الفصل الثامن كيف تصدي الدعاة لهذه الغارة؟ (2)

الدعوة الإسلامية في القرن الحالي

للشيخ / محمد الغزالي

الفصل الثامن  كيف تصدي الدعاة لهذه الغارة؟ (2)

 


ولندع هذه الشئون الجزئية مع سعة دلالتها، ولننظر إلى قضايا أخرى أبعد الدين عنها لسوء تصرف رجاله فيها مع أنها قضايا تتناول العلاقات بين الشعوب والحكومات، وتمس مصالح الألوف المؤلفة من الناس، ويجب أن يعرف توجيه الإسلام فيها بدقة.. 

هل الأمة مصدر السلطة؟ قال بعض الناس: هذا كفر، والكلمة تعني سلب الدين حقه في التحليل والتحريم. وجعل ذلك إلى الشعوب يعني أن تضل إذا شاءت وتهتدي إذا شاءت .. !!

وكلمة " الأمة مصدر السلطة " عندما تعني هذا المفهوم مرفوضة جملة وتفصيلا. إن الله هو المشرع الفرد لعباده، وليس أمام أمر الله ونهيه إلا السمع والطاعة.. 



لكن هل هذا ما يقصده الذين نقلوا هذه العبارة؟ إنهم قد يعنون بها أن الحكم بيعة، وأن الأمر شورى، وأن المسلمين تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وأنه لا مكان في الدولة الإسلامية لفرعون أو كسرى أو قيصر.. فإذا أرسلوا هذه العبارة في وجه فرد مستبد فهم لا يقولون هجرا.. 



قد يقال: هذه الكلمة من معالم " الديمقراطية الغربية "، ونحن نرفض استيراد مبادئ أجنبية لتحكم امتنا، حسبنا ما لدينا.. 



وهذا كلام جميل وإنه ليسرني أن نحسن اتباع ما هدانا الله به.. غير أنه من الإنصاف أن نعرف وجهة النظر الكاملة عند من طبقوا النظام الديمقراطي في الغرب، وعند من حاولوا الاقتباس منه هنا، حتى لا يعترض الدعاة بجهالة ما لا يدركون.

 إن الدساتير هناك تتضمن مباديء أو نصوصا ثابتة ليست موضع جدل، ولا تؤخذ عليها آراء، وتتضمن شئونا أخرى توضح ما تناقش، ويقع فيه التأييد والتفنيد... 

والأقطار الإسلامية التي حاولت التقليد عندما تجعل الإسلام دين الدولة، والفقه الإسلامي مصدر التشريع، فإن النقاش سيكون بعد ذلك في الشئون الدنيوية، وفي المصالح المرسلة وفي تقويم أفعال الرجال تزكية أو بخساً، وتلك كلها لا حرج في تناولها، وكما قيل: لا اجتهاد مع النص، وبعيدا عن دوائر النصوص تتفاوت الأنظار وتتعدد الآراء... 



سيقال: إذا سلمنا بهذا الذي قلته كله، فنحن زهاد في جلب عناوين أجنبية لنظمنا الإسلامية. 

وهذا والله جميل، يبقى أن نكشف للناس ما لدينا، ونقول لهم هذا عوض عن ذلك، إننا نرفض ذاك الدخيل، ونقدم بدله هذا الأصيل.

الشورى الإسلامية بدل الديمقراطية الغربية. وعلى العلماء والدعاة أن يكشفوا أسباب التفضيل وجوانب الترجيح.. 



وقلت أداعب أحد أولئك المحافظين. أولى الغيرة: هل الشورى ملزمة للحاكم؟ فأجاب: لا !! قلت: كيف تتم الشورى؟ قال: مع أهل الحل والعقد. قلت: كيف يكون مجلسهم؟ فسكت غير قليل ثم أجاب: يكونه الحاكم! 

قلت: مستشارون يختارهم الحاكم برغبته، وله حق ألا يلتزم برأيهم، تلك هى الديمقراطية الدينية؟.. 



يا صديقي.. إن الديمقراطية الغربية ـ وأنا أكره الاستيراد ـ امتدت في الفراغ الذي صنعتموه أنتم ووجدت لها عشاقا، لأن تصوركم للحقائق الدينية والمدنية بالغ التشويه، وملاحظتكم لطبائع البشر وتاريخ الأمم وهى تنشد الرحمة والعدالة تكاد تكون معدومة.. 



إنكم تحسنون الإماتة ولا تحسنون الإحياء، تقولون باسم الله هذا حرام، ولا تجيئون بالحلال الذي يشبع النهمة، ويسد طريق المعصية.. 



ماذا لو فكرتم في طريقة معقولة يتكون بها أهل الحل والعقد؟ وفي مواضع كثيرة تكون الشورى فيها ملزمة، وماذا لو استفدنا من تجارب الآخرين؟ 



وما يقال في سياسة الحكم يقال مثله في سياسة المال.. إنكم تكرهون الاشتراكية عن نظر سليم، وقد كرهناها نحن عن تجربة ومعاناة. 



وأذكر أن صديقي الأستاذ مصطفى السباعي ألف كتابا عن اشتراكية الإسلام ضمنه حقائق كثيرة لصرف الشباب عن الشيوعية، وقد ندم على العنوان الذي اختاره لكتابه.. وأنا أعلم سر ندمه لأنني خضت مثله هذه المحنة.. 



لقد ظهر لنا أن هؤلاء الاشتراكيين العرب، يريدون كلمة الاشتراكية وحدها. ولا يهتمون بعد ذلك للعقائد والعبادات التي هى لباب الإسلام. 

وعندما كنا نبرز لهم من تعاليم الإسلام ما يغنى عن المبادئ والتطبيقات التي سحرتهم من ثقافة الغرب والشرق، كانوا يأخذون هذا البدل المعروض ويجردونه من صبغته الإسلامية، ثم يمضون في طريقهم دون إسلام أو آخره أو خشية أو خلق...

ومن هنا وضع الله الشؤم في سياستهم الاقتصادية فما دسوا أصابعهم في خضراء إلا جفت، ولا دخلوا بلدا إلا نعق بين أيديهم البوم، وعم القشف الأسر والأفراد..

إنهم ـ كما قيل ـ أفقروا الأغنياء، لم يغنوا الفقراء،: تلك هى حدود اشتراكيتهم، ومبعث كراهية الجماهير لها.. 



وقد أظهرت الأيام أن النظام الشيوعي ليس منهاجا اقتصاديا ناجحا، بل هو أسلوب قاس لمساندة حكم فردي شديد الاستبداد.. 

ومع هذا كله، فإن الاشتراكية حلم طبقات كثيرة من الناس، لماذا؟ ألأنهم لا يعرفون مقابحها؟ ربما.

لكن الذي أرجحه أن الرأسمالية الاستعمارية في الغرب من وراء هذه الأماني الباطنة، فهى رأسمالية تأكل السحت، وتهوى الاحتكار، وتقوم على الأثرة..

والإسلام الذي شرفنا الله به احتوى ثروة هائلة من النصوص والتوجيهات التى تحترم رأس المال، وتصون حق صاحبه فيه، وفي الوقت نفسه تدفع الغني إلى جعل ماله مصدر بركة للجماعة، وتقيم من الجماعة رقيبا يمنع الغنى المطغي، والفقر المنسي سواء بسواء.

وحق على العلماء والدعاة أن يربطوا سلوكهم بهذه الوصايا الإلهية فى شأن المال وكسبه وتداوله. 

فإذا رأوا غصبا لأرض من الأرضين، أو حق من الحقوق، صاحوا محذرين!. وإذا رأوا هضما لكادح جف عرقه دون أن يبلغه حقه، صاحوا محذرين. وإذا رأوا بائسا انقطعت موارده صاحوا يطلبون له الصدقة. 

والأمر أكبر من صياح واعظ، إنه يجب تحويل التعاليم السماوية إلى شبكة من القوانين الصادقة، والأنظمة المرعية، فإن الدعاية الإسلامية تحرز حظوظا مضاعفة من النجاح يوم يساندها هذا المجتمع المبارك.

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة