أعماق الحقد الصليبي، وآثاره في الصحافة الغربية:

الدعوة الإسلامية في القرن الحالي

للشيخ / محمد الغزالي

الفصل السابع : أبعاد الهزيمة الإسلامية

 أعماق الحقد الصليبي، وآثاره في الصحافة الغربية

 

كنت مدعوا لزيارة المغرب في رمضان سنة 1393 هـ، وهناك فوجئت بنشوب الحرب بيننا وبين اليهود، لم يكن هناك ما يومئ من قرب أو بعد إلى أن الجبهة سوف تشتعل !! 

ومع دهشتنا للنبأ، وحبنا لاستطلاع كل ما قد يقع، وخشيتنا من جرح جديد يحرك الجراح القديمة، أخذنا ننصت إلى كل إذاعة من أي عاصمة، ونتلهف على بشري تطمئن أو رواية تعرفنا ما يجري... 

جاءت الأخبار الأولى تذكر أن المصريين عبروا القناة من مواضع عدة، أن اليهود يتراجعون، وأن حصون خط "بارليف " المنيعة تتهاوى.

ولم نكن نصدق آذاننا من عظمة ما نسمع.. وشعرنا بالفرح الغامر، وزادنا فرحا أن عواصم العالم كانت ضائقة بما يحدث، وأنها كانت تنقل حركات الجنود المسلمين، وصيحات التكبير التي سادت الجبهة على طول سبعين ميلا، كانت تحكي ذلك بشيء غير قليل من الكآبة. 

وكلما حرر المصريون مزيدا من الأرض، واتسعت دائرة النصر، وربت موجة الإيمان وقيل: إن الجنود ينطلقون تحت شعار التكبير لا يقفهم شيء، كانت تعليقات العواصم الغربية على ذلك: لقد عادت الهمجية!!! 

أي همجية؟! القتال بباعث من تكبير الله وتوحيده همجية ؟ والاستيلاء على حقوق الآخرين المادية والأدبية هو الحضارة!!

المؤسف أن حرب رمضان لم تمض من النقطة التي انطلقت منها، ولو بقيت مع تكبير الله، واستمداده وحده لبلغ العرب " تل أبيب "، ولكن القيادات لم تكن على مستوى هذا الإيمان العالي... 

وردا على مشاعر الإيمان التي تفجرت مع بدء الزحف أخذت الصحف العربية تنشر أن الله ليس واهب النصر الأول.. وأنه لا صلة له بالمعركة ـ وتبين لنا بعد ـ أن الكتاب شيوعيون ـ وخيل إلى أن هذا الكلام كتب باتفاق مع عواصم غربية. 

أجل.. لقد تعاونت القوى الشريرة على ضرب الإيمان الذي كشفت عنه المعركة. وأحس الشرق والغرب معا أن المسلمين مشدودو الأواصر إلى دينهم، وثيقو العلائق بربهم، فتكاتفوا على الكيد لهذا الإسلام، والتنكيل بدعاته حتى لا يصنعوا مرة أخرى رجالا يعبرون العوائق الصعبة، ويهدمون قلاع العدوان.. 


إنني أذكر أن أول مهندس قتل : هو يقيم جسراً للعبور كان من رواد مسجد عمرو بن العاص، وقد أرسل إلىَّ بتحياته عشية استشهد..

إن الأبطال الذين صرخوا بتوحيد الله وتكبيره وهم يهدون حصون الأعداء، حركوا ضغائن الصليبية في عواصم الغرب فوصفتم بالهمجية ! .. ألا شاهت الوجوه... 

وتذكرتُ كلمات السيد جمال الدين الأفغاني وهو يتحدث عن موقف أوروبا من قضايانا كلها: قال: إن الروح الصليبية لم تبرح كامنة في صدور النصارى كمون النار في الرماد، وسورة التعصب لم تنفك حية تعتلج في قلوبهم حتى اليوم، كما كانت في قلب " بطرس الناسك " من قبل. 

فالنصرانية لم يزل التعصب مستقرا في عناصرها، متغلغلا في أحشائها، متمشيا في كل عرق من عروقها، وهى أبدا ناظرة إلى الإسلام نظرة العداء والحقد.. 

وحقيقة هذا الأمر ونتيجته واقعتان في كثير من الشئون الخطيرة والقضايا الدولية الكبرى، حيث القوانين الدولية، والمواثيق العالمية، لا تعامل فيها الأمم الإسلامية مستوية مع الأمم النصرانية... الخ.

وفي سبيل تعويق النهضة الإسلامية القائمة، ونجت الظلمة في آفاقها، اجتمعت الأضداد وتمت أمور ذات بال، وقد أشرنا في مكان آخر كيف تلاقت اليهودية والنصرانية وصفى ما بينهما من خلاف ظل عشرين قرنا. وكيف صفى الخلاف بين الكنيسة الشرقية والغربية وله نحو سبعة عشر قرناً. وكيف صفى الخلاف بين الكاثوليك والبروتستانت، بل إن الخلاف يُطوى بين الصليبية والشيوعية إذا كان الهدف القضاء على الإسلام ! 

عجبا.. يتم كل هاتيك السخائم الخسيسية؟ على أية حال لقد ثبت المسلمون على الحق، وتحملوا في سبيله العنت، وإن كان القضاء العسكري وحده هو الذي يبت في قضاياهم، ويهدي دماءهم إلى عشاق رؤيتها. 

ذلك.. وظهر أن الإسلام لم يمت في تركيا، ولا في إيران مع طول الوأد والخسف. وطول الليل المضروب على المعذبين. 

وتبدأ صحف الغرب تلفت قومها إلى التحرك الإسلامي الجديد. 

ثلاث صحف غربية، هى " التايمز " و الجارديان " و" الهيرالد تريبيون " تحدثت خلال أسبوع واحد فقط، عن تحرك المسلمين في أقطار مختلفة من أوطانهم، منطلقين من عقيدتهم، ورافعين راية الإسلام في تحركهم هذا.


صحيفة " التايمز " بدأت حديثها بقولها: " جرت العادة منذ الحرب العالمية الثانية على النظر إلى شئون العالم على أنها صراع عالمي بين أيديولوجيتين متصارعتين هما الماركسية والرأسمالية الحرة !

وبعد ذلك أطلق على هاتين الأيديولوجيتين " الشرق " و " الغرب " وأصبح الصراع بينهما متمثلا في الصراع بين قوى الأطلسي والكتلة الشرقية، واحتجاجا على هذه النظرة للأشياء ظهرت حركات جديدة ". 

وتتحدث الصحيفة عن أمثلة لهذه الحركات ثم تمضي فتقول: " أما المثال الأكثر أهمية فيتعلق بمصر، وبالعالم الإسلامي كله. وقد أشار مراسلنا في تقرير له من مصر إلى اتساع نطاق المشاعر والأنشطة الإسلامية، وبشكل خاص بين الطلبة والشباب الصغار، وأضاف أن بعض الدوائر الحكومية تعد هذه الحركة الإسلامية خطراً ذا قوة متزايدة، وأن هذه التجمعات بعيدة كل البعد عن الماركسية"


وتتابع " التايمز " حديثها فتقول: " ليست هذه الصحوة الإسلامية مقصورة على مصر بالطبع، فهناك نسخة أكثر منها وضوحاً في إيران، وأخرى في باكستان، وهناك علامات على وجودها في إندونيسيا، ومؤشرات على انبثاقها في بعض مناطق الاتحاد السوفييتي المسلمة. 


أما إفريقيا فقد أحرز الدين الإسلامي بعض التقدم على حساب المسيحية والديانات المحلية الأخرى. 

وعلى المستوى الدولي، فقد ازداد الشعور بالتضامن الإسلامي بعد أن احتلت إسرائيل القدس الشريف، وبعد حرق المسجد الأقصى من قبل إسرائيل كما قال المسلمون وقد أدى هذا إلى إيجاد المؤتمر الإسلامي وإقامة سكرتارية دائمة له. 

ومنذ ذلك الوقت استخدمت الثروة النفطية في بعض الدول الإسلامية لمسانده الحركات الإسلامية وإيجاد حكومات وحكام مسلمين يشكلون قوة ينبغي على القوى الكبرى أن تنظر إليها بعين الجد، وأن تتعامل معها على قدم المساواة. وهذا لم يحدث منذ تدهور: سقوط الإمبراطورية العثمانية ".


وبأسلوب التحذير من صحوة المسلمين تقول صحيفة " التايمز ": " وعلينا أن نتذكر أن الجزء الأكبر من العالم الاسلامي لا ينظر إلى روسيا على أنها " الشرق " بل على أنها جزء من "الشمال " أو حتى من "الغرب ". 

ومعظم المسلمين يمقتون الغرب ويكرهونه كراهية حذرة أحيانا، لكنها تثور وتفور في بعض الأحيان الأخرى كما هو حاصل في إيران في الوقت الحاضر. 

إن المسلمين يكرهون الغرب لأنه برز واشتهر على حساب انحسار " المد الإسلامي " ولأن الغربيين جاءوا دخلاء على العالم الإسلامي، وفرضوا عليه كل ألوان الخزى والعادات السيئة ".


وتختتم صحيفة التايمز حديثها فتقول: " العالم الإسلامي يعتريه اليوم تطلع ظاهر وحاجة لتأكيد ذاته وهويته. 

فبعض أجزائه يرد بعنف على الماركسية، وفي الأجزاء الأخرى تتركز ردة الفعل الشديدة على الثقافة الرأسمالية الغربية التي يعتبر خطرها أكبر من خطر الماركسية.

الغرب اليوم أمام خطر إسلامي سيجعله يدفع الغالي والنفيس بسبب عجرفته الماضية ونجاحه السابق ." 

أما صحيفة " الجارديان " فتقول: " في كل أنحاء العالم بعث إسلامي جديد، ففي إيران اضطر الشاه وهو المثال القوي للحكم الملكي، إلى التراجع الذي لا يعرف أين ينتهي. 

وفي باكستان لعب هذا البعث دوره في إزاحة " بوتو " عن منصب رئاسة الحكومة إلى زنزانة الموت. إنه لتهديد واسع الخطر بالنسبة إلى زعماء الوطنيين ـ مثل أنور السادات الرئيس المصري، وبولنت أجاويد رئيس وزراء تركيا. 

إن البعث الحالي يملك من القوة الكبرى مما لم يدركها المسلمون العاديون والغربيون إلا مؤخرا، أو هم بدأوا حديثا في إدراكها كظاهرة مميزة ساطعة و فريدة. 

يقول أحد الزعماء المسلمين في باكستان: عندما نؤمن بأن الله أعطانا كل قواعد اللعبة، وأن ما يلقي عقاب الله يجب أن يلقي عقاب الدولة، عندها فقط يمكن حل مشاكل باكستان أي لا بد من العودة إلى الإسلام.

ويقول الجنرال ضياء الحق رئيس الدولة الباكستانية من مكة المكرمة: إن في الإسلام نجاتنا دينا ودنيا، ويقول الإخوان المسلمون المنبعثون الآن: إن الحكومة المصرية " ملعونة " لأنها تنكر دين الله وحكمه " . 

وترى " الجارديان " أن أسس هذا البعث تعود إلى التحول في أوائل هذا القرن " كما تدل سن بعض قادته ـ آية الله الخوميني ـ في الثامنة والسبعين، ومولانا المودودي في الخامسة والسبعين".

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة