى تتجلى فيه صفة المودة والرحمة والسكينة والألفة المقصودة لذاتها فى الحياة الزوجية، ومع هذا لا تعتبر هذه التقنية مستحيلة فى التطبيق البشرى مع وجود العقبات وارتفاع التكاليف. 

ناقش المجتمعون فى الندوة هذا الموضوع، وطرحوا بعض التساؤلات، منها ما إذا كان التحكم فى جنس الجنين يمكن أن يعتبر تدخلاً فى الإرادة الإلهية، وهل يجوز للإنسان أن يتحكم فى عناصر المعادلة التى تغيِّر من نسبة الذكور أو الإناث، وهل يتصادم هذا مع الحس الدينى؟ 

الواقع أن كل ما يفعل فى هذا الجانب يتم بقدرة الله تعالى ومشيئته، وفى حدود دائرة الأسباب والسنن التى أقام الله عليها هذا الكون ( وما تشاء ون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما ). 

وتمت فى الندوة مداولات متعددة حول هذا الموضوع، وخلصت فى النهاية إلى التوصية التالية:

اتفقت وجهة النظر الشرعية على عدم جواز التحكم فى جنس الجنين إذا كان ذلك على مستوى الأمة،أما على المستوى الفردى فإن محاولة تحقيق رغبة الزوجين المشروعة فى أن يكون الجنين ذكراً أو أنثى بالوسائل الطبية المتاحة،لا مانع منها شرعاً عند أغلب الفقهاء المشاركين فى الندوة،فى حين رأى غيرهم عدم جوازه خشية أن يؤدى ذلك إلى طغيان جنس على آخر. 

أقول: لو استجبنا لأهواء الناس فى إيثار الذكور وسخرنا الطب لبلوغ ما نشتهى، ماذا سيقع؟ سيهلك العالم على عجل أو على مُكْث! إننا بدل أن نتقن الهندسة الوراثية يجب أن نتقن هندسة الأخلاق والتقاليد وأن نفقه قول الله تعالى:" ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ".

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة