الجار له عليك حق

كتاب : قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة
تأليف : الإمام محمد الغزالي

الجار له عليك حق 

 


لولا أن الخبرنشرته الصحف، وأعقبته تحقيقات دقيقة ما صدقته! امرأة تموت وتبقى جثتها على سريرها بضع سنين ولا يشعر بغيابها أحد من سكان العمارة الكبيرة إلا مصادفة عندما شبت النار فى البيت الواسع ورئى إخراج السكان بسلالم المطافئ..! 


لقد وجدت رفات المتوفاة هيكلاً عظمياً بالياً هو نهاية المطاف بعد حياة حافلة بجلائل الأعمال أو صغائرها...!. 


ما سأل عن المرأة أحد بضع سنين! ما شعر بغيابها جار قريب ولا بعيد! هذا ما صنعته بنا الحضارة الحديثة، لا يعرف أحدٌ أحداً ولا يهتم بشئونه، يمرق كل امرئ من بيته إلى عمله ثم يعود أو لا يعود، وجاره غير مكترث ولا ملتفت... 


لا العروبة تعرف هذه التقاليد إن كنا عرباً، ولا الإسلام يقبلها إن كنا مسلمين! إن عاهة عفنة أصابت هذه الأمة فأزرت بها وجعلتها أدنى إلى الوحوش منها إلى البشر. 

فى الجاهلية القديمة كان الجار مسئولاً عن كرامة جاره وعن حمايته، بل كان ذلك مبعث فخره عندما يقول: 

وما ضرنا أنا قليل وجارنا .. عزيز، وجار الأكثرين ذليل!


وفى مواريثنا الإسلامية، أن الجار بقية الأهل من ولد ووالد ونسب وصهر، كما جاء فى الحديث الشريف "مازال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " أى سيجعل له نصيباً فى تركة الميت !!.

فماذا حدث حتى وجدنا فى أحد البيوت فرحاً وعند جاره ترحا هذا يبكى وهذا يضحك! لا علاقة بين البيتين ولا صلة بين الفريقين..!. 


فى مجتمع المدينة المنورة قديماً كان هناك جفاء بين المسلمين واليهود، ولكن حق الجوار غلب الفرقة الدينية روى مجاهد أن عبد الله بن عمرو ذبحتْ له شاة فى أهله، فلمّا جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودى أهديتم لجارنا اليهودى! سمعت رسول الله يقول: " مازال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" وعن أنس قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "والذى نفسى بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره، أو قال لأخيه ما يحب لنفسه ". 

والواقع أن أقرب طريق إلى تماسك المجتمع كله هو أن يتشبث كل إنسان بجاره، فإن العقد لا ينفرط إذا ارتبطت كل حبة بأختها وهل الأمة إلا مجموعات من الجيران؟ فإذا لزم كل امرئ جاره وغالى به لم يضع أحد فى طول البلاد وعرضها، وفى توثيق هذه العرى جاء فى الحديث: "ما آمن بى من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم "! وفى رواية "ليس المؤمن الذى يشبع وجاره جائع"! 

ترى ما يكون الوصف عندما يموت الجار، فلا يشعر بموته أحد عدة سنين حتى تكتشف جثته مصادفة؟ أى مصيبة تلك؟ إن المصائب الاجتماعية كثيرة فى دنيا الناس، وينبغى أن تتكاثف الجهود لمحوها، ومن أصدق ما أحصى هذه المحن حديث يقول: " ثلاثة من الفواقر، إمام ـ حاكم ـ إن أحسنت لم يشكر، وإن أسأت لم يغفر، وجار سوء إن رأى خيراً دفنه وإن رأى شراً أذاعه، وامرأة إن حضرت آذتك وإن غبت عنها خانتك " ! 


نسأل الله السلامة من هذه البلايا

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة